Picture illustration of crytocurrencies (Florence Lo/Reuters)

وهو الأمر الذي رجح اقتراب نهاية مرحلة سيطرة الدولار على العملات في العالم آنذاك.

ولكن جاء الاتفاق الأمريكي السريع مع المملكة العربية السعودية عام 1973 بربط سعر بترولها بالدولار، ثم تعميم هذا الاتفاق على دول أوبك بالكامل، إيذاناً بمرحلة سيطرة جديدة للدولار الأمريكي على العملات في العالم سميت مرحلة البترودولار، وبداية عهد الهيمنة الأمريكية التي ترسخت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، واستمرت على الرغم من الأزمات الاقتصادية العاصفة والمتلاحقة التي يعي الجميع أنها النتيجة الطبيعية والحتمية للعولمة ومؤسساتها الاقتصادية التي تدعم بقاء هذه الهيمنة.

وخلال العقود الماضية حاول العديد من دول العالم التملص من هيمنة الدولار الأمريكي لتحقيق بعض من الاستقلالية الاقتصادية المنشودة، فبدأت محاولات صك عملة إقليمية مثل الدينار الذهبي الإفريقي، وهي المحاولة التي لم يكتب لها النجاح مقارنة بنجاح عملة الاتحاد الأوروبي اليورو في الظهور والاستمرار، كما بدأ الإعلان عن اتفاقيات للتبادل التجاري بالعملات المحلية بين دول العالم المختلفة، بخاصة التي تتمتع بقاعدة تصديرية قوية، سواء من المواد الخام أو من السلع المصنوعة.

كما نوعت البنوك المركزية الكبرى في العالم من المكونات الرئيسية لاحتياطيات النقد الأجنبي، وبدا واضحاً تهافتها على شراء الذهب ومعاودة الاعتماد عليه مكوناً رئيسياً لتلك الاحتياطيات إلى جانب العملات الرئيسية الأخرى في العالم حفظاً لقيمة الاحتياطيات من الانهيار في حال تأزم أحوال الاقتصاد الأمريكي الذي أدمن الاقتراض وبات مهدداً أكثر من وقت مضى بالتوقف عن السداد.

واستمرت محاولات الدول للإفلات من هيمنة الدولار حتى انتشرت العملات الإلكترونية التي تقفز عالياً فوق كل المعوقات التي واجهت المحاولات السابقة، وعلى الرغم من رفض البنوك المركزية الاعتراف بهذه العملات في بدايتها إلا أنه سرعان ما تواترت الأنباء حول تبني بعض هذه البنوك إصدار عملات رقمية تابعة لها، ووفقاً لبنك التسويات الدولية (BIS)، فإن 80% من البنوك المركزية حول العالم منخرطة في البحث أو التجريب أو تطوير عملات البنوك المركزية الرقمية.

وبدأ النمر التركي الناهض محاولات التملص من الهيمنة الامريكية مبكراً، فعُقدت اتفاقيات مبادلة بالعملات المحلية مع العديد من الدول، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بدأت المبادلات بالعملة المحلية فعلياً بين الصين وتركيا التي تضاعفت قيمتها لاحقاً أكثر من مرة، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، أعلن الرئيس التركي أردوغان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الإيراني في طهران، أن تركيا وإيران قررتا التعامل بالعملات المحلية في علاقاتهما الاقتصادية للتخلص من ضغوط العملات الأجنبية، ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى أعلن عن اتفاقية مماثلة مع قطر عام 2018، ما لبثت أن تضاعفت قيمتها إلى 15 مليار دولار في مايو/أيار من العام الماضي.

كما أعلن في نفس الوقت تقريباً أن مسؤولي الخزانة والبنك المركزي التركي أجروا محادثات ثنائية مع نظرائهم من اليابان وبريطانيا بشأن إنشاء خطوط مبادلة عملة، كما دعا الرئيس أردوغان لاحقاً دول مجموعة الثماني الإسلامية، وهي تركيا وإيران وباكستان وبنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا ومصر ونيجيريا، لاستخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية.

ولم تتوقف المحاولات عند التبادل بالعملات المحلية بل تخطتها إلى زيادة كميات الذهب في احتياطيات النقد الأجنبي، وبنهاية العام الماضي وعلى الرغم من تداعيات جائحة كورونا فقد وصلت تركيا إلى أكبر احتياطي للذهب في تاريخها، فحافظ البنك المركزي التركي على صدارته في شراء الذهب عالمياً للعام الثاني على التوالي، وبذلك حلت تركيا بالمركز الـ12 عالمياً بقائمة أكبر البنوك المركزية حيازة للذهب، بحجم احتياطات تقدر بـ567.9 طن، تعادل 44.8% من إجمالي الأصول الاحتياطية لدى البنك المركزي.

وفي إطار مساعيها نحو التحرر من التبعية والهيمنة وتطوير الاقتصاد الرقمي كشفت تركيا عن نيتها اختبار عملة رقمية للبنك المركزي CBDC عام 2019، بعد أن جرى ذكرها في البرنامج الرئاسي السنوي للرئيس أردوغان، كما أعلن البنك المركزي التركي CBRT أنه في إطار بحثه عن الفوائد المحتملة لإدخال الليرة التركية الرقمية لاستكمال البنية التحتية للمدفوعات الحالية، فقد شكَّل منصة تعاون الليرة التركية الرقمية مع ثلاث شركات بحثية وتقنية محلية، وهي شركة الصناعات الدفاعية "أسيلسان" وشركة "هافيلسان" للأنظمة الدفاعية وتكنولوجيا المعلومات ومركز "توبيتاك" للمعلوماتية وأمن المعلومات.

وحسب بيان البنك المركزي فإن التعاون سيعمل في مرحلته التالية على تطوير نموذج أولي لشبكة الليرة التركية الرقمية وإجراء اختبارات الدائرة المغلقة المحدودة بمساعدة أصحاب المصلحة في مجال التكنولوجيا، وبناءً على نتائج تلك الاختبارات التي من المرجح أن تتكشف عام 2022 سيكشف البنك المركزي التركي عن مراحل متقدمة من الدراسة التجريبية التي من المفترض أن تعكس مشاركة أوسع.

تسارعت القفزات الاقتصادية للنمر التركي الناهض، وبات تعافي الاقتصاد التركي من وباء كورونا وانتعاشه واقعاً مشهوداً، ولكن المنافسة للدخول بين الاقتصاديات العشر الكبرى في العالم ستشهد تحديات وصراعات لا بد من الاستعداد لها، لا سيما في ظل انحسار الدور الأمريكي الذي قد يتبعه انحسار مرحلة البترودولار التي امتدت خلال العقود الخمسة الماضية، مما يتطلب تمدداً مدروساً لملء الفراغات.

تتشابك خيوط النظام الاقتصادي العالمي بشدة، الأمر الذي يعقد محاولة الانعتاق من أعمدته الرئيسة وفي مقدمتها الدولار، ولكن الخطوات التركية المتوازنة والمتسارعة نحو الاستقلال الاقتصادي تشير إلى أن الإرادة السياسية الصلبة والمبادرات الاقتصادية الفاعلة والتعاون مع دول العالم انطلاقاً من إعلاء المصالح المتبادلة، والاستعداد لجني الفرص المتاحة التي غالباً ما تعقب الأزمات، كلها خطوات علي الطريق الصحيح في مرحلة اقتصاديات ما بعد البترودولار.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي