بينما تتقدم تركيا في علاقتها بإسرائيل من حميمية أربعينيات القرن العشرين إلى العداء والندية في القرن الحادي والعشرين، تنتقل الإمارات في الزمن بالعكس، لتعود إلى الوراء وتحاولَ استنساخ حميمية أربعينيات القرن العشرين في علاقتها بإسرائيل.

(لماذا تعيبون على الإمارات ما لا تعيبونه على تركيا؟)، (قبل أن ترفضوا تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل عليكم أن تراجعوا تركيا!)، (تركيا: سبعون عاماً من التطبيع مع إسرائيل).. هذه بعض الحجج التي أطلقتها حملات الآلة الإعلامية الموالية لدولة الإمارات العربية المتحدة في وجه منتقدي الإعلان المشترك الذي صدر الخميس 13 أغسطس/آب 2020، حول التوصل إلى "اتفاق سلام" وتفاهم لتطبيع العلاقات بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك في محاولات حثيثة للآلة الإعلامية الإماراتية والموالية لها في بعض الدول العربية لتبرير الاتفاق.

ومن الملاحَظ أن هذه الحملة التي انطلقت على وسائل التواصل الاجتماعي جاءت مباشرة في اليوم التالي للإعلان، إذ كانت وسائل التواصل المحسوبة على الإمارات قد انشغلت يومَ الإعلان في تبرير الخطوة الإماراتية على أساس أن تلك الخطوة مكَّنت الإمارات من "وقف" عملية الضم الإسرائيلية المرتقبة لأراضي الضفة الغربية وغور الأردن، وجاء البيت الأبيض الأمريكي ليضيف إليها حجةً أخرى تتعلق بالسماح للمسلمين بالصلاة في المسجد الأقصى المبارك انطلاقاً من أبو ظبي!

وكان يمكن لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المحسوبة على الإمارات أن تستمر في ترويج تلك الحجج لولا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خرج على الإعلام ووجه أول صفعةٍ سياسية للأصدقاء الجدد، عندما أعلن في مؤتمره الصحفي أن خطة الضم لم تتغير، وأن ما حدث لا يعدو كونه مجرد "تجميد" مؤقت لعملية الضم.

ثم أعلن المقدسيون ردهم على الإعلان بعد صلاة الجمعة مباشرةً بتمزيق صور ولي عهد أبو ظبي وإطلاق صيحات الاستنكار لهذه الخطوة. فما كان من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المحسوبة على الإمارات إلا أن انطلقت لترويج الخطوة (فيما يشبه هجمةً عكسية) من خلال مقارنة الخطوة الإماراتية بالعلاقات الإسرائيلية التركية والقطرية، وإن كانت الهجمة على تركيا أكبر باعتبار أن السفارتين لا تزالان تعملان في البلدين، بعكس قطر التي لا تقيم حالياً علاقات دبلوماسية.

للمزيد اقرأ:
الدومينو العربي.. من التالي في مسلسل التطبيع مع إسرائيل؟

من الضروري هنا أن نبين أن هناك فرقاً شاسعاً بين العلاقات الإسرائيلية التركية في وقتنا الحالي من جهة، والعلاقات الإسرائيلية الإماراتية التي ظهرت إلى العلن من جهةٍ أخرى.

وقبل أن أشير في هذا المقال إلى هذه الفروق الواضحة، فإنه لا بد ابتداءً من تأكيد أني شخصياً أرفض أي شكل من أشكال العلاقة الطبيعية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي من حيث المبدأ. ومن هذا المنطلق فإنه ينبغي أن لا ننسى أن العلاقات الإسرائيلية التركية ليست وليدة اليوم، بل إنها تعتبر من التَّرِكة الثقيلة التي تركها النظام السياسي السابق في تركيا، والذي حكم البلاد فيما بعد سقوط الدولة العثمانية حتى ما بعد النكبة الفلسطينية وإعلان دولة إسرائيل على أرض فلسطين الانتدابية عام 1948م.

فالنظام العسكري التركي في ذلك الوقت كان من أوائل أنظمة الحكم في العالم التي اعترفت بإسرائيل وأقامت علاقات دبلوماسية معها، وكان ذلك ضمن رؤية ذلك النظام للسعي للالتحاق بالركب الغربي والابتعاد عن المحيط العربي والإسلامي، الذي كان يشكل في نظره بقايا الإرث العثماني الذي ينبغي التخلص منه. فإنشاء العلاقات الطبيعية بين تركيا وإسرائيل بشكل رسمي، في شهر مارس/آذار عام 1949م، حدث في الوقت نفسه الذي كان فيه الأذان في تركيا يقام باللغة التركية، وكان كل ما يتعلق بالروابط بين تركيا ومحيطها العربي والإسلامي مقطوعاً تماماً وممنوعاً بالقوة.

وبالتالي فإنه في كل الفترات التي تسلم فيها الحكم في تركيا حكومات محافظة أو قريبةٌ من المحيط الإسلامي (من عدنان مندريس مروراً بأربكان)، فقد وجدت هذه الحكومات نفسها مكبلةً بعملية تطبيع كامل وشامل وراسخ للعلاقات بين تركيا وإسرائيل، وقد أصبحت من ثوابت السياسة التركية القديمة التي كانت تشرف عليها المؤسسة العسكرية وتحرسها وتدافع عنها بقوة، وكانت هذه العلاقات هي الأساس الأهم في كل تحالفات تركيا القديمة مع الغرب عبر أوروبا وحلف الناتو، ممَّا كان يكبل تلك الحكومات تحت سيف الانقلابات العسكرية التي عصفت بتركيا غير مرة.

للمزيد اقرأ:

"دبلوماسية واتساب".. ما دور كوشنر في "اتفاق أبراهام"؟

وعندما تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم في بداية القرن الحادي والعشرين، كانت هذه الاتفاقيات والتحالفات أصبحت جزءاً أصيلاً من السياسة الخارجية التركية، وبالتالي فإنه كان من المستحيل تغيير هذه السياسة الخارجية بجرَّة قلمٍ في بلدٍ كان يسيطر عليه العسكر.

ومع ذلك فإن حكومات العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان دخلت في سلسلةٍ طويلة من الإجراءات لتخفيف هذه العلاقات مع إسرائيل، وعملت على مدى عشرين عاماً تقريباً على تغيير صورة التحالف القوي القديم إلى علاقة ندية أولاً، ثم متأرجحةٍ ثانياً. حتى الوصول أكثر من مرة إلى علاقات مأزومةٍ (كما حصل يوم سفينة مافي مرمرة)، مع المحافظة على عدم المبادرة إلى قطع تلك العلاقات نهائياً بما يمكن أن يثير حفيظة القوى العالمية التي كانت تنتظر خطوة تصعيدية كهذه تكفي لانتهازها والانقضاض على تركيا بنفس الحجج المعلّبة الجاهزة، فعملت بدلاً من ذلك على زعزعة الثقة بين الطرفين، وتحويل العلاقة مع إسرائيل من مكسب كبير لإسرائيل، كما كانت على مدى أكثر من سبعين عاماً، إلى عبء على إسرائيل.

ويكفي للدلالة على ذلك محاولات الحكومة الإسرائيلية ضرب العلاقات بين الأردن وتركيا عبر الادعاءات الكثيرة عن دور مؤثر لتركيا في القدس، وشكواها الدائمة من الوجود التركي الرسمي عبر المشاريع المختلفة في القدس والداخل.

ويكفي أن نعلم أن دولة الاحتلال باتت تعتبر وجود الأتراك في القدس عبئاً كبيراً عليها تحاول التخفف منه بقدر الإمكان، لما يمثله وجود الأتراك هناك من استفزاز لشرطة الاحتلال، حتى وصل الأمر في قضيةٍ مشهورةٍ إلى اعتقال مواطنةٍ تركية بحجج أمنية وبزعم التحريض على إسرائيل.

بالتالي يتبين لنا أن ما فعله حزب العدالة والتنمية منذ تسلمه الحكم في تركيا، فيما يتعلق بإسرائيل، كان يدور دائماً حول قصقصة فروع تلك العلاقة والتخفف منها، وتحويل تركيا وإسرائيل من صديقين حميمين إلى نِدَّين لَدودَين لديهما علاقات دبلوماسية شكلية.

للمزيد اقرأ:

اتفاق العار .. أو الطعنة من الخلف؟

ونجح الحزب خلال هذه السنوات في تفكيك التحالف الاستراتيجي القديم الذي كان يمثل أساساً متيناً في العلاقات بين الطرفين. وبدلاً من أن تتقاطع كل مصالح تركيا وإسرائيل، كما كان الأمر سابقاً، فقد أصبحت مصالحهما تتنافر بشكل واضح، مع إبقاء شعرة معاوية بين الطرفين، بحيث تحرص حكومات العدالة والتنمية على أن لا تكون الخصم الذي يثير النظام العالمي ضد تركيا، فذلك النظام هو الذي أسس دولة إسرائيل وزرعها في المنطقة.

ومن السهل جداً هنا أن يتبين لنا الفرق الكبير بين هذه العلاقة بشكلها الحالي من ناحية، وبين الإعلان الثلاثي الإماراتي الإسرائيلي الأمريكي حول تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل من ناحية أخرى.

فالإمارات في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تبنت على الدوام خطاً معادياً للاحتلال الإسرائيلي، حتى وصل الأمر بتلفزيون أبو ظبي إلى أن يصبح الأول من حيث المتابعة في فلسطين في بداية انتفاضة الأقصى عام 2000م.

لكن التحول الكبير الذي يجري حالياً يتعلق بالدرجة الأولى بنقل العلاقة بين الإمارات وإسرائيل من مرحلة العداء إلى مرحلة الحميمية والتحالف الاستراتيجي، وهو بالضبط عكس ما يحدث في تركيا.

فلا يصح بالتالي عقد أي مقارنةٍ بين علاقة الطرفين بإسرائيل، وشتان بين أن تنقل بلداً كان حليفاً عميقاً للاحتلال الإسرائيلي إلى الخندق المقابل تماماً لمصالح إسرائيل، وبين أن تفعل العكس!

فما يبدو لي هنا هو أن ما يجري في الإمارات هو محاولةٌ لعكس اتجاه عقارب الزمان، فيما يشبه استنساخاً معكوساً تماماً للحالة التركية الإسرائيلية، فبينما تتقدم تركيا في علاقتها بإسرائيل من حميمية أربعينيات القرن العشرين إلى العداء والندية في القرن الحادي والعشرين، تنتقل الإمارات في الزمن بالعكس، لتعود إلى الوراء وتحاولَ استنساخ حميمية أربعينيات القرن العشرين في علاقتها بإسرائيل، متناسيةً أن الأصل دائماً هو التقدم إلى الغد، لا التراجع إلى الأمس.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي