برج الساعة في مكة المكرمة (Others)

‏يبدو التفاوت في معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية ‏أمراً محزناً لشعوب ‏تجمعها قواسم مشتركة من دين وثقافة وتاريخ، حيث كانت تنادي حكوماتها المتعاقبة ‏إلى عهد قريب بمصيرها السياسي المشترك.

وبينما تتمتع بعض الدول الخليجية بأعلى معدلات الدخل في العالم ورفاهية ندر نظيرها من تعليم وصحة ‏بمواصفات عالمية نجد شعوباً أخرى مجاورة لها تعاني من ويلات الحروب والفقر المدقع والأمراض والأوبئة وانهيار كامل للمؤسسات الصحية ‏والتعليمية والخدمية الأخرى فيها وحصار اقتصادي معلن وغير معلن.

وكان لظهور الطفرة النفطية بعد حرب أكتوبر عام 1973م وما ‏صاحبها من تدفق أموال طائلة من الغرب الصناعي واليابان ‏إلى دول الخليج ذات الأنظمة الملكية ‏عظيم الأثر في تراكم الثروات ‏الضخمة ‏وبداية نهضة تنموية شاملة في مجالات الحياة كافة واستقرار سياسي واجتماعي واقتصادي. ‏

وفي المقابل نجد أن الدول النفطية الأخرى في المنطقة ‏ذات الأنظمة الجمهورية مثل العراق وليبيا لم تستفد كثيراً من طفرتها النفطية إذ دخلت في حروب ‏طويلة عبثية مدمرة ونزاعات عسكرية بلا جدوى جعلت منها في ‏نهاية المطاف دولاً فاشلة لم ينل مواطنوها ولا المنطقة العربية من طفرتها النفطية ‏إلا القليل.

‏وكان سخاء بعض الأنظمة الملكية الخليجية مقدراً في إنشاء صناديق الدعم وإقامة المشاريع التنموية في ‏بعض الدول العربية، ‏إلا أن الغزو المشؤوم للكويت من قبل دولة العراق في عهد صدام في الثاني من أغسطس/آب عام 1990م ‏ تسبب في انقسامات كبيرة بين الدول العربية لم تلتئم ‏جراحها بعد، مما‏ ‏أدى إلى توقف التعاون العربي الخليجي ومساهمته في المشاريع التنموية في الدول العربية الأقل نمواً.

‏ولسوء حظ الشعوب العربية‏ وقع هذا الانقسام والتشرذم العربي في وقت كان العالم كله يتشكل في ‏مجموعات ومنظمات ‏إقليمية لتزيد من فوائدها الاقتصادية في بداية عصر العولمة وثورة المعلومات وحرية التجارة العالمية.

‏ازدادت الفوارق والهوة الاقتصادية بين دول الخليج العربي والدول العربية الأخرى الفقيرة بعد ‏غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في عام 2003م وتفجر الربيع العربي في ‏نهاية عام 2010م والذي ‏فشل ‏فشلاً ذريعاً في تحقيق التطلعات السياسية والديمقراطية في دولِه، فانهارت أنظمة ومؤسسات حكومية في دول ‏مثل ليبيا واليمن وسوريا.

ولعل أبلغ ‏تصور لهذه الفوارق التنموية والاقتصادية بين الدول الخليجية وبعض الدول العربية الفقيرة ‏يكمن في أن قيمة خمس بنايات خليجية تكفي لإعمار خمس ‏دول عربية.

‏‏قد يبدو الأمر حزيناً حقاً، ولكن إذا أخذنا ‏في الحسبان تكلفة أغلى خمس بنايات في منطقة الخليج العربي وهي أبراج البيت في مكة المكرمة وبرج خليفة ‏و ‏قصر الإمارات وبرج الأميرة وبرج العرب ‏في الإمارات العربية المتحدة التي تفوق قيمتها كافة أكثر من 22 مليار دولار أمريكي، وإذا نظرنا في المقابل إلى الأوضاع الاقتصادية والتنموية في أكثر البلدان العربية ‏فقراً مثل اليمن والسودان والصومال وجيبوتي وموريتانيا لوجدنا أن هذا المبلغ يكفي لإحداث نهضة اقتصادية وتنموية قوية‏ فيهن.

‏وعلى سبيل التقدير العام نجد أن قيمة هذه البنايات الخمس تغطي تكلفة إنشاء 20 ألف مدرسة أساسية و5 آلاف مدرسة ‏ثانوية و10جامعات ‏كبيرة تدرس معظم التخصصات العلمية والنظرية و50 مستشفى عام بسعة 500 سرير و5 آلاف ‏كيلومتر من الطرق المعبدة في هذه الدول العربية الفقيرة الخمس مجتمعة. ‏

وإضافة إلى ما سبق، يمكن لقيمة هذه البنايات الخمس أن ‏تغطي دفع رواتب جيدة لقرابة 250 ألف أستاذ و20 ألف ممرض وممرضة بواقع 400 دولار أمريكي شهرياً ‏لكل واحد من هاتين الشريحتين الفاعلتين في المجتمع، ‏وكذلك دفع رواتب 5 آلاف طبيب و10 آلاف أستاذ ‏جامعي بواقع ألف دولار أمريكي في الشهر لمدة 10 سنوات كاملة ‏لكل هذه الفئات.

‏ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا ينبغي إنفاق مثل هذه الأموال في هذه المشاريع التنموية والاقتصادية في هذه البلدان العربية الفقيرة؟ ‏وما العائد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدول الخليجية من الاستثمار فيها؟

‏لا شك أن قيمنا الإسلامية وديننا الحنيف يحثنا على ‏قيم التكافل والتراحم بيننا أفراداً وجماعات ودولاً إسلامية، إذ إننا نعلم ‏منذ الصغر أنه ‏ما آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من بات شبعاناً وجاره جائع وهو يعلم، وأظن أن جوع الجيران لا يخفى على أحد في هذه السنوات ‏العجاف.

‏ولذا ينبغي على الدول الغنية في المنطقة أن تركز جهودها في معالجة أسباب الفقر والعوز في هذه الدول العربية ‏الفقيرة بدلاً من الاهتمام ببرامج ‏الإغاثة والمكرمات التي لا تطور أو تقدم بلداً.

‏وإضافة إلى القيم الأخلاقية سابقة الذكر، ينبغي علينا أن ندرك تمام الإدراك أن الأمن الوطني الاستراتيجي لهذه الدول الخليجية ‏يكمن في وجود ‏استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي ‏في دول الجوار القريبة منها مما يعتبر بعداً أمنياً عميقاً لهذه الدول الخليجية.

وإذا نظرنا مثلاً إلى محافظة صعدة ‏في الجمهورية اليمنية وما تمثله من حاضنة اجتماعية وشعبية لجماعة الحوثي لوجدنا أن هذه المحافظة ظلت تعاني لعقود طويلة من غياب أبسط مقومات الحياة المدنية من مدارس ومستشفيات وطرق معبدة، وكان ذلك للأسف الشديد أحد أسباب ‏الصراع السياسي في اليمن وما صاحبه من اقتتال داخلي وتدخل خارجي.

‏والجدير بالإشارة إليه في هذا المقام أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أهمية إعمار أوروبا الغربية حتى تصنع من عدوها اللدود ألمانيا صديقاً حميماً في مواجهة الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة.

‏ ‏ما أحوج المنطقة‏ العربية اليوم إلى تفكير استراتيجي يدرك أهمية الجوار في الأمن القومي وأن الدول العربية ‏الفقيرة لا تحتاج ‏ إلى مارشال عربي ‏عظيم التكلفة وإنما يعوزها فقط أن تنفق هذه الدول الخليجية فيها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ما ينفقون ‏مثلاً لإنشاء خمس بنايات سكنية في بلدانهم. وأن يجري تطبيق وتحقيق التعاون الاقتصادي بين البلدان العربية المختلفة سواء على الصعيد الثنائي أو من خلال تفعيل آليات العمل العربي المشترك.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي