أي حرب عرقية أو قبلية تنتهي بحسم عسكري في منطقة القرن الإفريقي لا تنتهي بإعلان الانتصار، وإنما تبدأ في الحقيقة حربٌ جديدة ربما تكون أقل عنفاً لكنها أطول عمراً، وتشرع في استنزاف البلد عقوداً عديدة حتى تنفجر مرة أخرى وتعود دائرة العنف من جديد.

إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي انتصاره على إقليم تيغراي المتمرد، وتعيين والٍ جديد وقيادة جديدة للإقليم هو انتصار تكتيكي حاسم بلا شك، وسيؤدي إلى موجة تغييرات أساسية قد يمكن تلخيصها في المساحات التالية: 

ستتعزز قبضة آبي أحمد على السلطة المركزية، وسيقوى نفوذه داخل حزبه الائتلافيّ، وسيتعزز الحضور الأمني في العمل السياسي لاستيعاب تحولات الحرب ونتائجها، وستساعد على ذلك التوجه الخلفيّة الأمنية لآبي أحمد في عمله الاستخباري الذي تدرّج فيه حتى رتبة عالية، ولا شك أن هذا سيؤدي إلى تراجع صورة الزعيم صانع السلام المنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات التي حرص على تشكيلها في فترة حكمه الأولى داخلياً وخارجياً. 

من المتوقع استثمار الهزيمة التي تعرضت لها قيادة التيغراي بالعمل على تعزيز التباينات بين مراكز القوى داخل تيغراي، واستمالة أطراف منهم إليه، وتعزيز المجموعات المختلفة مع تيغراي عرقياً ودينياً في الإقليم. 

ويُتوقع أن تستفيد عرقية الأمهرا المسيحية المنافسة للتيغراي باستعادة الأراضي التي ضُمّت إلى إقليم تيغراي التي تعد تاريخياً من مناطق الأمهرا وتحديداً مناطق جنوب الإقليم وغربه. 

كذلك فإن الأمهرا يعملون على تعزيز حضورهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية التي انضمّ قطاع مهم من التيغراي فيها إلى الإقليم المتمرد، كما سيسعون لتعزيز حضورهم في المناطق الحدودية مع السودان على حساب العديد من القبائل الحدودية المشتركة وبخاصة إقليم بني شنقول الذي تحول إلى مربع أمني قويّ لوجود سد النهضة ضمن أراضيه، ومن المعروف أن منطقة بني شنقول تنتمي ثقافياً إلى السودان، ولديها جبهة مسلحة تدعو للانفصال عن إثيوبيا والانضمام إلى السودان.

أعادت الحرب خلط الأوراق في المنطقة، فقد انحازت إرتريا إلى إثيوبيا في حربها ضد إقليم تيغراي، وتحولت الأراضي الأرتيرية إلى معسكر كبير للجيش الإثيوبي تحركت منه فرق كاملة لحسم المعركة شمال الإقليم وشرقه، وكان لذلك دور حاسم في الاستيلاء على مدينة مَقَلِي عاصمة الإقليم المتمرد التي تضم خليطاً سكانياً بينهم مسلمون يتجمّعون في منطقة النجاشي حيث يرقد جثمانه مع نفر من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المهاجرين إلى الحبشة في سنوات البعثة. 

والأخطر من ذلك أن العديد من الأحزاب والجماعات الإرترية المعارضة التي اتخذت من إثيوبيا مركزاً لنشاطاتها أو معبراً آمناً لها تعرضت لنكسة حقيقية بعد تخلِّي إثيوبيا عن التزاماتها إثر تحالف الرئيس الإرتري مع رئيس الوزراء الإثيوبي في هذه الحرب. 

بل سلمت السلطات الأمنية الإثيوبية كوادر مهمة لبعض هذه الحركات للسلطات الإرترية في أسمرا، وقدمت معلومات عن تحركاتهم في السودان والصومال وجيبوتي وكينيا، ويبدو أن أسياس أفورقي يطمع في أكثر من ذلك باستعادة منطقة بادمي إلى إرتريا التي لا تزال القوات الإثيوبية تسيطر عليها على الرغم من صدور قرار من المحكمة الدولية بلاهاي بأيلولتها إلى إرتريا، وموافقة إثيوبيا على القرار شكلياً. 

وفي المقابل فإن التيغراي المهزومين سيعيدون تواصلهم مع قوميتهم في المرتفعات الإرترية، وسيعملون على توتير هذه المناطق وتحويلها إلى مصدر إزعاج أمني لأسياس أفورقي انتقاماً من دوره في مساندة آبي أحمد ضدهم. 

وبات من المؤكد أن المعارضة التيغرانية ستتخذ من بعض دول الجوار منطلقاً لمعارضتها، وتبدو دولة جنوب السودان مهيّأة أكثر من غيرها لتكون الملجأ، مستفيدةً من إرث العلاقات القديمة أثناء الحرب الأهلية بجنوب السودان قبل الانفصال عن شماله حين كانت السلطة الإثيوبية ممثلة في التيغراي من أكبر داعمي تمرد جنوب السودان لسنوات طويلة لا سيما منذ بداية حكم الإنقاذ. 

ولا يستبعد أن تدخل دول أخرى على خط إزعاج النظام الإثيوبي على خلفية التوتر الإقليمي في القرن الإفريقي وكثرة اللاعبين فيه، فلا شك أن مصر لن تترك هذا الحادث يمر من دون أن تضع توقيعها، فالتيغراي اليوم خسروا المعركة لكن الحرب لا تزال قائمة، ولا يزال معظم مناطق الإقليم متاحاً للنشاط العصابي، وسيظل التدخل المصري وربما السوداني لاحقاً قائماً ما دام ملف سد النهضة غير متفق عليه، وهو الملف الحساس في حسابات الأمن القومي لكل بلد من بلدان المنبع والمعبر والمصبّ. ويشار هنا إلى زيارة سرية من رئيس الإقليم المتمرد دبرصيون جبراميكائيل إلى دولة جنوب السودان، وتحدثت بعض التسريبات عن لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء زيارته السريعة لدولة الجنوب، ولكن حسابات الجميع تنظر أيضاً إلى مصالح الدول الكبرى في المنطقة أيضاً، وهي المصالح التي ترى ضرورة بقاء إثيوبيا قوية قادرة على ضبط الإيقاع في هذه المنطقة المضطربة الهشّة. 

فلا تزال إثيوبيا دولة محورية للاستراتيجية الأمريكية، وتضطلع أيضاً بدور كبير في سياسات القارة الإفريقية من خلال الاتحاد الإفريقي الذي تستقر منظمته في أديس أبابا، ولم تُخفِ الإدارة الأمريكية رفضها لسياسة حليفها القديم جبهة تحرير شعب تيغراي، وأدانت سلوكها خلال الأزمة. 

وتترقّب المنطقة بحذر تطورات ما بعد الإعلان عن نهاية الأعمال العسكرية الإثيوبية، فتوجد قوات إثيوبية كبيرة دخلت إلى إرتريا، ولا تزال إرتريا هدفاً مشروعاً للتيغراي الحالمين بإقامة مملكة تيغراي الكبرى الممتدة إلى المرتفعات الإرترية وسواحلها والغاضبين من الدعم الإرتري لآبي أحمد، ويوجد انسحاب لقطع عسكرية كبيرة لهذه القوات من مناطق مهمة في الصومال كان لها دور في مواجهة حركة الشباب المجاهدين الصومالية، وكانت الحكومة الصومالية تعوّل عليها في إسناد عملها الأمني بالمناطق التي لم تسيطر عليها تماماً بعدُ. 

كذلك فإن التموضعات الجديدة للأعراق الإثيوبية المتنافسة وتحالفاتها مع الحكومة المركزية ستدخل بقوة في حسابات الوضع العام، وسيغير المشهد تدريجياً نحو أزمات جديدة، وهو ما تستعدّ له السودان مع بقاء احتمالية نزوح جماعي كبير لبعض العرقيات عبر حدودها خوفاً من موجات انتقامية معتادة، واحتمال نشاطات عصابات مسلحة إثيوبية مدعومة من السلطات الإثيوبية المحلية في مناطق الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى داخل ولاية القضارف السودانية ذات الإنتاج الزراعي الوفير لا سيما من المحاصيل المطرية بخاصة السمسم والذرة. 

ولا يزال أمام الحكومة الإثيوبية مشوار طويل في ترميم نتائج الحرب السريعة داخلياً وضبط التوازن المهتزّ فيها، فيما تنتشر مخيمات النازحين داخل إثيوبيا وخارجها، وجراحات مادية ونفسية عميقة ستفعل فعلها في نفوس هؤلاء المهمشين المتضررين من نتائج أي حرب دائرة. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي. 

TRT عربي