من مشاهد انسحاب القوات الدولية من أفغانسان بصحفة المتعاونين معهم من المواطنين الأفغان  (Australia's Department of Defenc/Reuters)

فالصورة العامة عبرت عن حالة من القلق لدى المحافل الإسرائيلية المختلفة بسبب سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، و"فرار" القوات الأمريكية.

رغم ذلك، وبسبب الرغبة في عدم إحراج الولايات المتحدة، فقد امتنعت محافل رسمية في القيادة السياسية في إسرائيل، عن التطرق إلى انهيار الجيش الأفغاني، وفرار الممثلين الأمريكيين من كابل، لكن ذات المحافل أكدت في حوارات مغلقة أن لأحداث أفغانستان تداعيات واضحة ومباشرة على إسرائيل.

إن سرعة انهيار حكومة أفغانستان، والجيش الذي بنته أمريكا بثلاث مئة ألف جندي، مع عتاد متطور، أمام قوات طالبان، يعد سبباً كافياً للقلق الإسرائيلي، كما أن سيطرة طالبان هناك دليل على فشل المحاولة الأمريكية في غرس مفاهيم ثقافية وسياسية ليبرالية بين الأفغان.

لقد أسهبت الأوساط الصحفية والتحليلية الإسرائيلية في الحديث عمَّا أسمته "الخروج المذل" للولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، مؤكدة أن "عار" أمريكا في تلك الدولة يختلف وأكبر من العار الذي خلفته في فيتنام قبل 46 عاماً، لأنه لم يكن أي إلحاح أمريكي عملياتي "لإعادة الجنود إلى الديار"، فوجودهم أدى دوراً ردعياً رمزياً، وليس حسماً عسكرياً، وإعادتهم لأمريكا لم تكن فعلاً عسكرياً، بل عملاً سياسياً أزال العقبة الأخيرة عن طريق طالبان بالسيطرة دون إطلاق رصاصة واحدة على دولة تعد 38 مليون نسمة.

لقد أشعل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الأضواء الحمراء أمام تل أبيب، التي رأى كبار مسؤوليها أن انسحاب جيش الاحتلال من الضفة الغربية على غرار ما قامت به واشنطن سيمكن حركة حماس من السيطرة عليها، لأنه في اللحظة التي ستخرج فيها إسرائيل من هناك، ستنهار السلطة الفلسطينية، وتختفي قواتها الأمنية، وتسيطر حماس.

مع العلم أن الصور "القاسية" القادمة من كابل أعادتهم إلى لبنان عام 2000، حيث الانسحاب الإسرائيلي الذي قدم موعد الانهيار السريع لجيش لبنان الجنوبي العميل لإسرائيل، وكذلك الانسحاب من غزة في 2005، ومع ذلك فإن الانطواء الأمريكي ستكون له تداعيات على إسرائيل وحكومتها، وسيكون حاضراً خلال اللقاء الوشيك بين جو بايدن ونفتالي بينيت، ممَّا قد يحمل دلالة مفادها أن تعزز أحداث أفغانستان مكانة إسرائيل في البيت الأبيض.

في الوقت ذاته، فإن ما سيبقى أثره في الذاكرة الجماعية الإسرائيلية من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، يدفع الإسرائيليين لأخذ مزيد من الدروس، وأهمها استمرار الاعتماد على قوة عظمى، وهو أمر جيد، ولكن الاعتماد على ذواتهم جيد أكثر بكثير، رغم أن إسرائيل لم تطلب من أمريكا أن تقاتل بدلاً منها، وأن يسقط جنود أمريكيون في حروبها، لكن الدرس الأهم يتمثل في ضرورة أن تتعلم تل أبيب من الفشل الأمريكي الاستراتيجي في أفغانستان، من خلال الحذر من الارتباط بـ"القوى الفاشلة".

بكثير من الثقة يمكن الحديث أن الخروج السريع للقوات الأمريكية من أفغانستان، سيترك أثراً عميقاً على التجربة العسكرية الإسرائيلية لفترة طويلة، خاصة في ضوء التنفيذ الفاشل للانسحاب، الذي بدلاً من أن يكون منظماً ومرتباً، ظهر انسحاباً مفزوعاً، يبث سلباً على صورة قوة الولايات المتحدة في وجه جملة من الأعداء والخصوم.

نتيجة لذلك، سيكون على إسرائيل الاستعداد لإمكانية أن تتوصل إيران إلى الاستنتاج بأن بوسعها أن تواصل مسار تطوير الخيار العسكري النووي في ظل تخوف أقل من قدرات الرد، أو الإنفاذ لدى الولايات المتحدة، وبالتالي زادت التوصيات الأمنية والعسكرية التي تطالب إسرائيل بمواصلة تطوير وتنمية قدراتها العسكرية الاستراتيجية، مع إعطاء أولوية خاصة للعلاقات الاستراتيجية مع الدول العربية "المعتدلة الحليفة" التي تتميز بالأنظمة المستقرة، ويؤكد كل ذلك أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يشكل أنباء سيئة لإسرائيل، لكنه قد يدفعها للمحافظة على زيادة نفوذها في المنطقة.

كما أن الصور القاسية القادمة من أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي ستبقى مرتبطة بالسجلات الخاصة باسم الرئيس جو بايدن، أما عند الحديث عن تأثير ذلك على أمن إسرائيل، فإن أفغانستان ليست هنا، وإسرائيل دولة لها جيش قوي، لكن عندما تعلن الولايات المتحدة أنها تنفصل عن الشرق الأوسط، فهذا ليس جيداً لإسرائيل، وصحيح أن لديها تحالفاً مع الولايات المتحدة، وهذا يساعدها، لكنها لا تحارب من أجلها.

لقد وصل الأمر بعدد كبير من المراقبين والمحللين الاستراتيجيين الإسرائيليين إلى الإعراب عن قلقهم من الفشل الأمريكي في أفغانستان، وتبعاته على إسرائيل وحليفاتها العربيات في المنطقة، ويرون به أكثر من فشل عسكري، لأن الانسحاب دليل على انهيار الاستراتيجية الأمريكية، وما تشهده أفغانستان يعكس فشل كل الدول العظمى التي حاولت التدخل هناك، الأمريكيون والروس والبريطانيون.

وفي مثل هذا الوضع، ستكون إسرائيل جزءاً كاملاً من الذين سيتحملون النتائج، لا سيما في المسألة الأساسية الآن وهي الموضوع الإيراني، لأن أي انسحاب أمريكي معناه تعزيز قوة إيران، وستكون نتيجته العودة إلى مشهد اليمن، والهجوم على السعودية، والأوضاع في سوريا ولبنان، وفي كل مكان يوجد فيه وكلاء للإيرانيين، لأن هذا الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سيحمل تداعيات عالمية وإقليمية ستؤثر سلباً على إسرائيل.

من بعض نتائج الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على إسرائيل أنه سيُنظر للردع الأمريكي على أنه "نمر من ورق" هزمه الإسلام الجهادي، إضافة إلى الإضرار بمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لأنه تم تدمير صورة الولايات المتحدة كقوة حازمة وقوية، ونُظر إليها على أنها تهرب من ساحة المعركة وذيلها بين ساقيها.

أكثر من ذلك، فإن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يعيد الإسرائيليين إلى أيام الرؤساء باراك أوباما، مروراً بدونالد ترمب، وصولاً إلى جو بايدن، وكان قاسمهم المشترك الوحيد في سياساتهم الخارجية الأمريكية هو تقليل الخسائر، وخفض التوقعات، والتقوقع على الداخل، وهذا التوجه سيؤثر على إسرائيل أكثر بكثير من صعود طالبان إلى السلطة في أفغانستان، وهو حدث من السابق جداً لأوانه الحكم على تأثيره.

الخلاصة الإسرائيلية من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تكمن في الطريقة التي ينبغي على إسرائيل ضمان أمنها بها بعد تغيير الإدارة في الولايات المتحدة، بحيث تحافظ أولاً على خيارها المستقل، دون الاعتماد الكلي على الحلفاء الأقوياء حول العالم، رغم أهميتهم، لكن لكل حليف منهم مصالحه الخاصة، التي قد لا تلتقي مع المصالح الإسرائيلية بالضرورة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي