مع تضرُّر عشرات وربما مئات الآلاف من الأسر جراء الأزمة الخليجية على مدار ما يقرب من أربع سنوات، فإن السؤال المسكوت عنه إلى الآن هو: هل ستنعكس المصالحة على حياتهم إيجاباً؟ وهل سيُعوَّضون عن خسائرهم وما فقدوه؟

وأنا أتابع الصور القادمة من القمة الخليجية 41 التي عُقدت في مدينة العلا السعودية، خصوصاً تلك الصورة التي تعكس الاستقبال الودود والحميمي الذي حظي به أمير دولة قطر من قبل وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، قمت بوضع نفسي في محل آلاف الأسر على الجانبين: الجانب القطري، وجانب دول الحصار، الذين تضررت حياتهم بشكل مباشر وحاسم بهذه الأزمة المفتعلة التي ربما لا يعرف الكثير منهم لماذا حدثت ولماذا انتهت الآن، ولا يعنيهم أن يعرفوا ربما، فكل الذي يعنيهم هو كيف أنهم كانوا الضحية الأولى لهذه الأزمة، وكيف أنهم أكثر طرف دفع ثمنها، وإذا ما كان هناك تعويض لهم يلوح في الأفق؟

نحن لا نتحدث هنا عن عشرات الأسر، بل عن مئات وربما آلاف يتوزعون بين من فقدوا منهم أعمالهم، وأشغالهم، ودراستهم، وتجارتهم، وشهرتهم، وهنا ربما نستذكر الإعلامي القدير علي الظفيري الذي اضطُرّ إلى الاستقالة من قناة الجزيرة على أثر هذه الأزمة والانزواء في مكان إقامته في الكويت بعد أن أخذ برنامجه "المقابلة" الذي بدأه بمقابلة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحوز على مساحته واسعة من اهتمام الناس بين مشاهدة له ومتابعة.

إننا نعيش في أنظمة سياسية بالكاد تلتفت إلى مصالح مواطنيها أو تحرص على سلامتهم وسلامة معيشتهم، لذلك لا غرابة أنه في كثير من الأحيان يكون المواطنون هم أول من يدفع الثمن، أو أكثر من تقع عليه جرائر الخلافات السياسية بين الدول.

ولذلك، وقبل الحديث عن التداعيات السياسية أو الجيوسياسية للمصالحة الخليجية، أرجو فعلا أن يتمّ فتح صفحة المتضررين من الشعوب الخليجية من هذه الأزمة والقيام بكل ما يلزم على وجه السرعة لتعويضهم عما خسروه، أو على الأقل عن جزء منه. هناك لوعة كبيرة لدى الآلاف من المواطنين وهي تحتاج إلى معالجة حقيقية، وهي لوعة ربما كان أصدق تعبير عنها ردة الفعل العفوية التي قام بها ذلك الطفل الخليجي وتداولتها منصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع عن قفزه من الفرح جراء عقد المصالحة الخليجية، وهو طفل لا تعنيه أبداً حسابات السياسة الكبرى، ولكنه بالتأكيد سمع من والديه أو من إخوته أو ربما من جيرانه عن مضارّ هذه الأزمة على معيشتهم، وتَشكَّل عنده، بناء على ذلك، وعي بان هذه الأزمة هي شرّ محض، وفي حال انتهت فإن التعبير الأصدق عن ذلك إنما يكون بالقفز فرحاً.

وإذا كان التعويض عن الخسائر المادية والمعيشية يجب أن يكون من أول الضرورات المستعجلة التي ينبغي العمل عليها، فإن التعويض عن الحريات الشخصية هو من الأمور التي لا تقلّ ضرورة أبداً، بل ربما تبدو أكثر إلحاحاً من غيرها. فهناك أبرياء تم الزج بهم في السجون والمعتقلات كواحدة من الآثار الجانبية للأزمة التي وقعت قبل ما يقرب من أربع سنوات، أبرزهم على سبيل المثال الشيخ سلمان العودة الذي تم اعتقاله بعد تغريدته المشهورة على تويتر والتي دعا فيها الله لزعماء الخليج أن يؤلّف بين قلوبهم.

إن سياسة رأب الصدع لا ينبغي لها أن تحدث على مستوى واحد بين الأنظمة السياسة وحسب، بل يجب أن تتعدى ذلك إلى مستوى آخر لا يقلّ أهمية هو بين النظام وأبناء شعبه.

إن رأب كرامة أي فرد خصوصاً إذا كان بوزن سلمان العودة من شأنه أن يعزّز الثقة بين المواطنين وحكوماتهم، وهذا ما تحتاج إليه دول الخليج على وجه الخصوص في ظل التهديدات الكبيرة التي تواجهها المنطقة، وتفكُّك عُرَى غالبية الدول العربية المحورية كالعراق وسوريا واليمن، وخضوعها السهل للتدخلات الخارجية.

لا شك أن المصالحة الخليجية تشكّل بارقة أمل على طريق "رأب الصدع" في أماكن أخرى كاليمن على وجه الخصوص الذي مزقته الحرب وفكّكته، وجعلته لقمة سائغة للجوع والمرض والتدخلات الخارجية. ولكن قد نحتاج إلى التريث قليلاً، والترقب بحذر، حتى نرى الخطوة التالية لما بعد المصالحة الخليجية لكي نحكم عليها من حيث إنها خطوة لإطفاء الحرائق في المنطقة أو لإشعال حرائق أخرى. فمنذ أن تم الإعلان عن بداية مسار المصالحة الخليجية، وهناك نظرتان متاقبلتان بخصوص ما سوف يتبع المصالح الخليجية.

النظرة الأولى، وهي النظرة التشاؤمية، تتحدث عن أن المصالحة ستكون إما تمهيداً لجولة جديدة من عمليات التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وإما جولة جديدة من التصعيد ضد إيران، خصوصاً مع الحضور اللافت لصهر الرئيس ترمب ومستشاره جاريد كوشنر وهو يرتدي كمامة "ماسْك" تحمل شعار قوات البحرية الأمريكية، كأنها من قبيل "الحكي لك واسمعي يا جارة". خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار أن المصالحة الخليجية تأتي في ظل تصاعد التوتر في الخليج بين إيران والولايات المتحدة بشكل غير مسبوق.

وعلى الرغم من أن الكثير من المراقبين يرون أن اشتعال حرب مع إيران يبدو بعيد المنال في هذا التوقيت بالذات الذي يشهد نهاية أيام الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض، وأن البراغماتية الإيرانية أو ربما الصبر الإيراني الاستراتيجي ونفَسها الطويل سيعملان على كبح أي تهوُّر باتجاه حرب مفتوحة.

ولكن مع ذلك، يبقى بعض الأصوات المتخوفة من انفلات الأمور في لحظة انعدام اليقين التي نعيشها هذه، ويرون أن الأيام المتبقية للرئيس ترمب قد تكون حُبلَى بالمفاجآت، وهذا بالضبط ماعبّرعنه، على سبيل المثال جيمس كليبيرن، وهو مسؤول شؤون تنظيم مجلس النواب، وثالث أرفع عضو كونغرس ديمقراطي، حينما قال: "أخشى أن يورّث ترمب لبايدن نواة نزاع عسكري مع إيران، فلا يمكن التكهن بما يمكن أن يقوم به. نأمل أن تمضي الأيام الخمسة عشر المقبلة على خير، ولديّ تخوف مما قد يفعله ترمب".

النظرة الثانية هي النظرة التفاؤلية التي ترى أن المصالحة الخليجية ربما تمهد لبداية سلسلة من المصالحات للمشكلات والأزمات التي تعجّ بها المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط، من اليمن مروراً بالعراق وسوريا، إلى ليبيا، فالصحراء الغربية. قد تبدو هذه النظرة مغرقة بالتفاؤل بلا شك، ولكن الأمر الذي لا يستهان به أن رأب الصدع في الخليج من شأنه أن ينعكس ايجاباً على العديد من ملفات المنطقة، خصوصاً أن التنافس والتنافس المضادّ بين محورَي الدوحة والرياض قد عمَّقا حالة الاستقطاب في المنطقة.

ستحتاج هذه النظرة لكي تصدق في تفاؤلها إلى تضافر العديد من العوامل، على رأسها ربما مدى جدية الرياض في تبني سياسة تصالحية تجاه المنطقة بعيداً عن سياسة المحاور السابقة، ومدى توافق محور الحصار -سابقاً- على هذه المصالحة، فالموقف الإماراتي ما زال غامضاً، ولا يبدو أن أبو ظبي راضية بشكل كامل عما جرى، خصوصاً أنها كانت الطرف الأكثر تشدداً في التعامل مع الأزمة، وقد قامت بتعطيل جهود المصالحة الكويتية أكثر من مرة، وهو ما يُبقِي على احتمال أن تقوم أبو ظبي بما ينسف الاتفاق أو وضع العراقيل أمامه.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي