فيما يستعد الفلسطينيون لخوض الانتخابات العامة، التشريعية و الرئاسية، يزداد الحديث عن الخليفة المحتمل للرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي يدخل عامه الخامس والثمانين قريبا، مما يجعله غير مؤهل فعلياً لممارسة مهامه الرئاسية والسياسية.

يتداول الفلسطينيون أحاديث مرض عباس ونقله إلى المستشفى بين حين وآخر، مِمَّا جعلهم يستعدون لليوم التالي لاختفاء عباس عن المشهد لما يعانيه من مرض وتعب، وتقدُّمه في السنّ الآخذ بالتسارع، ومن تابع خطاباته الأخيرة سيلاحظ تطوُّرات شخصيَّة على مظهره العامّ، فقد بدت الكلمات ملتصقة بين شفتيه، ولم يستخدم لغة جسده، ولم يحرك يديه ويرفعهما.

تطرح التحضيرات الفلسطينية للانتخابات أسئلة عديدة، من أهمها أن يرشح عباس نفسه، ويتنافس على الانتخابات الرئاسية، لأنه رغم اللقاءات الماراثونية لإجراء الانتخابات، ليس من الواضح من سيكون مرشَّح فتح للتنافس على مقعد رئيس السُّلْطة، فعباس ما زال يحافظ على الصمت، فيما أوساط فتح المحيطة به تصدر مواقف متباينة.

لا مؤشّرات واضحة حتى الآن تفيد بأن عباس قد ينسحب من المشهد السياسي بصورة طوعية بسبب تقدُّم سنه، فهو يرفض حتى الآن تعيين نائب له، مِمَّا قد يرجح فرضيات أخرى تتعلق بإمكانية صدور مطالب فلسطينية داخلية بإقالته، أو ضغوط أمريكيَّة وإسرائيلية بتنحيه، وإيجاد قيادة فلسطينية جديدة لم تتضح معالَمها بعد.

ومع زيادة انشغال الفلسطينيين بموضوع الانتخابات، يتنامى الحديث عن هوية الرئيس الفلسطيني القادم، في ظل ظهور جملة أسماء ترى نفسها مؤهلة لتسلم هذا المنصب، سواء ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات العامَّة، المرشَّح القوي لخلافة عباس، فهو كاتم أسراره، وفرصه اليوم بخلافته تزداد أكثر فأكثر، مع ما يناله من دعم أمريكيّ وإسرائيلي.

ورغم أن فرج من الأسماء المرشحة لخلافة عباس لما يحظى به من دعم دولي، كونه يقود التنسيق الأمني مع إسرائيل، فإن الفلسطينيين ينظرون إليه مرتبطاً بإسرائيل والولايات المتَّحدة، وفي حال لم تستطع موازين القوى التنظيمية داخل الحركة حسم الخلافة لأي منها، فقد يُقدِم هو على إحداث الفراغ بانقلاب داخلي.

مروان البرغوثي، القيادي الفتحاوي الكبير المعتقل في السجون الإسرائيلية، تشهد علاقاته مع عباس أسوأ ظروفها، ويتهمه بإعاقة إطلاق سراحه خلال صفقة التبادل السابقة بين إسرائيل وحماس، وإفشال إضراب الأسرى الذي قادة قبل عامين، والتقديرات المتزايدة داخل فتح تتحدث أن البرغوثي سيترشح في الانتخابات الداخلية في الحركة، كي يحظى بترشيحها للتنافس على الانتخابات الرئاسية.

هناك جبريل الرجوب أمين سر اللجنة المركزية لفتح، ورئيس الاتِّحاد الفلسطيني لكرة القدم، والرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي بالضفة الغربية، ومن المرشحين ذوي الحظ الوافر ليجلس بمقر الرئاسة، ويقوم بتحشيد مدينة الخليل جنوب الضفة خلفه.

محمود العالول من المرشحين لخلافة عباس، فهو نائبه في قيادة فتح، وأحد رجالها الأقوياء، مِمَّا يجعله وريثاً محتمَلاً بصورة طبيعية لقيادة السُّلْطة، ويسعى لتجميع مدينة نابلس شمال الضفة خلف تأييده.

محمد دحلان، عدو عباس اللدود، موجود في قائمة المرشحين لخلافته، لكن فرصه تتراجع بسبب ارتباطاته الإقليمية، وتمركز وجوده وتياره في غزة، وهو مفصول من فتح، ويقيم في الإمارات، وينفق أموالا طائلة على المسلَّحين بمخيمات اللاجئين بالضفة، وخاض مؤيدوه معارك دامية مع الأمن الفلسطيني.

أسئلة مشروعة حول الجدل الدائر حول خلافة عباس المتوقعة: هل يوافق على التنحي عن منصبه، وإخلاء مقعده الرئاسي؟ وفي هذه الحالة من سيرعى مصالح عائلته الاقتصادية؟ ومن سيسمى لوراثته من المتنافسين خلفه؟ كل هذه الأسئلة دون إجابات، بما يعني أن معركة الوراثة داخل فتح بدأت فعليا، ويتوقع أن تزداد سخونة في حال أقيمت الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ونحن ما زلنا بعد في أول المطاف.

بالتزامن مع هذه التطورات، كشف ضباط أمن إسرائيليون كبار أن أي مغادرة مفاجئة لعباس للمشهد السياسي في هذه المرحلة، لن يكون توقيته لصالح إسرائيل، لأنه سيشعل الضفة الغربية، وفي هذه الحالة يجب تسليط الأنظار ليس على حماس وحدها، بل على مختلف تيَّارات فتح التي لا تتبع لقيادة موحدة.

هذا التخوُّف الإسرائيلي يفسح المجال واسعاً للحديث عما يعنيه غياب عباس المفاجئ عن الساحة، سواء بالوفاة الطبيعية، أو الاستقالة الطوعية، أو الإطاحة به، والانقلاب عليه، وسيناريوهات إسرائيل لمواجهة هذا الحدث المتوقع فجأة، ومراقبتها لتيارات فتح المتعددة بجانب حماس، ومصلحتها في هذا التطور.

لا توافق إسرائيليّاً-أمريكيّاً حول إبقاء عباس في الرئاسة، أو الاستبدال به، والإطاحة به، ففيما تسعى الإدارة الأمريكيَّة للضغط عليه، وربما إزاحته، فإن أجهزة الأمن الإسرائيلية تبذل جهودا لتقويته، لأن ضباطها يواصلون إقامة علاقات الصداقة مع مسؤولي السُّلْطة التي يقودها عباس، رغم أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومعظم وزرائه لا يريدون رؤيته في المشهد السياسي، لكن الخدمات الأمنية التي تقدمها السُّلْطة برئاسته تجعل المخابرات الإسرائيلية تفضله على أي مرشَّح آخر.

بجانب الأسماء الواردة أعلاه، قد تتجاوز الترشيحات القيادات الفلسطينية القائمة حاليّاً، المحيطة بعباس، سواء من أعضاء اللجنة المركزية لفتح، أو أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظَّمة التحرير الفلسطينية، مِمَّا يسرّع نشوب حرب الخلافة لوراثة عباس بين الجيل الثاني من حركة فتح، فضلاً عن ظهور شخصيات فلسطينية التقتها الإدارة الأمريكيَّة في السنوات الأخيرة.

فقد ظهر رجل الأعمال الفلسطيني عدنان مجلي، الذي لا ينكر ارتباطه بعلاقات وثيقة مع النخبة الأمريكيَّة الحاكمة، لا سيّما مع الحزب الجمهوريّ، وسلام فياض، رئيس الوزراء الأسبق، الذي ظهر من جديد بعد غياب دام ست سنوات، ويرتبط بشبكة علاقات واسعة في واشنطن.

إن الحديث عن خلافة عباس من شأنه أن يزيد التوتُّر والضغط داخل قيادة حركة فتح، فهي تعيش حالة من البلبلة، ومن غير الواضح لها حقيقة هل عباس سيتنحى فعلاً أم لا، ومع ذلك فإن قادة المجموعات المسلَّحة التابعة لفتح في مختلف مناطق الضفة الغربية بدؤوا بالتسلح والتنظيم.

في زحمة التحضيرات لوراثة عباس نقطة جديرة بالانتباه، هي أن الأجواء السائدة داخل أوساط قادة فتح تشير إلى ضرورة أن يكون وريثه من الضفة الغربية، لا من الخارج أو قطاع غزة، لكن ما يزيد حالة الاستقطاب داخل الحركة عدم وجود منظومة سياسية إدارية متفق عليه تنظم مسألة الوراثة، ما يزيد حدة الاحتقان داخلها، وقد يدفع قادتها في الضفة لأخذ زمام المبادرة بأيديهم، كل في منطقته.

لا تبدو وراثة عباس أمراً سلساً إلى هذا الحد، في ظل تضارب مصالح المتنافسين، ورؤية أنفسهم أكثر أحقية من سواهم في خلافته، مِمَّا يكشف النقاب عن عدة سيناريوهات عن اليوم التالي لغياب عباس: أولها متفائل بموجبه تُنقَل السُّلْطة بصورة هادئة، ليأتي رئيس آخر بمنهجه كرئيس الحكومة الحالية محمد اشتيه، أو رئيس المخابرات العامَّة ماجد فرج، ويواصلان سياسته التي تبتعد عن العنف، وتركز على الساحة الدبلوماسية.

وهناك السيناريو المتشائم المتمثل في أحداث فوضى، وسيطرة جهات إشكالية على الساحة من داخل حركة فتح، وصولاً إلى أن تتمكن حماس من فرض سيطرتها على الضفة الغربية، بتوجيه ودعم من غزة، وحينها تعود أحداث الهجمات المسلَّحة إلى الضفة.

أما السيناريو الثالث فهو المتوسط، ويتعلق بمرحلة انتقالية تقف فيها على رأس السُّلْطة الفلسطينية شخصيَّة ضعيفة، لكنها تحظى بموافقة كل الأطراف حتى إجراء الانتخابات العامَّة.

هناك ملاحظة لافتة في بازار الترشيحات لخلافة عباس، وهي أن أي مرشَّح يرى في نفسه الأهلية والكفاءة لهذا الموقع سيُضطَرّ "مُكرَهاً" إلى رفع نبرته التصعيدية ضد إسرائيل، ليحصّل مزيداً من الأصوات والتأييد داخل الحلبة السياسية والحزبية الفلسطينية، لكنه سيكون في الوقت ذاته مُلزَماً الحصول على الكلمة المفتاحية لنيل الموافقة الإسرائيلية عليه، وهي البوابة الأمنية، فقد بات ذلك من طبائع الأشياء في المنظومة الفلسطينية الحاكمة في الضفة الغربية.

لا يتعلق الأمر بالتشكيك في مرشح بعينه، أو توجيه الاتهام إلى آخر، لكن التركيبة الإدارية والأمنية والمالية في السُّلْطة الفلسطينية جعلت الحبل السري لأي قيادة هناك مرتبطة عضوياً بصانع القرار الإسرائيلي، مع أن إسرائيل لا تتمترس خلف مرشَّح بعينه ليكون الرئيس القادم للسُّلْطة، فقد تصل الأمور إلى حالة من التدهور الأمني أو الاحتراب الداخلي بين المرشحين المفترضين، إن لم يتفقوا على صيغة مفترضة لتوزيع المهامّ.

في هذه الحالة قد تقبل إسرائيل بالتعامل الأمني مع كل مسؤول فلسطيني في منطقة معينة بالضفة الغربية على حدة، حفاظاً على أمنها الذي لن تتنازل عنه، وقد تجد تجاوُباً من هذا المرشح أو ذاك، مِمَّا يضع مسؤولية كبيرة حول القوى الفلسطينية الحية التي لا يجب أن تبقى متفرجة على ما سيحصل في قادم الأيام.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي