لقد فرضت بريطانيا يوماً ضريبة على الضوء أو الشمس من خلال تضريب عدد نوافذ البيت، واليوم يفرض بعض الحكومات العربية ضريبة على الاتصالات المجانية؛ كان الرد في كلتا الحالتين ثورة شعبية.

لقد أنتج العقل الاقتصادي منطق التضريب لدفع المواطن إلى المساهمة في توفير الرأسمال المادي للإنفاق العمومي، وذلك عن طريق إضافة رسوم معلومة على الخدمات والمعاملات المالية التي يفيد منها أو يؤديها، على أساس أن تعود إليه ذات الرسوم في شكل بنيات تحتية ومنظومات صحية وتعليمية وثقافية، فالأصل المؤسّس لفكرة التضريب، وفي شكله المواطناتي الصرف، يقتضي أن يسترجع دافع الضرائب بِيُمْنَاه ما قدّمه بِيُسْرَاه.

ولهذا نجد أن الأنساق الديمقراطية تجعل أداء الضرائب نوعاً من الفهم الإجرائي لواجبات المواطنة، التي تقابلها طبعاً حقوق الاستفادة العادلة من مُخْرَجَاتِ التضريب، فالمواطن حينها يقوم بنوع من العطاء المستوجب بعدها للأخذ والاستمتاع بخيرات النسق؛ إنها عملية تدوير للثروة وإعادة إنتاج لها ضمن سيرورة من التمثل الجيد والنوعي لفكرة المواطنة.

طبعا لم يكُن يسيراً على دول الرفاه الاجتماعي أن تصل إلى هذه الثقافة الضرائبية المواطناتية، فقد تَطلَّب منها هذا المسار اختبار تجارب مؤلمة في فرض الضرائب، بل ومضحكة ومثيرة للشفقة في أحايين كثيرة، ففي بريطانيا مثلاً وخلال القرن الثامن عشر، وأمام جشع السُّلْطة، وجد الشعب نفسه مُجبَراً على أداء ضريبة الشمس أو الضوء، التي كانت تُحتسب على أساس عدد النوافذ التي يتوفّر عليها البيت الواحد، ما دفع كثيرين إلى إغلاق النوافذ بالطوب والأسمنت تلافياً لهذا التضريب الغرائبي الذي سقط إثر مظاهرات عامَّة سنة 1851.

ويمكن أن نسرد مزيداً من"الفظاعات الضريبية"التي عرفها التاريخ الإنساني، على الأقل منذ ثلاثة قرون، لنكتشف أن بنيات التسلط والاستبداد لا تجد حرجاً في فرض ضرائب لا تستند إلى أي أساس عقلاني، لتدبير موازناتها وتلبية حاجات "سلطاتها" المكلفة. ففي روسيا القيصرية فُرِضَت ضريبة على اللحية، مثلما فُرضت في بريطانيا ضريبة على اعتمار القبعة، وأخرى على الذقن والوشم والظل والبدانة، وما إلى ذلك من "بشاعة ضريبية".

المهم في ذلك كله أن "مبدع" الضريبة كان يجد المسوغات الكافية لتبرير"عنفه الضريبي"، وذلك بتوكيد أن حاصل الضريبة سينفق في إقامة مشروعات حيوية أو تلبية حاجيات الحرب والدفاع عن حوزة الوطن، وإن كان السبب الخفي وغير المعلن هو تحقيق الرفاه لمالكي وسائل الإنتاج والإكراه داخل بنيات التسلط.

في الحالة اللبنانية تحديداً كان "التضريب" الذي هَمَّ بسَنَّ رسوم جديدة على تطبيقات المكالمات المجانية بالإنترنت، سبباً مباشراً لإطلاق دينامية الاحتجاج، الذي كان من أبرز نتائجه الانتصار على الطائفية والصدح باسم الوطن لا غير، بعيداً عن الاصطفافات الهوياتية.

فسوط الضريبة الذي يُلهِب ظهور المواطنين في العالَم العربي، كان في كثير من الأحيان سبباً في خروجهم محتجين حانقين، إلى "ساحات التحرير" و"جسور المقاومة"، فالدولة العربية لا تجد من سبيل لإثراء مداخيلها سوى جيوب المواطنين الذين لا تخلو معاملاتهم اليومية من أداء رسوم ومكوس وإتاوات رسميَّة وغير رسميَّة لفائدة صناديق الدولة.

والحال أن ما عانته أوروبا قبلاً مع "العنف الضريبي"، الذي تجاوز حدود المعقولية بكثير، يبدو أن الدول العربية آخذة في استعادة تفاصيله، لتطبيقه بمزيد من العبث، في اتجاه بناء علاقة ضريبية صرفة بين المواطن ودولته، ودون أن يرى مفعول "معناه" الضريبي في حياته العامَّة.

وبالطبع فإن هذه الاستعادة تتفوق على نسختها الغربية، من حيث العجائبية واللا معقولية، فمثلما كان تضريب المكالمات المجانية في لبنان، فقد عرف المغاربة خلال تسعينيات القرن الماضي ضريبة غريبة عن استعمال الصحون الهوائية لالتقاط القنوات التليفزية الأجنبية، فيما لا تزال الضريبة عن الثروة التي ينبغي أن يؤديها الكبار ممنوعة من التطبيق في المغرب وفي كثير من البلدان العربية.

تقتضي العدالة الضريبية أن يؤدِّي جميع المواطنين الضريبة تبعاً لوضعهم المراتبي في المجتمع، على أساس أن يقود التضريب العادل إلى نقل الثروة من الأغنياء إلى الفقراء، في اتجاه التقليل من الهوة الطبقية، وتلافي ممكنات التوتُّر والحقد الاجتماعي الذي ينشأ بين من يملك ومن لا يملك.

إلا أن الواقع العربي لا يميل إلى الأخذ بهذه الأطروحة، فمن يدفع الضرائب أكثر هم الفقراء والموظفون الذين تُقتطع "الضريبة على الدُّخُول" دون إذنهم ومن منبع الأجور مباشرة، على رأس كل شهر، بما يجعلهم الأكثر أدائية في المجتمع، أما الشركات الكبرى المنتمية، فإما تتهرب من أداء الضرائب ولا أحد يمكن أن يلاحقها لأن مُلَّاكها منتمون بالضرورة إلى "قشدة المجتمع"، وإما تستفيد مع كل قانون موازنة جديد من "عفو ضريبي" يضيّع على صناديق الدولة مزيداً من الأموال.

ولأن الأغنياء في العالَم العربي يسعون دائماً لتحصين رساميلهم وتعميق نفوذهم المالي، فإنهم "يناضلون" من أجل ألا تُفرَض عليهم "ضريبة الثروة"، وألا يصل التضريب إلى مجالهم المُتْعَوِي، فاليخوت والألماس وبعض أنواع السيجار الفاخر كلها تظلّ مُعفاة من الضريبة، أما الموادّ الاستهلاكية الأساسية، التي تشكّل "شرط الوجود لـ"آل القاع الاجتماعي"، فلا ولن تسلم من التضريب، بعد أن سقط عنها الدعم العمومي تنفيذاً لمقرَّرات البنك الدولي.

الثابت في مختلف التجارب الإنسانية أن "العنف الضريبي" هو، بالضرورة، وقود الثورة، فكلما أمعن "المتسلط" المتحكم في اللعبة في سنّ الضرائب المثيرة والمرهقة للجيوب، كان فعله هذا بمثابة الشرارة التي ستلهب نيران الحنق والغضب الشعبي، بما يقود في النهاية إلى ثورة عارمة تأتي على الأخضر واليابس، لتنهار المنظومة كلها ويتجه الجميع إلى كتابة تعاقد جديد أساسه العدالة الضريبية و"اللا عنف الضريبي".

لكن المشكل القائم في السجل العربي هو أن الحاكم لا يعتبر من دروس التاريخ، بل إنه مصاب بمتلازمة ذاكرة السمك، وكثيراً ما ينسى أن أغلب الانتفاضات في التاريخ العربي كانت بِدَوَاعٍ سوسيو-اقتصادية في البدء وتسربلت بِلَبُوسٍ سياسية في المنتهى، وأن إنهاك القدرة الشرائية كان محرّكاً لكثير من الرجَّات الاجتماعية التي عرفها الربيع العربي في نسختيه الأولى والثانية، لهذا تراه في كل موازنة سنوية يزيد توسيع الوعاء الضريبي، و"يبدع" في صناعة أنواع جديدة من الضرائب على درب التفقير والتبئيس المتواصل للفئات الدنيا من جهة والإغناء والحماية الزائدة للفئات العليا من جهة ثانية.

ختاماً نقول إن الدول التي تستعمل سوط الضريبة أكثر فأكثر، وبشكل يخلو من عدالة وآثار بعدية، هي دول مُخفِقة سياسيّاً واقتصاديّاً لكونها غير قادرة على إنتاج الثروة وتحقيق النمو بعيداً عن مداخيل الضريبة، إنها تجتهد أساساً في "تدبير الأزمة" وتعميق الفارق بين طبقاتها الاجتماعية، إنها، باختصار، تصنع نهايتها عن طريق "العنف الضريبي" الذي ارتضته منهاجاً وسوطاً لتركيع شعوبها. فقط يجب الانتباه إلى أن إرادة الشعوب فلّت أنظمة من حديد، وقلبت كل معادلات الاستقرار، فهل من مدّكر؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي