أهدانا المنتخب الجزائري لحظات ماتعة من الفرح والانتشاء خلال هذه الطبعة الجارية من الكأس الإفريقية لكرة القدم، اعتباراً للحراك والسياق، كما أنه منحنا، وهذا هو الأهم، فرصة ما للتعويض واختبار قيم، لم يعد التفكير فيها متاحاً أو مسموحاً.

كلما اتسع الخرق والعطب والألم، استحالت مهام الترقيع والتوضيب والترميم، حقّاً فقد اتسع الخرق على الراقع، ولم يعد ممكناً لتغيير الوضع سوى القطيعة والتجاوز، إننا نختزل أزمة البلاد العربية في الشكل لا الجوهر، وفي الراهن لا الأمس، وفي القاع لا الفوق، ونجيد في النهاية "ترحيل النقاش" و"الصراع" من موجبات الهزيمة إلى احتمالات الانتصار، وذلكم ما يحدث اليوم في كل هذا "اللجوء السياسي" الذي أعلنته الشعوب العربية باتجاه كرة القدم.

أي نعم، فقد أهدانا المنتخب الجزائري لحظات ماتعة من الفرح والانتشاء خلال هذه الطبعة الجارية من الكأس الإفريقية لكرة القدم، اعتباراً للحراك والسياق، كما أنه منحنا، وهذا هو الأهم، فرصة ما للتعويض واختبار قيم، لم يعد التفكير فيها متاحاً أو مسموحاً، وذلك من قبيل الوحدة العربية والسوق العربية المشتركة والعملة العربية الموحدة، وما إلى ذلك من يوتوبيات أخاذة كثيراً ما ألهمت القوميين العرب خلال عقود فائتة. لهذا كانت الهجرة الجماعية باتجاه "أولاد بلماضي" بحثاً عن تعويض محتمل لخساراتنا وخيباتنا الجليلة في المجالات كافة، بتنا نبحث عن "حبة فرح" تنسينا آلام الردة الحقوقية وخراب الديموقراطية وتجذُّر الاستبداد.

فتنة الفرح والانتشاء بالتمريرات والأهداف لا ينبغي أن تنسينا "اللا مرئي" في اللعبة بل تدعونا للتساؤل عن الملايير التي تنفق في سبيل مباريات تستحيل حروباً.

عبد الرحيم العطري

فتنة الفرح والانتشاء بالتمريرات والأهداف لا ينبغي أن تنسينا "اللا مرئي" في اللعبة، بل تدعونا للتساؤل عن الملايير التي تنفق في سبيل مباريات تستحيل حروباً، تتغذى على تعليقات صحفية، لا تتردد في وصف مجريات اللعب بقاموس حربي خالص، حيث التمريرة تصير قذيفة، والهدف يغدو قنبلة، والمباراة معركة ويوم حسم عظيم. فالتجييش ها هنا يروم بناء الاستعدادات والتوقعات، وإعادة تشكيل الوعي والمخيال، لتصير اللعبة أهم من السياسة، ويتحول كل شيء إلى "فرجة" وإلى صراع مفرغ من محتواه السياسي، ومُغرقٍ في البحث عن انتصارات صغيرة تعوض الفائض من الهزائم المجتمعية.

لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينكتب في ظل مجتمعات غير قادرة على الحسم، وتجعل من الكرة بديلاً لتسكين التوتر الاجتماعي، أو تعويضاً لخسارات متراكمة في السجل التدبيري، فقد عملت الدولة في البلاد العربية على استثمار الكرة في تعبئة أرصدة الإجماع والتبعية والانقيادية السَّلِسَةِ، كما نفعتها، وبشكل جلي، في التنفيس وامتصاص الغضب وتحويل الاهتمامات الشعبية. بل إن الكرة أفادتها أيضاً في مواجهة الأحزاب التقدمية، عبر التأسيس لمجتمع الفرجة، الذي ينبني في الأصل على تدعيم أطروحة الاستهلاك، والتي تقود ختاماً إلى صناعة "مواطن" مستهلك خامل، يعوزه الحس النقدي، يتلقف ما يُنتج من غير مساءلة، وينشغل أكثر بنتائج المباريات، ولا تهمه بالمرة مآلات الصراع السياسي ولا مطالب التوزيع العادل للثروات.

لقد قادهم ذلك إلى إنتاج حالات عصية على الفهم، تلوح في شيب وشباب يعانون من ويلات الفقر والإقصاء، يصبحون ويمسون على أخبار ومباريات لاعبين وفرق تبعد عنهم بسنوات ضوئية، يصرخون ويهتفون ويبكون جراء ما يحدث في رقعة الملعب، لكنهم بالمقابل لا يعترضون على الكبار الذين يقذفون بهم وبأحلامهم إلى مطلق التهميش. فالكرة كفيلة باغتصاب الجماهير كما قال شاخوتين، ومنعها من التفكير في السلطة والثروة والعدالة.

من المفارقات الكثيرة في تدبير كرة القدم أن يطلَق اسم "الجامعة" على التنظيم الذي يدبر شؤون اللعبة علماً أن ما ينفق على جامعات الكرة يفوق بكثير ما يوظف من إمكانيات لمجموع جامعات العلم والمعرفة.

عبد الرحيم العطري

من المفارقات الكثيرة في تدبير كرة القدم، أن يطلَق اسم "الجامعة" على التنظيم الذي يدبر شؤون اللعبة، علماً أن ما ينفق على جامعات الكرة يفوق بكثير ما يوظف من إمكانيات لمجموع جامعات العلم والمعرفة، ففي الوقت الذي يتحصّل فيه مدرب الفريق المغربي هيرفي رونار على نحو 140 ألف دولار شهرياً (بدون احتساب المكافآت وتعويضات السفر والسكن وما لا خطر على بال)، فإن أنجب وأقدم أستاذ جامعي لا يتجاوز راتبه أو معاشه الشهري 3000 دولار.

وعلى الرغم من كون كرة القدم توصَّف دوماً بأنها الرياضة الأكثر شعبية في العالم، فإنها لا تعود إلى الشعب، ولا تسلم إليه، قَدَرُه فقط أن يمارس اللجوء باتجاهها، وأن يجد فيها ممكنات التعويض عن خيباته وانكساراته اليومية. لأن التحكم في ميزانياتها ذات الأرقام الفلكية، ينبغي أن يبقى حكراً على الذين هم "فوق" من مالكي وسائل الإنتاج والإكراه. فالأدوار مقسمة ومحسومة قبلاً، هناك من يصلح للتصفيق والبكاء والهتاف في الملاعب والمقاهي، وهناك من يجيد تدبير الصرح وحراسة المعبد. فأغلب الجامعات الرياضية في البلاد العربية ترتبط عضوياً بالسلطات العليا، ورئاستها الشرفية والعملية تكون في الغالب لرجالات الدولة من الحاكمين والمقربين.

فاللا مرئي في كرة القدم هو ما ينبغي الاشتغال عليه، فهي تؤدي أربع وظائف على الأقل: اقتصادية، سيكولوجية، سياسية، اجتماعية، ففي الشق الأول نجد اقتصاداً قائماً يحقق المزيد من الأرباح، ويوجب الدخول في استثمارات وإنفاقات، من أجل توسيع هوامش الربح وضمان استدامة المشروع، وهو أمر لا تخطئه العين في حجم الإشهارات وشراء حقوق البث التلفزي و"رأسملة" كل الخطابات والممارسات التي تعتمل في رحاب اللعبة وعلى أحوازها.

في المستوى الثاني نجد الكرة تسمح للأفراد بالتنفيس ومقاومة الضغوط الحياتية، إنه تعويض سيكولوجي عن فداحة اللا انتماء والانكسار والتوتر والإخفاق، فكل هدف يسجله كريستيانو أو ميسي أو حتى الجزائري محرز في الوقت بدل الضائع، هو استحضار ممكن لاستهامات وبطولات وأبطال ملحميين لا وجود لهم في الواقع، إن الهدف هنا أشبه ما يكون بطاقة ليبيدية ممنوعة من التصريف، تحقق الإشباع القديم، كلما اهتزت الشباك واهتزت معها حبال الرغائب والمكبوتات والإحباطات.

نجد الكرة تسمح للأفراد بالتنفيس ومقاومة الضغوط الحياتية إنه تعويض سيكولوجي عن فداحة اللا انتماء والانكسار والتوتر والإخفاق.

عبد الرحيم العطري

أما بخصوص اللا مرئي السياسي، فإن الكرة تفيد حتماً في شرعنة القائم من أوضاع، وتغيير واجهات الصراع من مساءلة الدولة والدفع بها إلى إقرار العدالة، إلى اللهاث وراء نتائج المباريات وأخبار النجوم، إن الكرة أفيون جديد، للإلهاء والتخدير، ولهذا يقول تيري إيجلتون "إذا كان هناك من سبيل لإلهاء الشعوب عن مشكلاتهم، وعن القهر والظلم السياسي فهو بالطبع كرة القدم"، فهي تفيد أكثر في خلق معارك واهتمامات بديلة، وتفيد أكثر في الرفع من شعبية الحاكم وإدامة قهره.

اجتماعياً تؤدي الكرة دور "التأوين/التحيين"، حيث تعمل على إعادة "تشحيم" الرابط الاجتماعي، وإنعاش بنيات الانتماء وهو ما حدث فعلاً في "لجوئنا الجماعي" نحو "أولاد بلماضي" الذين أيقظوا فينا "الحلم العربي" وجراحاته التي لم تندمل بعد، ففي هذا اللجوء الشعبي نكتشف انهجاساً بالانتماء إلى زمن/وطن آخر يعيد صوغ فكرة الانتماء والهوية على أساس الفرح والانتصار. ففي لحظات الخطر تلتئم الجماعة، وفي لحظات الانتشاء أيضاً، فهل الاطمئنان على عنصر الوحدة لا يكون إلا مرتهناً إلى خطر محدق بالوطن أو لحظة انتصار عابر؟

لا نجد في الختام حكاية أكثر بلاغة ومشهدية للتعبير عما نحن فيه، من حكاية جون واتربوي (صاحب كتاب "أمير المؤمنين والنخبة السياسية") مع كرة القدم، يقول واتربوري ذات زمن ستيني موسوم بالجمر والرصاص "ظهيرة أحد الأيام، وأنا في منزلي تناهى إلى سمعي صخب شديد، وأناشيد لحشود تصدر من صوب الجامعة المجاورة، لم يكن هناك أدنى شك بأن الانفجار وشيك الوقوع، فودعت زوجتي الحائرة، وطلبت منها إنذار السفارة الأمريكية إذا لم أعد بعد ساعتين، وتقدمت بحذر واحتراس، كان هناك رجال شرطة ولا طلبة، ولكن في الملعب المقابل لجامعة محمد الخامس ينازل الفريق الرباطي فريقاً من الدار البيضاء، ليس لهذه القصة مغزى سوى أنه في المغرب لا يحدث شيء في الواقع كما قد كان من اللازم أن تتوقعه حسب المنطق"، ولربما يسري هذا كله على الحالة العربية، فلا شيء يحدث كما يتوقع قبلاً، لا منطق للكرة ولا منطق للعبة/المتاهة السياسية الكبرى التي انفرضت علينا قسراً من الجرح إلى الجرح.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي