شنت إسرائيل سلسلة من الغارات على غزة جراء تصعيدها ضد الفلسطينيين في القدس  (Jack Guez/AFP)

ولذلك توفر تقدير موقف مبكر مفاده أن ما سيحدث في الأيام القليلة المقبلة على حدود غزة يعتمد إلى حد كبير على ما يحدث عند باب العامود في المسجد الأقصى.

في السياق ذاته، كشفت شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي عن تقييم مفاده أن شهر رمضان سيكون متفجراً، ليس استناداً فقط إلى بوادر الاضطرابات في الشارع الفلسطيني بسبب الانتخابات التي أجّلها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكن بشكل أساسي إلى حقيقة أن شهر رمضان يزيد تقليدياً من الحماسة الدينية في العالم الإسلامي، وغالباً ما يكون متوتراً، ولذلك أشعلت انتهاكات قوات الاحتلال في باب العامود في القدس النيران في الشارع الفلسطيني.

بل إن محافل إسرائيلية واسعة الاطلاع قدرت أن التوترات الميدانية في القدس، ودخول حماس عليها، منحها القدرة على ابتزاز إسرائيل، وتحقيق إنجاز فكري وهيبة لا مثيل لها في الساحة الفلسطينية، ممَّا سيساعدها على تعزيز مكانتها في قطاع غزة والضفة الغربية، ولعل حماس قدرت حين دخولها على خط المواجهة أن الرد الإسرائيلي لن يكون مدمراً ومؤلماً للغاية، ولن تتسرع بعملية واسعة النطاق في غزة في ظل هذه الظروف.

الأخطر من ذلك أن الاشتباكات في القدس تزامنت مع عدم وجود حكومة إسرائيلية، أما الحكومة الانتقالية فتجد صعوبة في إدخال الجيش بحملة كبرى قد تتطور إلى حرب واسعة، قد تسفر لاحقاً عن حصول توترات سياسية داخلية في الساحة الإسرائيلية.

لقد صبت أحداث باب العامود في القدس مزيداً من الزيت على نار المشاعر الدينية الفلسطينية، ولذلك لم تقف القيادات الفلسطينية الإسلامية مكتوفة الأيدي حين واجه الفلسطينيون في القدس وبيت لحم وقلنديا القوات الإسرائيلية، ممَّا دفعهم إلى أن يشاركوا في الأحداث، وأبدوا استعداداً لدفع الثمن.

في الوقت ذاته فإن تطور الأحداث في الأيام الأخيرة أعطى استنتاجاً، من وجهة النظر الإسرائيلية، مفاده أن حماس لم تخطئ بتقييمها للرد الإسرائيلي، حيث أطلقت جميع الفصائل الفلسطينية قوتها، وأظهرت وجوداً عنيفاً أكسبها نقاطاً في الساحة الفلسطينية، رغم أن الجيش ما زال يعتقد أن التهدئة تمثل مصلحة استراتيجية للجميع، والحاجة إلى تحسين الوضع الاقتصادي في غزة أكثر أهمية لبقاء الحركة وتوسعها من مواجهة كبيرة مع إسرائيل.

لكن ما يتوافق عليه الإسرائيليون، على الرغم من تبايناتهم من تطورات الأحداث في القدس وغزة، أن هجمات الأيام الأخيرة تشير إلى مدى تفجر الوضع الإقليمي، وقد تتحول قريباً من حالة هدوء وروتينية إلى حالة حرب في عدة قطاعات، ولذلك فإن ما يحدث على بوابات غزة في هذه الساعات يعتمد إلى حد كبير على ما سيحدث في باب العامود في القدس.

مع العلم أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تسعى إلى ضخ أكبر عدد ممكن من القوات لمنع المزيد من التصعيد في قطاع غزة الأكثر تفجيراً، الذي يؤثر على المنطقة بأكملها، لأن الهدف الإسرائيلي يكمن في عدم اندلاع "الانتفاضة الموقوتة"، فما شهدته الليالي الماضية من إطلاق الصواريخ على القدس ومستوطنات غلاف غزة جاء نتيجة الحماسة الدينية بعد الاشتباكات في القدس من صباح ذات اليوم، العاشر من مايو/أيار، لكن هذه التطورات تؤكد أن المشكلة ليست في غزة، بل في القدس التي تشهد الاضطرابات الأخيرة.

لقد أوضح تطور أحداث القدس والأقصى أنها لم تترك أصداءها في غزة فقط، وذلك من خلال إطلاق الصواريخ، ولكن أيضاً في الدول العربية، فكل حدث غير عادي في المدينة المقدسة، بخاصة إن كان الحاصل أحداثاً ذات طبيعة عنيفة كما في الأيام الأخيرة، يكتسب على الفور أهمية دينية، ويساهم في تفجير العاطفة الدينية التي تتزايد قوتها بسبب شهر رمضان، وما دامت القدس تشهد أياماً حساسة وتواريخ متفجرة في قادم الأيام فإن ذلك يتطلب من الجيش وأجهزته الأمنية بذل الجهد الرئيسي لتهدئة العاصفة في القدس.

يحصل ذلك بينما شهدت الآونة الأخيرة تدفقاً لقوات الاحتلال المنتشرة في المناطق، لكن من العوامل التي تصعب على المؤسسة العسكرية التعامل مع أحداث القدس، بخاصة تجاه الشباب المقدسي، أنهم يعتبرون أنفسهم أوصياء على المسجد الأقصى، وهذه هي الطريقة التي يُنظر إليهم بها في الشارعين الفلسطيني والعربي.

صحيح أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تسعى إلى تبريد التوترات الميدانية في القدس، وتجنب الاشتباكات، مروراً إلى تهدئة الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن هذا قد يؤدي إلى اشتعال الموقف، وعلى الرغم من أنه يمكن احتواء الأحداث في القدس وتهدئة المنطقة، فإن الشرطة وجهاز الأمن العام والجيش يستعدون للأسوأ، ولذلك لا يتردد الإسرائيليون في الإعراب عن خيبة أملهم أن أي تراجع للشرطة أمام الفلسطينيين سيسجل انتصاراً لهم، رغم أن ذلك قد يقلل فرص الاحتكاك بين اليهود والعرب.

مع العلم أن سلوك الشرطة الإسرائيلية تجاه المتظاهرين الفلسطينيين في الحرم القدسي، وفق كثير من القراءات اللافتة، أعطى سمة واضحة عن حالة الخضوع الإسرائيلي التي شهدها باب العامود، ممَّا ألهب العاصفة، خاصة حين هددت حماس بالتصعيد، تمهيداً لإشعال النار، وهو ما حصل في الساعات الأخيرة من خلال إطلاق عشرات الصواريخ من غزة باتجاه دولة الاحتلال، فيما أعلنت إسرائيل عن حملتها العسكرية في غزة "حماة الأسوار".

التقدير الإسرائيلي السائد ما زال عند موقفه بأن "الأسوأ لم يأتِ بعد"، بتوقع المزيد من الاضطرابات على نطاق واسع، خاصة عندما تكون الحماسة الدينية لشهر رمضان في ذروتها، وقد تكون أكثر حدة، ممَّا قد يتطلب الأمر من إسرائيل مزيداً من توخي الحذر، والتفكير مرتين، حتى لا تضطر إلى الانصياع مجدداً أمام الفلسطينيين في القدس، فما حصل في الأيام الأخيرة ليس مؤشراً على طي صفحة التوترات، بل علامة ضعف إسرائيلية واضحة.

وتتداول المحافل الأمنية والسياسية الإسرائيلية تقديرات مفادها أن المنظمات الفلسطينية المسلحة تقود دعاية معادية، وتتهم إسرائيل بالمسؤولية عن التصعيد في الحرم القدسي في محاولة لتغيير الوضع الراهن، ويقدر الجيش أن الهجمات على المفترقات الأخيرة في الضفة الغربية، مرتبطة بالجو المتفجر الذي يأتي من القدس، ومع الأيام الحساسة المقبلة يتعين على ضباط الجيش تجنب الاحتكاك قدر الإمكان.

مع العلم أن السبب الأساسي في هذا التوتر يعود إلى بداية شهر رمضان، وفي ظل الخوف من محاولة المزيد من الخلايا الفلسطينية المسلحة تنفيذ عمليات فدائية، فقد طلبت قيادة جيش الاحتلال تعزيزات لقواتها، للانضمام إلى الكتائب الثلاثة المتمركزة الآن، مع أنه في 2020 أحبط الأمن الإسرائيلي 430 هجوماً كبيراً، منها 283 عملية إطلاق نار، وتشير التطورات الأخيرة في القدس إلى أنها ستزيد في 2021.

لقد بدا واضحاً أن انتقال الاضطرابات المحيطة بالقدس، وإسقاطها على الضفة الغربية، ثم غزة، أمر روتيني ومتوقع، لأن التجربة أثبتت أن توترات القدس كفيلة بأن تشعلهما بسهولة، ولذلك بدت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وجنباً إلى جنب مع الإجراءات التي تتخذها القيادة السياسية، ملتزمة بإنشاء منطقة عازلة، وعزل ما يحدث في القدس عن الضفة الغربية وغزة، وإلا فقد يتدهور الوضع الأمني إلى تصعيد أكثر خطورة، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً، وأثبت الفلسطينيون إخفاق سياسة تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ التي تنتهجها إسرائيل بحقهم.

ولذلك فإن الهجمات المسلحة الأخيرة في الضفة الغربية، وإطلاق الصواريخ من غزة، تعني أن جهود الجيش الإسرائيلي لمنع موجة جديدة من العمليات العسكرية لم تنجح بعد، خاصة مع التهديدات الأخيرة التي أطلقها محمد الضيف قائد كتائب القسام، وفيما يتحرك جيش الاحتلال في الأيام الأخيرة بين التكتيكي والاستراتيجي، في القدس والضفة وغزة، فإن حماس تبحث عن طريقة لإبقاء اسمها في العناوين الرئيسية، ولا يوجد شيء مثل القدس كفيل بتزويدها بالبضاعة اللازمة، إذ إنها تدرك جيداً أن القدس أمر مختلف تماماً، فالعاطفة الدينية تزداد في رمضان.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي