إن دعوة الملك محمد السادس للحوار مع الجزائر لا يمكن رفضها من الجانب القيمي والأخلاقي، لكن عالم السياسة لا يعترف بالنوايا الحسنة بالمعنى المطلق، واختيار التوقيت هنا هو في حد ذاته يخضع للحسابات، الأمر الذي أعاق تجاوب الجزائر إيجابيّا معها.

كي نكون منصفين من البداية فإن أي حوار بين طرفين أو شخصين هو قيمة أخلاقية راقية وسلوك حضاري لا يمكن الاعتراض عليها، فما بالك إذا كان هذا الحوار بين بلدين جارين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والقيم والمصالح وحتى العلاقات العائلية المتداخلة مثلما هو حال الجزائر والمغرب اللتين تشكلان ثقلاً إقليميّاً وركيزة أساسية في بناء المغرب العربي.

وانطلاقاً من هذا فإن الدعوة للحوار الواردة على لسان العاهل المغربي محمد السادس في خطابه بمناسبة المسيرة الخضراء في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لا يمكن التنكُّر لها أو رفضها من الجانب القيمي الأخلاقي، إلا أن عالم السياسة لا يعترف بالنوايا الحسنة بالمعنى المطلق، واختيار التوقيت هنا هو في حد ذاته يخضع للحسابات، وهذا ليس عيباً، لذلك فإذا كان المخزن المغربي قد اختار التوقيت المناسب لإطلاق الدعوة فإن الجزائر في المقابل اختارت الصمت تعبيراً عن تفاجئها بالدعوة ومن أن منطلقاتها ليست بريئة في هذا التوقيت بالذات.

الشعور بعدم الاطمئنان هو ما حمل الجزائر على التزام الصمت وعدم الرد على مبادرة الملك المغربي بشكل مباشر

مروان لوناس

فالدعوة المغربية على لسان الملك ثم الإصرار عليها من طرف وزارة الخارجية من خلال بيان رسمي ثم استقبال السفير الجزائري في الرباط رغبة في استعجال موقف رسمي من الجزائر تأتي قبيل أيام فقط من جولة مفاوضات جديدة بين المغرب وجبهة البوليساريو تحت ضغط الأمم المتحدة تعقد يومي الخامس والسادس من ديسمبر/كانون الأول في جنيف، حيث تلقَّت الجزائر دعوة رسمية للمشاركة من طرف هورست كوهلر، مبعوث الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، وهذا وضع الرباط تحت الضغط خاصة مع تقليص فترة وجود بعثة المينورصو لستة أشهر بدلاً من عام كما كان عليه الحال من قبل.

وفي مواجهة هذا الضغط الدولي يسعى المغرب لتحويل الأنظار وتخفيف الضغط الواقع عليه بتوجيه الدعوة إلى الجزائر للتحاور حول كافة الملفات التي ذكرها الملك محمد السادس في خطابه، بدءاً من فتح الحدود البرية المغلقة منذ 1994، وصولاً إلى محاربة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، مروراً بتنمية المناطق الحدودية، لكن ما لم يرد على لسان الملك محمد السادس ولا في تصريحات وزير خارجيته ناصر بوريطة ولا في بيان الخارجية المغربية، وترتاب منه الجزائر (إن لم تكن متيقنة منه) هو أن الدعوة مجرد محاولة واضحة للالتفاف على مشروع الأمم المتحدة بشأن قضية الصحراء الغربية، ومسعى لإقحام الجزائر كطرف في النزاع، لأن "المخزن" يرى أن التفاوض الحقيقي ينبغي أن يكون مع الجزائر، بينما تدافع الأخيرة بأن القضية تتعلق بتصفية استعمار في آخر بلد في إفريقيا عبر الاستفتاء الذي أقرته الأمم المتحدة. أما الحوار مع الجار الغربي فتعتقد الجزائر أن المشاكل والخلافات الثنائية -إن وجدت- فإن طريق حلها لن يكون سوى عبر هياكل اتحاد المغرب العربي، ووفق الأسس والفلسفات التي بُني عليها هذا التكتل قبل ثلاثين عاماً، حين جرى الاتفاق الضمني بين الزعماء المؤسسين على أن قضية الصحراء الغربية خارج أجندات النقاشات الثنائية والمتعددة بين الأطراف المغاربية.

هناك خطاب إعلامي ما يزال يعتقد أن الجنرالات هم من يحكمون في الجزائر، في حين أن القرار السياسي أصبح بشكل شبه مطلق في يد الدائرة الرئاسية

مروان لوناس

لذلك اكتفت الجزائر هذه المرة بالرد غير المباشر على الإحراج المغربي بتقديم طلب رسمي للأمين العام لاتحاد المغرب العربي الطيب البكوش، من أجل عقد اجتماع وزراء خارجية دول المغرب العربي الذين لم يلتئم شملهم منذ مايو/أيار 2016.

الملاحظ أن الدعوة المغربية المفاجئة لم تسبقها أية مقدمات تستدعي اللقاء المباشر للتطرق للقضايا الثنائية، فالعلاقات بين البلدين تعاني أصلاً من حالة الجمود المستمرة منذ سنوات، فحتى على صعيد الزيارات الرسمية بين البلدين تكاد تكون منعدمة، اللهم إلا إذا زار مسؤول مغربي سامٍ من رتبة وزير الجزائر في إطار اجتماع إقليمي أو دولي، أما ما عدا هذا فلا إشارة إيجابية صدرت عن المغرب، والكل يتذكر كيف رفضت الحكومة المغربية في يونيو/تموز 2005 استقبال رئيس الوزراء أحمد أويحي، ما خلَّف امتعاضاً شديداً في الجزائر، لذلك فإن دعوة الحوار المغربية هي مجرد مناورة سياسية عبر وسائل الإعلام المختلفة هدفها إحراج الجزائر على مرمى حجر من انطلاق المفاوضات التي تسميها الرباط"مائدة مستديرة"مع جبهة البوليساريو.

كان لا بد على الطرف المغربي قبل الدعوة إلى الحوار أن يبدأ بخطوات تهدئة وإجراءات تعبر عن حسن النية، مثل وضع حد للاستفزازات الإعلامية المتواصلة التي لا تتوقف في اتجاه الجار الشرقي، حيث هناك مواقع وصحف إليكترونية متخصصة في صب الزيت على النار وخوض حرب إعلامية "عدائية أحياناً" دون هوادة بشكل مشوِّه ومضرٍّ للمغرب قبل الجزائر، بل إن هناك خطاباً إعلاميّاً ما يزال يعتقد أن الجنرالات هم من يحكمون في الجزائر، في حين أن موازين القوة داخل منظومة الحكم تبدلت قبل سنوات ومالت الكفة بشكل كبير للرئاسة، بمعنى أن القرار السياسي أصبح بشكل شبه مطلق في يد الدائرة الرئاسية.

لا أحد يرضيه بروز جيل كامل من الجزائريين والمغربيين لم يزر أي منهم بلد الآخر عن طريق البر، بسبب الحدود المغلقة منذ ربع قرن رغم ألا تأشيرات مفروضة على تنقُّل المواطنين

مروان لوناس

إذن فالشعور بعدم الاطمئنان هو ما حمل الجزائر على التزام الصمت وعدم الرد على المبادرة بشكل مباشر، يضاف إليها استغلال الرباط للظرف الداخلي الهش والحساس لزيادة الإحراج، فالقصر الملكي يعلم أن غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسبب المرض وانشغال النظام السياسي بكل مكوناته بترتيب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل، سيزيد من إرباك الموقف الجزائري وليس هناك أنسب من هذا التوقيت لتخفيف الضغط على نفسها ونقله إلى الطرف الآخر، في حين أن منطق الحوار وجدِّيته يقتضي القيام بخطوات عملية ملموسة، أولها ترك قضية النزاع في الصحراء الغربية ضمن إطاره الأممي ووفق مسار المفاوضات المقررة في جنيف، لكن الرغبة المعلنة من الرباط في إظهار الجزائر في صورة البلد الشقيق الرافض "لسياسة اليد الممدودة" -كما يسميها المغرب- تقف وراء إطلاق المبادرة.

يبقى أن دعوة الحوار كان يمكن أن تكون جدية وبريئة وصادقة لو لم تتزامن مع هذه الظرفية التاريخية داخليّاً وإقليميّاً، مثلما كانت ستكون محل ترحيب لو سبقتها خطوات من الجانب المغربي، كتخفيف حده الخطاب الإعلامي الهجومي وفتح المجال أمام زيارات الوفود الرسمية وغير الرسمية من مختلف المستويات، مع وقف بعض العمليات الاستفزازية على الحدود، وهي كلها خطوات على بساطتها فإنها لو سبقت الدعوة إلى الحوار لكان رجع صدى الدعوة أحسن من جانب الجزائر، خاصة أنه لا أحد يرضيه بروز جيل كامل من الجزائريين والمغربيين لم يزر أي منهم بلد الآخر عن طريق البر، بسبب الحدود المغلقة منذ ربع قرن رغم ألا تأشيرات مفروضة على تنقُّل المواطنين بين المغرب والجزائر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي