حل الجمعية يأتي في ظل حملة متواصلة تستهدف المسلمين في فرنسا (AA)

تحيل الماكرثية إلى النائب الأمريكي جوزيف ماكرثي الذي كان قد تبنى قانون تعقب الشيوعيين بالولايات المتحدة، في الخمسينيات من القرن الماضي، وتناسل عن ذلك ممارسات يطبعها الشطط في تعقب كل من يُشتمُّ فيه أدنى تعبير عن مطالب اجتماعية مشروعة في الهيئات السياسية والمرافق الاجتماعية، وبخاصة في الجامعة والصحافة.

ما تعيشه فرنسا هو ماكرثية، أي التوجس حد الهوس في تعقب المسلمين، واستعمال الأدوات القانونية للتضييق عليهم في حياتهم العامة والخاصة على السواء، وفي أماكن عبادتهم، فضلاً عن الممارسات العدائية أو المتوجسة.

تبنت فرنسا قبل أسبوعين قانوناً ضد ما سُمي بالانفصالية، ولو أن المُشرعين شطبوا صفة الإسلامية عن القانون.

مصطلح الانفصالية غامض لأن الانفصال يُستعمل ضد جماعة تريد أن تنسلخ ترابياً عن دولة، وله دلالية توجسية، لكن فرنسا تستعمله ضد من تعتبرهم يضمرون عداء لقيم الجمهورية، ويريدون أن ينسلخوا عنها، من حيث القيم.

اثارت تصريحات ماكرون موجهة غضب عارمة في أنحاء العالم الإسلامي  (Reuters)

المصطلح غامض بيد أن غموضه لم يُثنِ المشرعين عن تبنيه، من أجل سَنّ قوانين لتعقب وسائل تمويل الجمعيات الإسلامية، وتتبع أنشطة المسلمين في وسائل التواصل الاجتماعي تحت طائلة العقاب، وإجبارهم على تصرفات معينة في المرافق الاجتماعية من تعليم وصحة، والتضييق على التعليم الخاص، وحل جمعيات بدعوى ولائها لدول أجنبية أو إشاعتها لخطاب الكراهية.

لكن هل تتطابق هذه الإجراءات مع العلمانية التي يُراد لها أن تكون المرجعية؟

فالعلمانية تقتضي الحياد، وهل يخضع الفرنسيون من غير المسلمين لنفس الإجراءات التي تُفرض على المسلمين؟

القانون الجديد لم يزد على أن أضفى الطابع الحقوقي على تمييز فعلي يتعرض له المسلمون، يتجلى في الإقصاء في الحياة العملية، من خلال التمييز ضدهم في الحصول على فرص العمل، والاجتماعية، من خلال حشرهم في أحياء هامشية، مع سلسلة من الإجراءات الأمنية التي لا تطال المواطنين الفرنسيين من غير المسلمين، أو ما يتعرض له السود من تمييز وشطط أمني، منها ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً من ضرب مُبرّح لمواطن فرنسي أسود البشرة من قِبل رجال الأمن، ومتابعته بدعوى تعرضه لرجال الأمن، لولا أن اكتُشف الأمر من خلال تصوير الحادث. وهو الأمر الذي ينعته الفيلسوف الفرنسي فريديرك لوردون براديكالية القمع.

قبيل تبني القانون أصدر وزير الداخلية الفرنسي جيرار دورمانان كتاباً بعنوان "الانفصالية الإسلامية، بيان من أجل العلمانية"، لم يتورع فيه عن قَرن الانفصالية بالإسلامية، يعتبر فيه الحركات الإسلامية خطراً على مبادئ الجمهورية، بل على الحضارة الغربية. ولا يميز، مثلما كان الأمر سارياً من قبل، ما بين الحركات الإسلامية التي تؤمن بمبادئ الديمقراطية وبين الاتجاهات المتطرفة.

يعتبر مصطلح الائتلاف الإسلامي اليساري الذائع في فرنسا رديفاً لخطاب العداء ضد الإسلام، وهو المقابل لمصطلح "التحالف الفاشي الإسلامي" الذي كان قد صاغه المحافظون الجدد في الولايات المتحدة، وتوارى، لكن مصطلح الائتلاف "الإسلامي اليساري" استطاع أن ينفذ إلى الولايات المتحدة، واعتبرت جريدة وول ستريت جورنال أن ما يقوم به الرئيس الفرنسي ضد "التحالف الإسلامي اليساري" عمل يدخل في دائرة المصلحة العامة.

وقد استرعى تصريح وزيرة التعليم العالي فريديريك فيدال الانتباه حين دعت المركز الوطني للأبحاث العلمية المعروف بحروفه الأولى اللاتينية (CNRS) إلى تقديم دراسة "علمية" عن نشاط الاتجاهات الإسلامية اليسارية في الجامعة. وقد ساندها في طرحها الباحث الفرنسي جيل كيبيل، وهو من المختصين في الشأن الإسلامي، ومستعرب، ومن أصحاب ما يسمى بالنظرة التخصيصية essentialiste التي ترى أن الإسلام يقوم على العنف في نصوصه المؤسسة، ولا ينسكب في الديمقراطية.

يعود مصطلح التحالف الإسلامي اليساري إلى اليمين المتطرف، لكن عناصر من اليسار تلقفته، وسبق للرئيس الفرنسي ماكرون أن استعمله للتنديد بأصحاب السترات الصفراء قبل جائحة كورونا. المصطلح هو الشجرة التي تكشف الغابة، إذ صرح الرئيس الفرنسي بعدها أن الإسلام يعيش أزمة، ودعا للتمسك بحرية التعبير عقب مقتل الأستاذ صمويل باتي، من خلال نشر صور جريدة شارل إيبدو الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي عليه السلام، على المباني العمومية، ممَّا يشكل استفزازاً مقصوداً.

حاول الرئيس الفرنسي التقليل من تصريحاته، والزعم بإساءة فهمه، في تصريح له لقناة الجزيرة، أمام دعوة المقاطعة التي نادت بها شرائح عدة في ربوع العالم، ممّا أثار خوفاً لدى مسؤولي فرنسا، وسعياً للاستنجاد بمؤسسات دينية، كما الأزهر، و"فتاوى" رجال الدين، و منها الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمد العيسي.

مسؤولو فرنسا أنفسهم يقرون بأن هناك تقصيراً في الخدمات في ما يخص ساكنة الضواحي، وأغلبهم من المسلمين، وخللاً في بنيات التنشئة، وسبق للوزير الفرنسي الأسبق إيمانويل فالس، وهو ممَّن لا يمكن نعتهم بالتعاطف مع الإسلام، أن صرح بأن هناك أبارتيداً فعلياً. واعترف الرئيس الفرنسي بتقصير "الجمهورية" في حق شريحة من أبنائها، وأقر وزير الداخلية الحالي بأن سياسة المدينة فشلت.

الحقيقة كما قال باحث فرنسي من المعهد الوطني هشام بنعيسى في مقال له بجريدة لوموند الفرنسية بتاريخ 16 فبراير/شباط 2021، هي أن فرنسا كانت تنظر إلى المسلمين بصفتهم مهاجرين عابرين، وعمدت إلى أن تدفعهم إلى العودة منذ سبعينيات القرن الماضي، من خلال تحفيزات، وكان أغلب المهاجرين المسلمين حينها ممَّن لم يتلقوا تعليماً، ومن دفعتهم الحاجة إلى الهجرة، من أجل الاضطلاع بالأعمال الشاقة والمتدنية التي كان الفرنسيون يعزفون عنها، لكن أمام ظهور جيل متعلم، اضطرت فرنسا إلى أن تدفع هذه الشريحة إلى دائرة أصولهم الإثنية وعقيدتهم، أي إلى انفصالية هي في واقع الأمر من صنع فرنسا، ويحق الحديث عن انفصالية فرنسية.

تعيد فرنسا في تعاطيها مع مسلميها نفس الأسلوب الذي كانت تنهجه مع الأهالي إبان الفترة الاستعمارية في مستعمراتها حين كانت تحشرهم في أحياء هامشية، وتتبنى قوانين زجرية ضدهم، وممارسات عنصرية، ولا تنظر إليهم بصفتهم كاملي الأهلية.

لا تنظر فرنسا اليوم إلى مسلميها بصفتهم فرنسيين، وتستعمل في حقهم تعبير المسلمين الفرنسيين، أو مسلمي فرنسا، ولذلك ينعت الكثيرون قانون "الانفصالية" الأخير بقانون الأهالي الجديد، مع ما لهذا المصطلح من حمولة تاريخية مشينة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً