مع عودة العقوبات الاقتصادية على إيران يعود الجدل حول تأثيراتها الحقيقية على الاقتصاد وشرائح واسعة من الشعب الإيراني.

دفعت العقوبات الأميركية على إيران وخاصة الأخيرة منها بتيار سياسي يتبنى الانفتاح على الغرب وحل مشكلة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية إلى الهامش وحشرته في زاوية الفعل السياسي.

فحالة الحنق الإيراني مما وصل إليه الاتفاق النووي وسياسة العداء "الترمبية" لم تعد تسمح لتلك الأصوات بأن تدافع عن توجهاتها، وهي الأصوات التي علت في ساحة السياسية الإيرانية مع صعود روحاني والتوقيع على الاتفاق النووي بما تضمنه من رفع العقوبات.

في ربيع روحاني الذي ازدهر قبل أن تحرقه نيران ترمب الهوجاء، وجد مفكرون إيرانيون، ومنهم محمود سريع القلم، السياق ملائماً للقول بأن إيران بدون الانخراط في العلاقة مع الخارج "ستواجه أفولاً دائماً"، ولذلك فإنها تحتاج إلى استراتيجية وطنية، تستلزم إحداث حالة تحول ثقافي، وإشاعة العقلانية والوصول إلى فهم مشترك حول ماهية النظام الدولي.

كان من الواضح أن منظري تيار روحاني قد وضعوا "الاستثمار الخارجي" كشرط لإحداث التقدم، لكن الخارج المنشود هو الغرب، وضمن هذه الرؤية فإن "الصلح بين إيران وأمريكا، يتيح لإيران إمكانيات أكبر للاستثمار والتجارة"، وهو مايفرض تغييراً في السياسة الخارجية الإيرانية.

كان يمكن لهذا المسار السياسي، أن يوسع من دائرة نفوذه داخل إيران مقصياً شيئاً فشيئاً تيار العداء مع "الشيطان الأكبر" لو استمرت وتيرة إزالة العقوبات، مع دعم شعبي من قطاعات واسعة أرهقتها دورات العقوبات المتتالية، لكن سياسة ترمب نحو إيران، وسل سيف العقوبات مجدداً ختم بشكل واضح أطروحات هذا التيار وأوصلها إلى نهاياتها.

من يد أوباما المخملية خرجت أقسى العقوبات

ويختص التأثير الأشد للعقوبات بعهد باراك أوباما في الفترة من 2007 إلى 2013، إذ إن التأثيرات التي أحدثتها تلك العقوبات لم يتمكن الاقتصاد الإيراني من التعافي منها مع فترة الانتعاش القصيرة التي أعقبت توقيع الاتفاق النووي.

ويضع تقييم مرشد الثورة الإسلامية سياسة أوباما والتي وصفت بـ"قبضة فولاذية في قفاز مخملي" في مصاف السياسات الأكثر خطورة على الجمهورية الإسلامية مقارنة بسياسة ترمب.

عام 2009 وبينما كانت وسائل الإعلام تتابع خبر رسالة أوباما إلى خامنئي كان خبراء العقوبات في الإدارة الأمريكية يصوغون خطة عقوبات غير مسبوقة، ولم تمضِ فترة على رسالته المهنئة بعيد النوروز حتى كانت واشنطن تنجح في إصدار قرار مجلس الأمن رقم 1929 ضد إيران محدثاً تأثيراً غير مسبوق في أربعة قطاعات في مقدمتها الطاقة.

ما تفعله إدارة ترمب اليوم على صعيد العقوبات ضد إيران خرج كله من معطف أوباما مع فرق واضح في مفردات الخطاب السياسي.

فاطمة الصمادي

وفي عام 2010 وقّع أوباما قانون CISADA للعقوبات الشاملة على إيران، والذي طال بصورة مباشرة مجالَي النفط والغاز، لكن المادة المتعلقة بالحوالات البنكية كانت الأكثر تأثيراً إذ أصابت النظام البنكي في إيران بضرر بالغ.

وفي عام 2011 أصدر أوباما قراراً يلاحق الشركات التي تستثمر في مجال النفط والغاز في إيران. وفي العام ذاته أقرت الخزانة الأميركية عقوبات أحادية الجانب طالت الصنائع البتروكيماوية والبنك المركزي الإيراني والحمل والنقل. وشهد عام 2012 سلسلة إجراءات صبت في مجال تقوية العقوبات على إيران وتهديد المتعاملين معها.

في المحصلة فإن ما تفعله إدارة ترمب اليوم على صعيد العقوبات ضد إيران خرج كله من معطف أوباما، مع فرق واضح في مفردات الخطاب السياسي.

العقوبات الأمريكية ليست مشكلة إيران الاقتصادية

يميل عدد من المسؤولين في إيران إلى التقليل من تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني ويرون أن معضلته الأساسية داخلية، أساسها الإدارة الفاشلة، وتسود في أوساط التيار الأصولي على وجه التحديد قناعة مفادها أن العقوبات مسؤولة بالحد الأقصى عن 30% من المشكلات الاقتصادية التي تواجهها إيران.

فعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام ورئيس بلدية طهران الأسبق محمد باقر قاليباف يتحدث عن نسبة تصل إلى 30%، لكن وزير الرفاه في حكومة أحمدي نجاد عبد الرضا مصري يعتقد بأن النسبة تتراوح بين 10% و15% وأن مايزيد عن 80% من مشكلات الاقتصاد الإيراني سببها سوء الإدارة.

ومن اللافت أن نجد شخصية اقتصادية معروفة مثل أسد الله عسكر أولادي الذي يرأس عدداً من غرف التجارة ويصنف من أغنى تجار إيران يرى أن القرارات الخاطئة للوزراء والمسؤولين المتعاقبين مسؤولة عن 90% من مشكلات الاقتصاد الإيراني فيما تتحمل العقوبات 10% من المسؤولية.

اللافت أكثر أن حسن روحاني نفسه الذي راهن كثيراً على إزالة العقوبات وقال بأن ذلك كفيل بحل المعضلة الاقتصادية، كان قبل تولّيه الرئاسة يتبنى قناعة بأن 80% من مشكلات إيران الاقتصادية سببها الإدارة الفاشلة، وكثيراً ما وجّه النقد إلى السياسات الاقتصادية لأحمدي نجاد، ونجد لرئيس مجلس الشورى علي لاريجاني موقفاً مماثلاً.

ومؤخراً تحدث رئيس منظمة التخطيط والموازنة محمد باقر نوبخت عن أن العقوبات مسؤولة عن بعض مشكلات الاقتصاد الإيراني لكن العلاقة منتفية فيما يتعلق بالكثير منها.

قد لا يخرج الرأي السابق عن حالة الصراع السياسي في إيران اليوم متخذاً من العقوبات عنواناً، لكن الاقتصاد ودور الدولة كان على الدوام محوراً في الخلاف بين التيارات السياسية الإيرانية منذ انتصار الثورة، وكان سبباً للخصومة بين ميرحسين موسوي يوم كان رئيساً للوزراء وهاشمي رفسنجاني، فبينما كان الأول يدافع عن دور محوري للدولة في الاقتصاد كان رفسنجاني وفريقه يدافعون بشكل محموم عن تحرير الاقتصاد والانفتاح.

تسييس العقوبات والضرر الحقيقي

إن تسييس الجدل بشأن تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني لم يفلح في نفي حقيقة أنه تلقى ضربات قاصمة بفعلها، وأن أفق التعافي الذي فُتح مع الاتفاق النووي جرى إغلاقه بانسحاب واشنطن من الاتفاق وإعادة العقوبات وانتهاج سياسة الضغط الأقصى.

يدعم ذلك تقارير رسمية إيرانية تتحدث بشكل واضح عن تراجع المؤشرات الاقتصادية بالتزامن مع عودة العقوبات. وفي مراجعة سريعة نجد أنه عودة العقوبات وتراجع تصدير النفط الإيراني ينذر بأزمة اقتصادية ولا يمكن القول بمحدودية تأثيرها في دولة ريعية يعتمد اقتصادها بشكل كبير عليه.

ويتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاعاً في معدل التضخم إلى مايقرب من 40% وانكماشاً اقتصادياً بنسبة 6%، يرافق ذلك تراجع للقدرة الشرائية للمواطنين ووقف الدعم عن عشرات السلع الأساسية.

تركت العقوبات أقل الأثر على حلقة صناعة القرار وأمضى الأثر على حلقة المجتمع ومتطلبات الحياة.

فاطمة الصمادي

ومن الأبحاث الهامة التي درست تأثير العقوبات بصورة إمبريقية دراسة أجراها ماتياس نوينكيرش ونيومير فلوريان حول تأثير العقوبات الاقتصادية للأمم المتحدة والولايات المتحدة على نمو الناتج المحلي الإجمالي، وبحثت حالة 68 دولة وغطت الفترة 1976-2012.

ووجدت أن العقوبات الاقتصادية الشاملة للأمم المتحدة تؤدي إلى انخفاض في نمو الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 5 نقاط مئوية، وتستمر هذه الآثار الضارة لمدة 10سنوات. أما العقوبات الأمريكية فتستمر آثارها لسبع سنوات.

يتجادل الساسة في إيران اليوم حول تأثير العقوبات من عدمه، لكن العقوبات التي استهدفت حلقات عدة أهمها: حلقة القيادة ومتطلبات الحياة والبنى التحتية والمجتمع والقدرات الدفاعية، تركت أقل الأثر على حلقة القيادة (حلقة صناعة القرار)، وأمضى الأثر على حلقة المجتمع ومتطلبات الحياة.

وتفيد ندوة لجمعية علماء الاجتماع الإيرانيين بأن العقوبات وجهت ضربة شديدة للطبقة المتوسطة في إيران، في حين ساهمت سياسة الدعم -إلى الآن- في تماسك الطبقة الفقيرة، أما الطبقة المترفة فوظفت حالة الغلاء لمزيد من المكاسب في دولة كانت العدالة الاجتماعية شعاراً بارزاً في ثورتها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي