في عيد المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من مارس/ آذار من كل عام ، كيف يشكل التمكين الاجتماعي وليس السياسي الطريق الأقصر للنساء لتحقيق حقوقهن المشروعة، وتفاعلهنّ العادل في المجتمع.

بحلول الثامن من مارس/ آذار ، من كل عام، يتجدد النقاش حول المسألة النسائية في أكثر من مكان، ويتأكد قوياً ما خطته سيمون دو بوفوار يوماً أننا: "لا نولد نساءً، ولكن نصير كذلك"، وأن الواقع القائم على التمييز والعنف واللا تكافؤ، هو الذي ينتج ويعيد إنتاج وضعيات من الإخفاق الاجتماعي الملازم لتاء التأنيث، سواء على مستوى تسجيل حضور دالٍّ في سياقات التباري المؤسسي، أو حتى على مستوى البنية الثقافية التقليدية المؤثرة، والتي تمتح من "ذكورية" فجة لا تقيم أي اعتبار للمرأة في الهنا والآن.

بحلول العيد النسائي، ينفتح جرح عميق في الذاكرة الجمعية، عن نساء ونساء، عن نساء من قشدة المجتمع لا همّ لهن سوى تقوية الرساميل الرمزية والمادية، وعن نساء قادمات من الهامش والمنسي، لا أحد ينتبه إلى معاناتهن في خرائطنا المرتبكة ويومياتنا الحزينة، عن تاء التأنيث التي أخطأتها مشاريع التنمية أتحدث، عن اللواتي لا يعرفن ما يعنيه "الثامن من مارس"، ولا ما تعنيه اتفاقيات مناهضة التمييز، ولا كل الخطب المحتفية بالنوع الاجتماعي، التي يتسابق على منصاتها "تجار المناسبات" و"متعهدو الحفلات".

عن تلك المرأة الشاحبة التي استحالت "قديداً مملحاً" تعرض بضاعتها في أسواق النخاسة المتوحشة، على حافة شارع مظلم، في انتظار "عمل جنسي" مهين للكرامة ومُسَلِّعٍ للجسد، عن عاملات الجنس أتحدث وأتساءل إن كان لديهن معنى ما للثامن من مارس؟.

إن إخراج المرأة العربية من أعطاب التنمية وعنف التمثلات والصور النمطية، يصير متيسراً عبر التمكين الاجتماعي أولاً.

عبد الرحيم العطري

عن "أمهات، ولكن عازبات" تم التغرير بهن في لحظة من "الْتذاذ" غير محسوب العواقب، فتحملن وزر اللذة المحرمة، لوحدهن، في ظل وصم اجتماعي قاهر، واستقالة مجتمعية غير مبررة، يبديها الجميع، وكأنهن قادمات من كوكب آخر، وأنهن لسن نتاجاً خالصاً لإفلاسنا القيمي وورطتنا الجماعية في سوء تدبير تناقضاتنا القاتلة.

عن تلك المرأة القروية التي تظل أغلب المؤشرات التنموية المخجلة من نصيبها، ضدّاً، على إسهامها التنموي المهم في ترتيب معطيات النسق، فهي الأكثر إنتاجية وفاعلية في تدبير الأرياف العربية، إلا أنها على الرغم من ذلك تعاني من استبعاد اجتماعي يلوح في كثير من المناحي والمؤشرات الكمية والكيفية المرتبطة بالصحة والتمدرس والدخل والإفادة المفترضة من عوائد التنمية.

إنهن جميعاً، ومهما تعددت البورتريهات والمسارات الدامية، إنهن محط إقصاء وعنف مستمرين، ينفضحان في جملة من التوترات والإخفاقات المفتوحة على العمل الجنسي والتحرش والاغتصاب والعنف الزوجي واللا مساواة واللا عدالة المجالية. إنهن يحكين بأساليب متنوعة وبتفاصيل مقلقة عن "موت الإنسان" فينا، وعن الجبن والخسة والنفاق وكل قيم السقوط، التي نمارسها بعيون لا تخجل وأصوات لا ترتبك، خلال كل "ثامن مارس" من كل عام.

ففي المغرب مثلاً ما زال "التزويج القسري" لفتيات في عمر الزهور مستمراً، ليُعبث بهن، ويُرسلن بَعداً إلى عائلاتهن. كما يتواصل حرمان المرأة في أكثر من بلد عربي من منح الجنسية لأبنائها، كما أن ذات المرأة إلى حد قريب كانت ممنوعة من قيادة السيارة، وممنوعة من الفعل السياسي ومن الحضور المجتمعي، ولأسباب غير مستساغة بالمرة.

عن الهؤلاء والهؤلاء من المنسيات والمقصيات من دوائر الاهتمام أحكي، وأقول تاء التأنيث "تنحرق" وتضيع منا، بسبب "لعنة الصاد"، إنها تتفاوض مع ألم الواقع باعتماد إستراتيجية "الصاد" التي تحيل إلى الصمت والصبر، فلا هي قادرة على تغيير الواقع، ولا على الدخول في صراع مع خطاطاته الجاهزة والمكرَّسة تاريخياً. إذ تُفرض عليها رقابة اجتماعية فائقة، فكل حركاتها وسكناتها مراقبة من طرف الجميع، وعليها التصرف وفق ما ارتضاه العقل الجمعي، ولو كان متعارضاً مع مطامحها ورغباتها.

إن المرأة في التمثُّل والمخيال تتوزع بين الطاهر والنجس بسبب عدم طهارتها أو غوايتها الممكنة، لهذا لم يكن غريباً أن تعمل الأمثال الشعبية على إعادة إنتاج هذا التمثل الإغوائي/الشيطاني، فهي التي "تجتمع فيها كل الصفات الذميمة، من غدر وتحايل وكيد وإغراء"، إذ يقول عنها المثل: "التالية فالنسا، تعريك من الكسا"، و"إيلا حلفو فيك الرجال بات ناعس، وإيلا حلفو فيك النسا بات فايق"، و"اللي يديرو الشيطان في عام، تديروا لمرا في ليلة". وعليه فمعركة التغيير المفترضة، يتوجب أن تشتغل على الذهنيات قبل القوانين، وذلك من أجل اجتثات هذه التمثلات والصور النمطية التي تترسب عميقاً في المخيال بشأن تاء التأنيث في الزمن العربي.

لا بد أن نشير إلى واقعة مجالية كان معمولاً بها في المدن العتيقة العربية، وهي أن "الصابة" أي الزقاق "البلا مخرج"، تقطن فيه المرأة المطلقة أو الأرملة، حتى تصير محمية ومراقبة أكثر، وهو أمر يتصل بتمثل سلبي للمرأة بوصفها مصدراً للخطيئة، ومنبعاً لكل الشرور، ما يوجب تحصينها وتطويقها بـ"حزام عفة" رمزي أو مادي كما كان معمولاً به في العصور القرسطوية. كذلك فإن "بغلة القبور" في التمثل الشعبي، ما هي إلا امرأة أخطأت خلال عدتها الشرعية، فانمسخت "بغلة" تخرج ليلاً من المقابر، لإغواء الرجال والانتقام منهم. وكلها آليات رمزية لترسيخ ثقافة الحجب والمنع، والإعلاء بالتالي من منطق الرقابة الاجتماعية المفروضة على المرأة، فهي تختزل كل معاني العرض والشرف وفي الآن ذاته تحمل التهديد والخطيئة.

في مجتمع تراتبي وذكوري ما زال نجاح المرأة اجتماعياً مثيراً للخلافية والاعتراف بقدراتها ومهاراتها مؤجَّلاً أو موضع تشكيك.

عبد الرحيم العطري

في هذا المساق الملتهب يرفض المجتمع حضور المرأة كإنسان كامل الإنسانية، ويراها مجرد "أكسسوار" لتأثيث المشهد العام، وبذلك يعسر أن نجد قبولاً اجتماعياً ناجزاً بمشاركة المرأة في صناعة القرار، وتملُّك الفضاء العمومي. إنها منذورة للرجل، ولا حق لها إلا في خرجتين "الأولى إلى دار زوجها والثانية إلى القبر"، ذلكم ما يتجذر في بنيات الثقافة الذكورية التي لم تنسحب كلياً من المجال التداولي العربي، على الرغم من النجاحات التي حققتها المرأة العربية.

ففي مجتمع تراتبي وذكوري، ما زال نجاح المرأة اجتماعياً مثيراً للخلافية، والاعتراف بقدراتها ومهاراتها مؤجَّلاً أو موضع تشكيك.ذلك أن سُلم القيم عربياً، ينبني على نموذج ثنائي تعارضي، يلقي فيه كل ما هو سلبي على المرأة، وكل ما هو إيجابي على الرجل، فكيف ننتظر من نظام قيمي كهذا أن يكون منصفاً للمرأة ومشجعاً لها على النجاح والتميز؟.

الرجل العربي عموماً لا يرضى بتفوق المرأة عليه فالتطبيع الاجتماعي الذي تعرّض له منذ البدء عَلَّمَه أن الرجل هو صاحب الامتياز والقوة، وأن المرأة مجرد كائن ضعيف.

عبد الرحيم العطري

تظل اللحظات التي تنتصر لنجاح المرأة متواضعة نسبياً في المجتمع العربي، وما يؤكد هذا القول هو الصيغ التي يتم بواسطتها استقبال نجاحات المرأة وتمثُّلها في كثير من الميادين، فعبارة "هاديك غير مرا"، أو "ضلعة عوجة" أو "حكام العيالات" ، "حاشاك المرا"، وما إلى ذلك من العبارات ذات الحمولة القدحية، كلها تؤشر على نوع من التمثل السلبي لنجاح المرأة. فالرجل العربي عموماً لا يرضى بتفوق المرأة عليه، فالتطبيع الاجتماعي الذي تعرّض له منذ البدء عَلَّمَه أن الرجل هو صاحب الامتياز والقوة، وأن المرأة مجرد كائن ضعيف لا يحسن غير أشغال البيت وتلبية حاجيات الرجل. علماً أن كل المؤشرات الإحصائية تشير إلى تحولات ديموغرافية ومهنية ومراتبية قادمة تعطي الأسبقية للمرأة على الرجل.

إن إخراج المرأة العربية من أعطاب التنمية وعنف التمثلات والصور النمطية، يصير متيسراً عبر التمكين الاجتماعي أولاً ، وليس عن طريق التمكين السياسي، فبدلاً من الاستغراق أكثر بالتمكين السياسي المتمثل في "الكوتا" (أي المحاصصة السياسية لولوج البرلمان) والتي لا تفيد من خيراته سوى النخب الدائرة في فلك المركز، من تجار المناسبات ومتعهدي الحفلات، (بما فيها مناسبة حفل الثامن من مارس)، يتوجب تغيير أجندة الأولويات وبوصلة الاشتغال، من أجل تمكين المرأة اجتماعياً واقتصادياً، وبعدها تأتي المناصفة بقوة الأشياء، ومن غير حاجة إلى "كوتا" مثيرة للخلاف والاختلاف. وما بين لعنة الصاد واحتمال التغيير، لا مناص من الترافع والنضال حتى تستعيد المرأة مكانتها الاعتبارية ويفيد المجتمع من نصفه المهمش، شئنا أم أبينا فالاتجاه مؤنث.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي