فلسطين (Reuters)
تابعنا

غير أنّ مسار القوى الفلسطينية، وبخاصة قوى منظمة التحرير الفلسطينية، التي رافقت هذا النضال، اتسم بقِصَر النّفَس والتسرّع بمحاولة قطف ثمار المقاومة، بل والالتفاف عليها لتحقيق مكاسب سياسية لا تتوافق مع تطلعات الشعب الفلسطيني.

وحتى نتجاوز التعميم، فقد كان الدور الأبرز في المسار الفلسطيني لحركة فتح التي هيمنت على المنظمة منذ 1968، ثم ما لبثت أن وافقت على برنامج النقاط العشر (البرنامج السياسي المرحلي) في الدورة الثانية عشر للمجلس الوطني المنعقدة في 1974، والذي ينصّ على أنّ "منظمة التحرير تناضل بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كلّ جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها"، وذلك في أوّل تراجع عن الميثاق الوطني الفلسطيني الذي كان ينصّ على أنّ "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكاً".

ومنذ ذلك الحين استمرّ التراجع في البرنامج الوطني الفلسطيني بقيادة زعامات فتح إلى حين الوصول لاتفاق أوسلو عام 1993 الذي جعل السلطة الفلسطينية تتولى المسؤولية الأمنية نيابة عن الاحتلال، على أمل أنْ يقود ذلك لإقناع الكيان بالموافقة على قيام دولة مستقلة على أراضي الـ67 بالمفاوضات التي توقّفت بسبب التعنّت الإسرائيلي ورفضه القبول بأي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية على الأرض المحتلة.

إرادة فلسطينية مُغيَّبة

وطوال هذه المسيرة ظلّت الإرادة الفلسطينية مُغيّبة، بما في ذلك تجاهل القوى الإسلامية، وتهميش دور اليسار المعارِض وتشتيته وإضعافه بعد أنْ فشلت جبهة الرفض في ردع قيادة المنظمة عن الاستمرار بمسيرة التنازلات.

وشكّلت الانتفاضة الأولى رافعة حقيقية للنضال الفلسطيني، إذ نقلت ثقل القضية الفلسطينية إلى الداخل بعد تغييب طويل وهزيمة لحقت بفصائل الثورة الفلسطينية في بيروت. كما أعادت الأمل بإمكانية زوال الاحتلال عن الضفة والقطاع المحتلَّيْن، وأبرزت قُدرة الفلسطينيين على زعزعة أركانه، ومقارعته بشكل فاعل ومستمر من خلال وحدة وطنية وبمشاركة فاعلة للقوى الإسلامية أعطت للمقاومة الفلسطينية زخماً جديداً.

غير أنّ هذه الرافعة ما لبثت أن تحطّمت وتهاوت بسبب اتفاق أوسلو الذي أنجزته قيادة المنظمة مع الاحتلال، والذي لم يقفز فقط عن تطلعات وآمال الشعب الفلسطيني، بل خذل المقاومة وتآمر عليها لصالح حسابات ضيّقة لقادة المنظمة في مواجهة صعود حركتي حماس والجهاد بسبب جهودهما الكبيرة في مقارعة الاحتلال.

واستمرت قيادة المنظمة في احتكار البرنامج الوطني الفلسطيني وتهميش المكوّنات الأخرى بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 حتى فوجئت عام 2006 بأنها أمام تحدٍ جديد تَمثَّل باكتساح حماس للانتخابات التشريعية، ما دفعها للانقلاب عليها في العام الذي يليه، لتدخل الساحة الفلسطينية في انقسام سياسي وجغرافي كان لا بدّ من تجاوزه عبر اتفاقات متعددة ووساطات عربية لم تجد سبيلها للتطبيق.

وكان إصرار قيادة فتح على الاستحواذ على القرار الفلسطيني ومحاولة تهميش المكوّنات الأخرى والإصرار على السير في برنامج أوسلو الذي فشل في تحقيق أيّ إنجاز للشعب الفلسطيني، سبباً لإفشال التفاهمات الفلسطينية.

كما أنّ هذا الفشل ارتبط بالدور الإسرائيلي المُعرقِل، ودعم الدول العربية المنظّمة وقيادتها وبرنامجها السياسي، ما جعلها لا تصلح لأن تكون وسيطاً يوصل الفلسطينيين لبرنامج وطني حقيقي قائم على دعم المقاومة والتصدي للاحتلال ووقف التنسيق الأمني معه.

ما بعد "سيف القدس"

تزامن الفشل في التوصّل لبرنامج وطني فلسطيني مع فشل ذريع للسلطة التي وُكل إليها قيادة المنظمة للسّير في برنامج سياسي قائم على استجداء التنازلات من الكيان عبر تفعيل التنسيق الأمني معه، فضلاً عن فسادها وتعديها الصارخ على الحقوق والحريات.

وجاءت معركة سيف القدس لتكشف عورة هذه السلطة التي خذلت شعبها ولم تُدافع عنه، في مقابل تقدّم حماس في الدفاع عنه وعن القدس، الأمر الذي عمّق الفجوة بين السلطة وبين قوى الشعب الفلسطيني خصوصا بعد إفشالها للانتخابات الفلسطينية، ووُلوغها في دم الشهيد نزار بنات.

وكان يمكن لهذه السلطة أنْ تستغلّ هذه المعركة التي وحّدت أطياف الشعب الفلسطيني وجمَّعته في كل أماكن وجوده، للاندماج مع الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال، ولكن ارتباطها مع الكيان منعها ويمنعها من ذلك مستقبلاً، الأمر الذي يضع علامات استفهام حول جدوى التواصل مع قيادة التنظيم الذي يقودها لأي برنامج وطني جامع قائم على تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة.

ويبدو أنه لا مجال لإنجاز اتفاق على برنامج وطني يتضمّن مقاومة الاحتلال مع سلطة تتعاون معه، ومع طرف يسعى للاستحواذ على الساحة وجرّها نحو برنامجه الذي أثبت الواقع فشله الذريع!.

كما أنّ القفز عن إنجازات سيف القدس وأهمها رفع سويّة المقاومة الفلسطينية واستعادة الأمل بتحقيق انتصارات على الكيان ومراكمتها، وإمكانية عرقلة البرنامج الاستيطاني في القدس والضفة، يشكِّل جريمة بحق الشعب الفلسطيني وقضيته. كما ثبت بالممارسة أنه لا يمكن التعويل على الانتخابات لتحقيق شراكة وطنية فلسطينية والتوصل لبرنامج سياسي مشترك مع قيادة فتح، بل إن هذه الممارسة ستُذيب الفواصل بين تياري التسوية والمقاومة لصالح اندماج غير واعٍ للأخيرة في برنامج عبثي سقفه الأعلى اتفاق أوسلو.

وهكذا، يبدو من الصعب استمرار التعويل غير الواقعي على إمكانية إنجاز مصالحة واتفاق وطني مع فريق ربط نفسه باتفاق أمني مع الاحتلال، وعقد العزم على الاستمرار في طريق التسوية السياسية التي لا تتوافق مع الأهداف الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.

تأجيل الخلافات ومراكمة الإنجازات

ويستدعي هذا الأمر تداعي الأطراف الفلسطينية من منظمات وشخصيات اعتبارية تتبنى برنامجاً المقاومة للاتفاق على برنامج وطني يُحقق أهداف الشعب في التحرير والعودة، وبرنامج سياسي لإدارة المعركة مع الاحتلال وتجميع طاقات الأمة في التصدي له ومحاولة فرملة برنامج التطبيع الذي مهدت له السلطة بعلاقاتها مع المحتل.

ومن المهم أن تصيغ هذه القوى معادلةً لعلاقتها بمنظمة التحرير التي أغلقت على حركتي حماس والجهاد فلسطينياً وعربياً ودولياً، وتم تطويعها لخدمة قيادة فتح المتنفذة.

وإذا كان التعامل مع هذا الكيان سيثير خلافات بين القوى الفلسطينية فبإمكانها تأجيل الموقف منه لصالح الاتفاق على الأهداف الكبرى في مواجهة الاحتلال، والاتفاق على برنامج نضالي للمرحلة المقبلة عبر تشكيل قيادة فاعلة له.

وبدون شك، فإن مشاركة فتح في البرنامج الوطني تعطيه دفعة قوية، ولكن لا يبدو أنها جاهزة له في المرحلة الحالية، الأمر الذي يستدعي إعطاءها فرصة لإعادة النظر في موقفها مع عدم رهن الاتفاق بها والمضي به على الأرض وتحقيق إنجازات في ميدان الصراع مع الكيان ارتكازاً إلى إرادة صلبة وعزيمة قوية لشعب يثبت كل يوم في الميدان أنه عصيٌّ على التطويع والتركيع.

ومن متطلبات المرحلة تفعيل جذوة الصراع مع الاحتلال في جميع المجالات والساحات، ومراكمة الإنجازات لمحاولة التأثير على معادلة الصراع مع العدو، خصوصاً أن إرهاصاتٍ لذلك حصلت في انتفاضتي 1987 و2000 لولا الالتفاف عليهما بتسويات سياسية لم تحقق أي إنجاز للشعب الفلسطيني.

كما أن تصعيد الصراع وتطويره نوعاً وكماً من شأنه أن يؤثر في البيئة الخارجية التي تتعامل مع مشروع السلطة السلمي على حساب مشروع المقاومة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي