طفلين لاجئين في أحد مخيمات اللاجئين في تركيا (Getty Images)

فوفقاً لبيانات الأمم المتحدة أجبرت الحرب في سوريا نحو 6 ملايين و600 ألف شخص على مغادرة البلاد، لجأ منهم نحو 3 ملايين و 700 ألف شخص إلى تركيا، الأمر الذي جعلها أكبر دولة مستضيفة للاجئين حول العالم.

ورغم زيادة الخطابات السلبية في الرأي العام المحلي مؤخراً تجاه اللاجئين ووقوع بعض الحوادث في هذا الإطار، فإن تركيا لا تزال تتعامل مع قضية اللاجئين بصورة عقلانية حكيمة مقارنة مع ما تشهده دول شبيهة. ولا شك أن فهم العناصر الأساسية لهذه السياسة العقلانية سيسهم في التوصل إلى رؤية وتقييم أدق لسياسة تركيا في ملف اللاجئين.

تتبنى تركيا في إدارتها لملف اللاجئين نهجاً عقلانياً مقارنة مع الدول الأوروبية. فمنذ اندلاع أولى شرارات الحرب في سوريا طبقت سياسة الباب المفتوح، وحرصت على توفير ظروف إنسانية لإقامة اللاجئين على أراضيها.

وأكد المسؤولون الأتراك، وفي مقدمتهم الرئيس طيب أردوغان، في أكثر من مناسبة أنهم ينظرون إلى اللاجئ القادم إلى البلاد كإنسان بغض النظر عن أصله، ومعتقده، ولغته، ولونه، وثقافته، كما أولوا اهتماماً خاصاً لقضية دمج اللاجئين داخل المجتمع التركي.

وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن سياسة تركيا إزاء اللاجئين تحرص على عدم لومهم أو اتهامهم بأي شيء، إنما تسعى لفهم الظروف التي يعيشون فيها وتوفير سبل لحل ما يواجهونه من تحديات.

هذه السياسة أيضاً ترى أن مغادرة اللاجئين لسوريا في ظل مخاطر الحرب الأهلية أمر صائب، وتدافع عن أن تأمين وحماية أرواح هؤلاء اللاجئين يعد أولوية للمجتمع الدولي. وعلاوة على ذلك فإن تركيا وفرت كل الوسائل لوصول اللاجئين إلى كل الخدمات الأساسية. ولكي يواصلوا حياتهم اليومية في ظروف إنسانية قدمت تركيا للاجئين كل الخدمات اللازمة، وفي مقدمتها الصحة، والتعليم، والإسكان، والتغذية.

وفي مقابل النهج الإنساني الذي تبنته تركيا إزاء اللاجئين، وقعت مأساة إنسانية في الدول الأوروبية، حيث أغلقت أوروبا حدودها في وجه اللاجئين واعتبرت محاولات اللاجئين التوجه إلى أوروبا "أزمة".

و للوقوف أمام هذه "الأزمة"، طلبت أوروبا أن يبقى اللاجئون في دولة آمنة خارج القارة، أي في تركيا، وهو ما يتناقض مع بنود اتفاقية جنيف لعام 1951 في هذا الشأن.

ونصت الاتفاقية الموقعة بين أوروبا وتركيا بخصوص اللاجئين في عام 2016 على استقبال تركيا المهاجرين الواصلين إلى اليونان ممَّن تأكد انطلاقهم من الأراضي التركية، ويتم اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل إعادة المهاجرين غير السوريين إلى بلدانهم، في حين يجري إيواء السوريين المعادين في مخيمات داخل تركيا، وإرسال لاجئ سوري مسجل لديها (رسمياً) إلى بلدان الاتحاد الأوروبي مقابل كل سوري معاد إليها.

كما نصت الاتفاقية على أن تتخذ تركيا التدابير اللازمة لمنع تدفق اللاجئين غير النظاميين، حيث بلغ عدد اللاجئين الذين انتقلوا إلى اليونان من تركيا نحو 800 ألف من بين أكثر من مليون لاجئ وصلوا إلى أوروبا في عام 2015.

فيما يبدو اليوم أن فشل أوروبا في أزمة اللاجئين قد تحول إلى مأساة إنسانية. فعلى عكس ما فعلت تركيا، فشلت أوروبا في اتخاذ تدابير لضمان أمن وسلامة اللاجئين. ونتيجة لذلك، تعيش أوروبا حالياً مأساة إنسانية خطيرة. فمثلاً، منذ عام 2018 اختفى في ألمانيا نحو 20 ألف طفل لاجئ. وفيما لم يُعرف بعد مصير هؤلاء الأطفال، يُعتقد أنهم وقعوا في أوكار عصابات الدعارة والاتجار بالأعضاء.

ورُغم مواصلة تركيا سياستها الناجحة إزاء ملف اللاجئين، شهدت البلاد في الآونة الأخيرة توترات اجتماعية على خلفية خطابات تمييزية مناهضة للاجئين صدرت عن أحزاب المعارضة.

وقد بدأت هذه التوترات بتصريحات أدلى بها زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كلتشدار أوغلو في الشهور الماضية قال فيها: "سنعيد إخواننا السوريين بسلام إلى بلدهم، فعندما نصل إلى السلطة بإذن الله سنحل ملف سوريا، وأزمة سوريا، وأزمة السوريين في غضون عامين".

وعقب هذه التصريحات سيطر ملف اللاجئين على المناقشات في الرأي العام المحلي، وتلا ذلك خطابات مناهضة للاجئين صدرت عن ساسة معارضين عديدين، كان أبرزهم تانجو أوزجان رئيس بلدية بولو الكبرى (شمال غرب).

ويرجع أهم أسباب هذه المناقشات والخطابات إلى سعي أحزاب المعارضة إلى خلق استقطاب لدى الناخبين في ما يتعلق بـ"مناهضة اللاجئين"، والحصول على مزيد من الأصوات، لا سيما مع اقتراب انتخابات عام 2023.

فأحزاب المعارضة التركية تنسخ حرفياً تجربة أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا التي نجحت في زيادة شعبيتها عبر استغلال ملف مناهضة اللاجئين.

من المهم أيضاً الإشارة إلى أن أحزاب المعارضة في تركيا تسعى إلى إظهار اللاجئين على أنهم مشكلة كبيرة للبلاد، وذلك في إطار 3 محاور. يتمثل المحور الأول في مزاعم أن اللاجئين هم سبب التحديات الاقتصادية التي تواجهها تركيا، كذلك أن العمال اللاجئين غير المسجلين هم سبب ارتفاع نسبة البطالة في البلاد. فيما يتمثل المحور الثاني في مزاعم أن اللاجئين صاروا مشكلة أمنية في تركيا، يهددون أمن وسلامة المجتمع عبر تشكيلهم لتجمعات وعصابات. أما المحور الثالث فيتمثل في مخاوف مصطنعة من انخراط اللاجئين داخل البنية الاجتماعية والثقافة التركية.

لا شك أن كل هذه الخطابات تهدف إلى عرقلة سياسة تركيا الإنسانية والعقلانية في ملف اللاجئين المتواصلة منذ عشر سنوات.

وقد وضع الرئيس أردوغان حداً لحملة المعارضة حول إعادة السوريين إلى بلدهم بتعهده بأن تركيا لن تلقي باللاجئين السوريين في أحضان "القتلة"، ما دام بالسلطة في البلاد.

وكحل عقلاني ونهائي لأزمة اللاجئين، اقترح الرئيس أردوغان تأسيس منطقة آمنة في سوريا يمكن للاجئين أن يعيشوا فيها. كما أكد في أكثر من مناسبة أنه لن يسمح بإثارة خطوط الصدع في تركيا في ما يتعلق بملف اللاجئين. لذا، فبدلاً من الخطابات التمييزية والحملات الدائرة على منصات التواصل الاجتماعي حول ملف اللاجئين، ينبغي الإنصات أكثر إلى الخطابات الرسمية الصادرة عن الدولة التركية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي