تدرك تركيا أن الدول المحكومة من خلال أدوات الوصاية العسكرية أو البيروقراطية لن تنتج إلا عدم الاستقرار والتخلف. لذلك اختارت تركيا أن تقف إلى جانب اللاعبين الشرعيين في ليبيا ضمن إطار الاتفاق السياسي الذي تم التوصل إليه في نهاية عام 2015.

يقف المجتمع الدولي اليوم في حالة صمتٍ أمام الهجوم الذي بدأه الجنرال حفتر على طرابلس في الرابع من إبريل/نيسان الماضي، وهي تنتظر دخول هذا الجنرال الانقلابي على العاصمة الليبية. وما يزيد تراجيدية المشهد هو أن الهجوم بدأ على طرابلس في الوقت الذي كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس يزور حفتر، الذي يعد وفق كل معايير الأزمة الليبية شخصية غير شرعية، وذلك للتباحث بشأن "الحل السياسي".

وفي مقابل هذا التغول من قبل حفتر، والذي ترك الأمين العام للأمم المتحدة في موقف صعب، استمرت الأمم المتحدة في الصمت ودفنت رأسها في الرمال، وبقيت عاجزة عن الرد سوى عبر بيان ركيك صدر بعد ثلاثة أسابيع من هجوم حفتر. الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا عطّلتا مجلس الأمن لصالح حفتر، فيما وقفت فرنسا إلى جانب حفتر، ما دفع حكومة الوفاق الوطني إلى تعليق تعاونها الأمني مع فرنسا بشكلٍ كامل. وفيما يقوم المجتمع الدولي بمنح حفتر الحماية الدولية، تقدم الإمارات العربية المتحدة كل أشكال الدعم اللوجستي لحفتر، وعلى الرغم من مرور أكثر من شهر على بدء الهجوم لا يزال حفتر ينتظر على أبواب طرابلس على مرأى ومسمع العالم.

تركيا تؤمن أنه من دواعي تحقيق الاستقرار في المنطقة هو وجود نظام سياسي يستجيب لتطلعات الشرائح المجتمعية ويدمجها في عملية اتخاذ القرار وتشكيل العملية السياسية.

إمره كيكيلّي

خلف هذا الصمت الدولي تقف فعاليات لوبي إسرائيل-الإمارات العربية المتحدة، والذي يسعى تحت حماية إدارة ترمب لإعادة تشكيل المنقطة. هذا المحور لعب دوراً محورياً في الانقلاب الذي شهدته مصر عام 2013، والأزمة السياسية التي دخلتها تونس منذ 2013، وفي دخول اليمن في حالة الفوضى منذ عام 2015، وفي تأزيم الوضع أكثر ودفعها للاستعصاء في الأزمة السورية.

وما الأزمة الليبية إلا جزء في محاولة هذا المحور تشكيل المنطقة. حفتر الذي صعد إلى واجهة الرأي العام بُعيد محاولته الانقلابية في مايو/أيار 2014، ما هو إلى لاعبٌ سعى هذا المحور لإيجاده في ليبيا منذ عام 2014. فعلى الرغم من أن حفتر ليس له أي مشروعية وفق الاتفاق السياسي الليبي الذي تم توقيعه في أواخر عام 2015 ودُعِم من كل الأطراف الدولية في مؤتمر روما، والذي قام بعملية عسكرية على بنغازي في عامي 2016 و 2017، وتقدم عنوةً إلى جنوب ليبيا في عام 2018، فإنه لم يواجه أي انتقادات من الأمم المتحدة أو الأطراف الدولية التي دعمت هي نفسها الاتفاق السياسي الليبي وقتها. على العكس من ذلك، فقد حوّلت هذه الأطراف بشكل تدريجي حفتر إلى لاعب سياسي عبر تعريفهم له بكونه "لاعباً بحكم الأمر الواقع".

كان من الواضح أن حفتر يهدف إلى التقدم باتجاه طرابلس منذ بدأه العملية العسكرية في فزان في بداية عام 2019، لكن المؤسسات في طرابلس لم تتخذ التدابير اللازمة لمواجهة هذا الخطر بسبب التطمينات التي أعطتها الولايات المتحدة وبعثة الأمم المتحدة من قبيل "طرابلس خط أحمر، ولن نسمح لحفتر بدخول طرابلس".

لكن حفتر ابتدأ الهجوم على طرابلس أثناء الزيارة التي قام بها له الأمين العام للأمم المتحدة، وعلى الرغم من مضي شهر على بدء الهجوم لم تصدر الأمم المتحدة تصريحاً واضحاً، فيما اتصل الرئيس الأمريكي ترمب بحفتر هاتفياً، واستخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو في مجلس الأمن لصالح حفتر، وبعبارةٍ أخرى فقد تحركت هذه الأطراف لصالح حفتر بخلاف التطمينات والتعهدات التي كانت أعطتها سابقاً. وكما لا نستطيع تفسير هذا الموقف الغريب الذي يقوّض القانون والأعراف الدولية، يمكننا أن نقول إن "معسكر إسرائيل - الإمارات العربية المتحدة يسعى جاهداً لتسليم ليبيا لحفتر".

وفي المقابل فقد شكّلت القوى الشرعية الموجودة في غربي البلاد تحت قيادة حكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي اللذين يكتسبان شرعيتهما من الأمم المتحدة ويشكّلان نتيجةً للاتفاق السياسي الليبي خط دفاعٍ قوي. وقد استطاع خط الدفاع القوي هذا إفشال كل ادعاءات حفتر. إذ أنه -وعلى الرغم من ادعاءاته بأنه قادر على دخول طرابلس خلال 72 ساعة- فإن حفتر يقف عاجزاً عن إحراز أي تقدم بعد مرور قرابة شهرٍ على بدء هجومه.

وعلى الرغم من مساعي حفتر لتقديم نفسه بوصفه شخصية عسكرية وبكونه رجل البلاد القوي، فإن زيف ادعاءاته بدت واضحة من خلال ضعف ادعاءاته العسكرية، فيما يقف القسم الأكبر من الجيش الليبي إلى جانب القوى المشروعة في طرابلس. وفي مقابل ادعاءاته بأن الشعب الليبي في المنطقة الغربية ينتظره، فقد تظاهرت الجماهير في مدن الغرب الليبي وعلى رأسها طرابلس ومصراته منددة بحفتر ومتهمة إياه بكونه "لعبة في يد الإمارات". وهكذا فقد تحول حفتر الذي قدم نفسه بأنه ضمانة الأمن، إلى عامل تأزيم للأوضاع ومساهم مهم في زعزعة الأمن والاستقرار في ليبيا.

تركيا -كما بعض اللاعبين الدوليين- وقفت إلى جانب الأطراف الشرعية، على خلاف محور الولايات المتحدة الأمريكية-إسرائيل-الإمارات العربية المتحدة. وقد صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 27 إبريل/نيسان بأن "في ليبيا سلطة تستمد مشروعيتها من الشعب في مقابل دكتاتور مدعوم من قبل بعض الدول العربية. ستقف تركيا بقوة إلى جانب أشقائها الليبيين كما فعلت في السابق، وستستنفر كل إمكاناتها لإفشال مساعي تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة".

موقف الرئيس التركي أردوغان هو انعكاس للتوافق الدولي والذي تجلى في الاتفاق السياسي الليبي الذي تم توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية والذي تم التأكيد عليه في مؤتمر روما. وفيما تستمر تركيا باتخاذ موقفها في إطار هذا التوفق وحدوده المشروعة، فإن هناك لاعبين دوليين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، ولاعبين إقليميين على رأسهم الإمارات العربية المتحدة ومصر قد قاموا بتغيير موقفهم عما كان عليه في عام 2015.

منحت الإمارات العربية المتحدة حفتر القوة لكي يقوم بتقويض الاتفاق السياسي فيما وفرت كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية له الحماية.

إمره كيكيلّي

وسبب تغيير هؤلاء اللاعبين لمواقفهم ليس بسبب كون الاتفاق السياسي الليبي غير قابل للتطبيق، وإنما بسبب قيام حفتر الذي يدعمونه بتفريغ الاتفاقية من أي معنى. فقد منحت الإمارات العربية المتحدة حفتر القوة لكي يقوم بتقويض الاتفاق السياسي، فيما وفرت كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية له الحماية، ومن جهتها قامت الأمم المتحدة بالعمل على تحويله إلى لاعبٍ سياسي. وبعبارةٍ أخرى، فقد فرّغ محور الإمارات العربية المتحدة-السعودية اتفاقية 2015 من أي معنى سياسي، فيما قامت الأمم المتحدة بشرعنة كل هذه الخطوات.

اختارت تركيا أن تقف إلى جانب اللاعبين الشرعيين في إطار الاتفاق السياسي الليبي الذي تم التوصل إليه في نهاية عام 2015، وذلك لأن تركيا تؤمن أنه من دواعي تحقيق الاستقرار في المنطقة هو وجود نظام سياسي يستجيب لتطلعات الشرائح المجتمعية ويدمجها في عملية اتخاذ القرار وتشكيل العملية السياسية.

وتدرك تركيا أن الدول المحكومة من خلال أدوات الوصاية العسكرية أو البيروقراطية لن تنتج إلا عدم الاستقرار والتخلف. وتسعى تركيا لكي تكون المنطقة أبعد ما يمكن عن الفوضى، في ظل تقويض الإدارة الأمريكية للقانون الدولي ودفع النظام الدولي للفوضى تحت سيطرتها، كما هو حاصل في حالات مصر وفنزويلا. لأن تركيا، ولكونها دولة من دول المنطقة، فإنها تتأثر وبشكلٍ مباشر بأي فوضى أو عدم استقرار قد ينشأ في المنطقة. الموقف التركي بدعم الأطراف الشرعية في ليبيا، ناتجٌ عن قراءتها الاستراتيجية للمنطقة والتي تتمحور حول الاستقرار، ومرتبطٌ برؤيتها السياسية المتوازنة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.  

المصدر: TRT عربي