وفد من حركة طالبان أثناء تواجده في العاصمة القطرية الدوحة لإجراء محادثات دبلوماسية مع بعض الحكومات الغربية (Reuters)

خاصة ما هو مرتبط بإمكانية التصرف في أموال أفغانستان الموجودة في الخارج وكذا إمكانية تلقي مساعدات إنسانية تحلحلُ الوضع الإنساني المتأزمُ داخلها ولو قليلاً. وهو أمرٌ صعب في ظلّ إدانة المجتمع الدولي لبعض أعمال طالبان منذ إمساكها بتلابيب السلطة بعد انسحاب القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي وانهيار الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة.

طالبان عاجزة وحدها عن بلوغ أي من أهدافها السياسية، وفي نفس الوقت الغرب يحتاجُ إلى بلوغ تسوية سياسية مع طالبان، وهنا تأتي أهمية المساعي السياسية التي تلعبُ كل من قطر وتركيا دور الريادة فيها، والمستجدات الأخيرة دليلٌ ملموسٌ على أهمية هذه الوساطة.

وفي هذا السياق التقى وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو يوم الخميس 14 أكتوبر/تشرين الأول 2021 في أنقرة وزيرَ الخارجية الأفغاني أمير خان متقي، وهي أول محادثات من نوعها منذ إمساكِ طالبان بزمام السلطة في أفغانستان في أغسطس/آب الماضي. يجيء هذا الاجتماع بعد أن أجرى قادة طالبان سلسلة محادثات مع الولايات المتحدة وعشر دول أوروبية وكذا ممثلي الاتحاد الأوروبي في قطر في وقت سابق من نفس الأسبوع.

حسب ما قالهُ جاوش أوغلو فإن الاجتماع ناقشَ مسألة إدارة الرحلات الجوية في مطار كابول الذي تحتاجُ فيه طالبان إلى مساعدة أنقرة، كما سعت تركيا من خلال الاجتماع لتقديمِ اقتراحات بشأن تقديم حكومة أفغانية أكثر تمثيلية لمختلف المكونات المجتمعية الأفغانية، وكذا مسألة وضع النساء وتعليمهن في ظلّ حكم طالبان.

وهنا فإن جاوش أوغلو يحملُ كذلك اهتمامات الغرب لطالبان، وهي مطالبُ في جوهرها لا تخالفُ مضامين الشريعة الإسلامية حسب تصوُّر جاوش أوغلو، وهنا يقولُ: "لقد شاركنا بعض التوصيات حول موضوع تعليم النساء والأطفال والتحاقهن بسوق العمل"، فهو يضيفُ ضرورة عدم النظر إلى هذا الأمر على أنه "شرط أو مطلب من الغرب. لقد ألححنا عليهم بضرورة أن يروا هذا على أنه توقُّع من العالم الإسلامي".

وهنا تجدرُ الإشارة إلى قدرة تركيا على لعبِ دور الوسيط بين الغرب وأفغانستان في ظل حكم طالبان التي على الرغم من تعديلاتها لرؤيتها لنفسها وللعالم، لا تزال تنظرُ إلى نفسها على أنها نظامٌ إسلامي يحملُ تصوُّراً متناغماً مع المنظومة الإسلامية، وهو الأمر الذي يجعلُ تركيا أكثر من غيرها في منطقة الشرق الأوسط مؤهلة لتفاوض مع طالبان بحكم المشترك الديني وكذا رمزية تركيا الدينية في المنطقة، وكذا قدرة حزب العدالة والتنمية بتركيا على ترجمة مطالب الغرب بلغة وسيطة يمكنُ تَقبُّلها من طرف قادة طالبان، وهو ما يمكنُ لمسهُ بشكلٍ جليٍّ خلال تصريحات جاوش أوغلو بخصوص حقوق المرأة بأفغانستان.

ولكن بقدرِ ما تحملُ تركيا انشغالات الغرب إلى طالبان وتستخدم لغة تنتمي إلى العالم الإسلامي من أجل تمريرها إلى الجانب الأفغاني (طالبان)، فإنها كذلك تقومُ بحملِ مطالبِ الجانبِ الأفغاني إلى الغرب على حدِّ سواءٍ، وهو ما يمكنُ لمسهُ بشكلٍ جليٍ بمطالبة وزير الخارجية جاوش أوغلو الغرب بإزالة تجميدها للأموال الأفغانية في الخارج وكذا إعادة تقديمِ مساعدات إنسانية.

فتركيا ترى أن التعامل مع مسألة الأموال المجمدة بمرونة سيتيح لأفغانستان حلّ مشكلة رواتب الموظفين "المدنيين"، بشكلٍ سلس سيجنّب الغرب مسؤولية أزمة إنسانية تلوحُ في الأفق إذا ظلّ التعنت الغربي في محله، وهنا فإن تركيا تذكّرُ الغرب بتحذير منظمات الإغاثة من أن ما يقارب 40 مليون نسمة مهددون بمزيدٍ من الفقر والجوع، بخاصة مع اقتراب فصل الشتاء.

هذا الأمر يتوافقُ مع ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في اجتماع افتراضي يوم الخميس 14 أكتوبر/تشرين الأول 2021 لمجموعة العشرين، حيث أكّد ضرورة إبقاء قنوات الحوار مع طالبان مفتوحة، وكذا تحلّي الغرب بالصبر من أجل بلوغ وضعٍ تتحقّق فيه مطالب الغرب في أفغانستان المتمثلة في وجود حكومة متنوعة وضمان حقوق الأقليات والنساء في أفغانستان.

وهو الأمر الذي لا يمكنُ تحققهُ -حسب أردوغان- إلا عبر قنوات الحوار، وإلا فعلى الجميع أن لا يستبعد سيناريو سوريا جديدة، تزوّد العالم بملايين أخرى من المهاجرين. وهنا يسأل أردوغان العالم الغربي: هل أنتم مستعدون لذلك؟

وهنا مجدداً تجدرُ الإشارة إلى أن تركيا إن كانت تستعملُ لغة تنتمي إلى الموروث الإسلامي للحديث والتفاوض مع طالبان، فإنها تستخدم اللغة التي يفهمها الغرب كذلك من أجل إقناعه لحلحة الوضع في أفغانستان بعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية منها.

فملفّ الهجرة هو أكثر الملفات التي تؤرّق بال الجانب الغربي، بخاصة الأوروبي منه، فهو غيرُ مؤهَّلٍ لاستقبال ملايين المهاجرين الأفغان الذين سيحتاجون ليس فقط إلى مأوى وعمل، بل وإلى التأقلم والاندماج في المجتمعات الجديدة، الأمر الذي تحاولُ الدول الأوروبية تجنبه.

لذا فإن استعمال الجانب التركي لورقة تدفقات الهجرة المحتمَلة لو خرجت الأوضاع في أفغانستان عن السيطرة مهمّ جدّاً لأن الغرب فعلاً يحاول تجنيب نفسه مواجهة هذا السيناريو المحتمَل، فتركيا تظهرُ نجاعتها في تقريب وجهات النظر بين الطرفين حتى الآن، هذه المساعي تنسجم مع مساعي قطر في هذا الإطار كذلك.

وعلى غرار الجانب التركي فإن قطر تعتقد أن الاعتراف بحكومة طالبان ليس أولوية الآن، الأولوية تتمحورُ في الوصول مع الحكومة الجديدة إلى اتفاقٍ يهمّ القضايا الإنسانية، وفي هذا الصدد دعا مطلق القحطاني، المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري، يوم الثلاثاء 12 أكتوبر/تشرين الأول 2021، الدول الغربية إلى الانخراط بشكل أعمق مع طالبان بصفتها الممثل للسلطة في أفغانستان. في المقابل حثّ الجانب الأفغاني على ضرورة احترام حقوق المرأة وكذا حقوق الأقليات في أفغانستان، وهو نفس الطرح التركي في تعاملهِ مع الملف، وهو ما يُظهِرُ تناغماً كبيراً بين مساعي تركيا وقطر لحلّ أزمة طالبان مع الغرب.

فالقحطاني يُظهِرُ أن السبب وراء تشجيع قطر للانخراط الغرب بعقد حوارٍ مع حركة طالبان، مردّهُ أساساً الجانب الإنساني من أجل تجنيب جميعِ الأطراف مغبَّة الانخراط في مسؤولية كارثة إنسانية يمكنُ أن تحدث بدخول فصل الشتاء، في ظلّ افتقار حكومة طالبان إلى سيولة المالية أو كذا منع أفغانستان من تلقّي المساعدات الإنسانية، إذ أكّد القحطاني: "إذا كنا لن نتعامل مع طالبان، فأعتقد أننا مرة أخرى سنرتكب نفس الخطأ الذي ارتكبناه في عام 1989 عندما تخلّينا عن أفغانستان"، ثم يضيف أن إحدى عواقب هذا التخلي هي أحداث 11 سبتمبر/أيلول، التي أحيى الغرب ذكراها مؤخراً.

والسبيل الوحيد لتجنيب العالم تكرار أحداث سنة 1989 حسب الجانب القطري هو القيام بمزيد محادثات بغية إحداث تعاون في الجانب الإنساني، على الأقلّ مع الجانب الأفغاني، بشرط أن تقوم طالبان بدورها بحلحلة الوضع الإنساني داخل أفغانستان.

من الواضح أن هذه المحادثات تُكسِبُ الجانب الأفغاني في المدى القصير مساعدات إنسانية وكذا توفير مزيد من سيولة مادية يمكنُ عبرها إتاحة قدرة أكبر لطلبان لتسيير الشأن الداخلي بأفغانستان، ولكن الهدف الحقيقي من هذه المحادثات على مستوى المتوسط أو البعيد يتجلى في بلوغ اعترافٍ دوليّ بسلطة طالبان في أفغانستان، وهو الأمر الذي بدأت ملامحهُ تلوحُ في الأفق، إذ قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مثلاً إنه يريد من دول مجموعة العشرين وضع شروط للاعتراف بطالبان، تتمثلُ بضمان حقوق المرأة. وهو نفس الأمر الذي ردّدته مجموعة من الدول خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وهو ما يتناغمُ كذلك مع مساعي الأمم المتحدة التي تظهرُ على لسان أمينها العامّ أنطونيو غوتيريش الذي حثّ طالبان إلى ضرورة الوفاء بـ"وعودها" المرتبطة بحقوق المرأة والإنسان داخل أفغانستان. في المقابل حثّ كذلك على ضمان تدفُّق المساعدات الإنسانية لأفغانستان وعدم معاقبة الشعب الأفغاني.

بعد اجتماع مع مسؤولين أمريكيين في الدوحة يوم الأحد 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021، قالت طالبان إن الولايات المتحدة وافقت على تقديم مساعدات إنسانية لأفغانستان. رغم أن البيان الأمريكي لم يُظهِر ذلك واكتفى بالقول إن الجانبين "ناقشا تقديم الولايات المتحدة مساعدات إنسانية مهمة ومباشرة للشعب الأفغاني"، فيما أعلن الاتحاد الأوروبي عن حزمة مساعدات بقيمة مليار يورو للشعب الأفغاني يوم الثلاثاء 12 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وهو ما يجعلنا نخلصُ إلى فعالية الوساطة التركية-القطرية من أجل حلحلة الوضع في أفغانستان الذي تَمكَّن إلى الآن من مخاطبة الطرفين بلغة يفهمها كل منهما من أجل تجنيب العالم كارثة إنسانية جديدة وكذا من أجل تمهيد اعترافٍ دولي لنظام الأفغاني الجديد.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي