لحظة الاعلان عن تشكيل الحكومة الائتلافيه بزعامة عزيز أخنوش رئيس حزب حزب التجمع الوطني للأحرار (Fadel Senna/AFP)

ويأتي حزب الأصالة والمعاصرة ثانيا بواقع 86 مقعداً، ثم حزب الاستقلال في المركز الثالث بواقع81 مقعداً.

احترم رئيس الحكومة الجديد إرادة الناخبين، كما عبّرت عنها صناديق الاقتراع، حين شكل الائتلاف الحكومي، في وقت قياسي، من الثلاثي الحزبي المتصدر للانتخابات، ولم تحل أي عوائق من ضمان أغلبية مريحة؛ 269 مقعداً من أصل 395 بالبرلمان.

واتفقت الأحزاب الثلاثة على الوفاء لهذا التحالف على المستوى المحلي، بدعوة منتخبيها إلى التنسيق لتكوين الأغلبية داخل المجالس المنتخبة، ووزعت بينها رئاسة مجالس المدن والأقاليم والجهات (المحافظات).

مثّل هذا الأمر سابقة في تاريخ المملكة، فمنذ حكومة التناوب التوافقي بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، عام 1998، لم يعرف المغرب ائتلافاً حكومياً مصغراً بهذا الحجم. كما لم تشهد الممارسة السياسية، منذ الاستقلال، تحالفاً حزبياً مهيمناً، على الصعيدين المركزي (269/395) والمحلي (29680/21805) بهذه الشاكلة.

تتيح حكومة ثلاثية الأضلاع لرئيسها فرصة تقليص الفريق الحكومي إلى حدوده الدنيا، فالتضخيم في الوزراء والوزراء المنتدبين وكُتاب الدولة يكون، بالدرجة الأولى، بدافع الترضيات الحزبية. وهو مبرر لم يعد مقبولاً مع هذه الحكومة، فلا خيار أمام عزيز أخنوش سوى إجبار حليفيه في الحكومة على تقديم قائمة مصغرة، خصوصاً وأنه يملك بين يديه ورقة تفاوضية قوية، تتمثل في رئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس المستشارين.

يواجه أخنوش إلى جانب التشكيلة، إكراه الكفاءات؛ أي البروفايلات القادرة على أن تشكل بديلاً سياسياً يتوافق مع رهانات المرحلة المقبلة. بدءاً من حزبه؛ حيث معظم قيادات التجمع الوطني للأحرار من العهد القديم التي عمرت في المشهد السياسي ردحاً من الزمن.

فيما يشارك حزب الأصالة والمعاصرة لأول مرة في الحكومة، منذ تأسيسه، عام 2008، ما يجعله بلا خبرة وبدون تجربة، باستثناء قيادات استوزرت، في حكومات سابقة، بقبعة التكنوقراط (وزير الصحة محمد الشيخ بيد الله، وزير التربية والتعليم أحمد أخشيشن).

ويبقى حزب الاستقلال، بحكم التاريخ النضالي والدربة السياسية، أقدر الأحزاب على تجاوز مشكلة الكفاءات المرشحة لتولي حقائب وزارية.

بعد أكثر من عشرين عاماً على تجربة التناوب التوافقي، وبعد عشر سنوات على دستور الربيع العربي، يجد المغاربة أنفسهم أمام حكومة الأحزاب الإدارية (المخزنية)؛ باستثناء حزب الاستقلال سليل الحركة الوطنية.

فحزب التجمع الوطني للأحرار تأسس عام 1977، بإيعاز من الملك الراحل الحسن الثاني لصهره أحمد عصمان، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء بين سنتي 1972 و1979. ويعود إنشاء حزب الأصالة والمعاصرة، ثاني قوة سياسية في التحالف، إلى عام 2008، على يدي فؤاد عالي الهمة صديق دراسة الملك محمد السادس، وأحد مستشاريه حالياً، ضمن سياق استيراد تجربة حزب الراحل زين العابدين بن علي في تونس.

تبقى حكومة رجال الأعمال أحسن وصف ينطبق على حكومة الملياردير عزيز أخنوش، الذي تعدى في تأثيره حدود الحزب نحو البنية الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى موقعه في عالم المال والأعمال. وساهم بحضوره، منذ عام 2007، في المشهد السياسي كوزير للزراعة والصيد البحري، في تشجيع إقبال الشخصيات الفاعلة في المجال الاقتصادي والمالي على عالم السياسة.

يساعد هذا على تحديد معالم الاتجاه العام للحكومة المقبلة، بناء على مؤشرات دالة، فالمزج بين عالم السياسة والمال، في مرجعية الائتلاف الحكومي، لا يعد مشكلة بالبت والمطلق. مما يعني دوراً محورياً لرجال الأعمال في تجربة الحكومة المقبلة، فهذا التحالف يبشر بولادة عهد سيطرة رجال الأعمال والتكنوقراط على اللعبة السياسية، وتكثيف للعمل على الواجهة الاقتصادية، بالسعي وراء تحصيل نتائج رقمية في الاقتصاد.

وبدا هذا الهاجس (الرقمي) حاضراً بقوة، في الحملة الانتخابية لحزب التجمع الوطني للأحرار (100 يوم 100 مدينة).

تولي رجل أعمال رئاسة الحكومة لا يعني مطلقاً نجاحها في تغيير أحوال البلاد والعباد، فتقديرات الربح والخسارة التي ينطلق منها في المنافسة التجارية، لا تصلح دائماً في مجال السياسة.

فمنطق الصفقات والربح والخسارة فيها، يبقى مؤطراً بتوصيف السياسية بأنها: "فن الممكن". ويصعب على حكومة لا ترى الواقع إلا كأرقام، أن تدرك جوهر هذه المعادلة.

لذا يتوقع أن يطغى النّفَس الرأسمالي على سياسات الحكومة المقبلة، حيث الأولوية لرجال الأعمال والرأسمال الخاص، ما عدا تلك المشاريع الاجتماعية ذات العناية الملكية، على غرار مشروع الحماية الاجتماعية والصحية. فالنصيب الأكبر من الأزمات الاجتماعية في البلد، عائد إلى زواج المال بالسياسة، فكيف لنا أن نتوقع حلولاً بعد ذلك؟

في المقابل سوف يضمر البعد الحقوقي؛ فلا وجود في مرجعية قائد الائتلاف الحكومي لأي اهتمام بالحقوق والحريات الفردية والجماعية. وهذا أعز ما يُطلَب في مغرب اليوم، فالدعوات المطالبة بانفراج حقوقي تعالت بقوة قبيل الانتخابات، دون أن يستجاب لها. وسوف تعود بقوة أكبر، بعد تشكيل الحكومة، أملاً في طي صفحة الماضي.

مهما حاول المرء أن يكون متفائلاً عند قراءة فنجان الحكومة المقبلة، فإنه يواجه بأكثر من مؤشر يعيده إلى مغرب ما قبل 2011. يبقى آخرها عجز حكومة عزيز أخنوش، عن تشكيل معارضة لها، في سابقة من نوعها، فالبحث لا يزال جارياً عن الأحزاب التي ستتولى دور المعارضة، إذ يُتوقع أن تكون أضعف معارضة برلمانية يشهدها المغرب؛ لكونها مشتتة تضم أحزاباً من اليمين واليسار؛ إسلامية وعلمانية وطنية وإدارية.

إن أحزاب الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والحركة الشعبية الاجتماعية، تفتقد إلى ثقافة المعارضة لأنها ولدت في بيت المخزن، لتأثيث كراسي الحكومات وليس صفوف المعارضة. وتشكيل معارضة يسارية قوامها التنسيق بين حزب التقدم والاشتراكية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار، غير وارد لأكثر من سبب.

فحزب الاتحاد الاشتراكي؛ صاحب المركز الرابع بـ35 مقعداً، اختار المعارضة مكرهاً، بعدما أن استنفد سبل المشاركة في الحكومة. أما حزبا الاشتراكي الموحد والفيدرالية فحرب الانشقاق لا تزال ضارية بينهما. ما يعدم أي أمل بشأن التفاهم لبناء تصور موحد لأداء مهمة المعارضة.

ويبقى حزب العدالة والتنمية (13مقعداً) خارج الحساب، فحاله لا ينفع في المعارضة ولا المساندة، فلا رهان لديه في المرحلة المقبلة سوى التفرغ لبناء الآلة الحزبية، واستثمار الهزيمة لإنضاج شروط أفضل للمصالحة الداخلية، وإعادة النظر بعين نقدية في المشروع الإصلاحي على ضوء أخطاء التجربة الحكومية.

يتوقع أن تفقد الحكومة المقبلة، خلال السنوات الخمس، المعارضة داخل البرلمان، لكن ستواجه المعارضة الشعبية في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي، من خلال منظمات المجتمع المدني المستقلة والمبادرات الفردية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي