Pro-Palestinian demonstration in central Istanbul (Dilara Senkaya/Reuters)

يتابع المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية والرأي العام الدولي ما يجري في مدن فلسطين كافة، وعلى رأسها القدس وغزة، من اعتداءات وتهجير للسكان من بيوتهم واعتداء على المقدسات وجرائم إسرائيلية تنتهك مواثيق حقوق الإنسان كافة، ولكن أمام كل هذا لم يتبلور حتى الآن موقف دولي يستطيع وقف هذه العملية الإجرامية التي تستهدف كل شيء بكل ما بالكلمة من معنى.

للأسف إذا نظرنا إلى المواقف الدولية فإن الموقف الأمريكي الرسمي المعلن قد أعطى تنياهو ضوءاً أخضر للاستمرار في قصف قطاع غزة وانتهاك المسجد الأقصى، إذ كان جوهر الموقف الأمريكي هو دعم واشنطن الحاسم لتل أبيب بكل ما تحتاج إليه من "الدفاع عن نفسها".

وقد قالت جين ساكي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن دعم الرئيس جو بايدن "لأمن إسرائيل وحقّها المشروع في الدفاع عن نفسها وشعبها جوهري ولن يتذبذب أبداً". ومع ذلك يشير بعض المصادر إلى إمكانية وجود ضغط أمريكي لمنع توسُّع العملية الجارية حالياً.

لا يقلّ الموقف الأوروبي الرسمي رداءةً عن الموقف الأمريكي، فإن الممثل الأعلى للعلاقات الخارجية للاتحاد جوزيب بوريل الذي يقود حملة دبلوماسية لوقف العنف عبر تواصله مع إسرائيل ومصر والأردن وتركيا والسلطة الفلسطينية، شدّد على حق إسرائيل في حماية نفسها، كما اعتبرت ألمانيا أن "من حق إسرائيل الدفاع عن النفس في وجه هجمات حركة حماس الفلسطينية"، وقد كان واضحاً من طلب وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، من محافظة شرطة باريس، حظر المظاهرة المؤيدة للشعب الفلسطيني في العاصمة الفرنسية، حقيقة التموضع الفرنسي الذي رفض حتى التعبير عن الرأي بطريقة سلمية، وفي أحسن الأحوال فإن الموقف الأوروبي يتعامل مع الطرفين على حد سواء، مع دعوات باهتة إلى وقف التصعيد، وتعبير عن القلق البالغ.

جاوش أوغلو ينتقد بشدة موجة تطبيع دول عربية علاقاتها مع إسرائيل (TRT Arabi)

وكما هو الحال مع موقف المجلس الأوروبي، لم يكن موقف المنظمة الدولية الكبرى في العالم قوياً كما هي العادة، فقد حملت تصريحات ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة تعبيراً عن الحزن إزاء الخسائر البشرية، بخاصة الأطفال، مع دعوة إسرائيل إلى ضبط النفس ومعايرة استخدام القوة ورفض الإطلاق العشوائي للصواريخ على المراكز السكانية الإسرائيلية، ولعل المضحك المبكي هنا أن كلمات دوجاريك كأنها تقول إن الإطلاق العشوائي الفلسطيني مرفوض، أما الإطلاق الدقيق الذي يستهدف الأطفال والنساء وبيوت المدنيين والعمارات السكنية فيمكن قبوله بدرجة ما. أما الموقف الأكثر انحداراً فقد كان موقف النمسا التي رفع رئيس وزرائها العلم الإسرائيلي على مبنى رئاسة الوزراء تضامناً مع إسرائيل.

على الجانب الآخر أدان عديد من الفاعلين الدوليين الهجمات الإسرائيلية، وعلى رأس هؤلاء الفاعلين تأتي تركيا التي طالب رئيسها رجب طيب أردوغان الدول والمؤسسات الدولية بالتحرك بأسرع وقت لوقف الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينييين، كما طالب أردوغان بشكل خاص منظمة التعاون الإسلامي.

وصف أردوغان إسرائيل بأنها دولة إرهاب، وكان لافتاً ربط أردوغان المنطلقات التي تتحرك بها تركيا ضد الظلم في القدس وسائر المدن الفلسطينية بنفس المنطلقات التي دعمت لأجلها نضال أذربيجان في استعادة أراضيها المحتلة من قبل أرمينيا. ومن جهة أخرى أكّد أردوغان استعداد تركيا لدعم كل مبادرة تطلق في الأمم المتحدة.

على المستوى الدبلوماسي تحدث أردوغان مع أكثر من 20 زعيماً ورئيس دولة، منها فلسطين وروسيا وقطر وباكستان والكويت والجزائر وروسيا والأردن وماليزيا وباكستان، وغيرها، وقد ارتكزت مبادرة أردوغان على ضرورة اتخاذ مواقف مشتركة ضد الاعتداءات الإسرائيلية سواء ضد المسجد الأقصى أو غزة.

وأشارت تركيا إلى إطلاقها طرح فكرة إرسال قوات دولية إلى القدس لحماية الفلسطينين، وقد اعتبرت هذه فكرة جديدة، لكنها كانت قد طُرحت سابقاً من قبل رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان بعد الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية في الخليل في نهاية التسعينيات. وعلى كل حال فإن تطبيق هذه الفكرة لا يبدو ممكناً في ظلّ رفض إسرائيل والفيتو الأمريكي الذي يُتوقع أن يقوم بإحباط كل محاولة لتقييد يد إسرائيل في اضطهاد الفلسطينيين.

صورة (TRT Arabi)

على المستوى الحزبي التركي كان الموقف من القضية الفلسطينية موقفاً مشتركاً لدى الأحزاب السياسية التركية المختلفة، وقد أدانت أحزاب البرلمان التركي في بيان مشترك وعبّر قادتها عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني وإدانتهم للجرائم الإسرائيلية، وشعبياً فقد عبّر الشعب التركي عن غضبه من جرائم الاحتلال ودعمه للمقاومة ولحقوق الشعب الفلسطيني من خلال النزول للشوارع في مراكز المدن التركية كافة، بخاصة العاصمة أنقرة مقابل مقر السفارة الإسرائيلية، وفي إسطنبول مقابل القنصلية الإسرائيلية، وقد احتشدت أعداد كبيرة على الرغم من تدابير الإغلاق الشامل للحَدّ من تفشي فيروس كورونا في عموم تركيا. ولا تزال في تركيا تظاهرات واحتجاجات بشكل يومي تدعو إلى مناصرة الشعب الفلسطيني.

لقد أدانت تركيا واستنكرت الاعتداءات الإسرائيلية، وبذلت قيادتها جهداً دبلوماسياً على مستوى دولي وإسلامي، وحاولت طرح مبادرات، وقد تكون تسعى بشكل حثيث حالياً للمساهمة في وقف إطلاق النار، مع دور معروف في مجال الدعم الإنساني للفلسطينيين، ولكن بالنظر إلى الموقفين الأمريكي والأوروبي فإن الدول التي تشكّل قيادة للنظام الدولي تمنع تحقيق أي اختراق لصالح المدنيين المظلومين الذين يتعرضون لإرهاب دولة الاحتلال، ولا تزال تدعم دولة الاحتلال وتمنحها الضوء الأخضر لاستكمال جرائمها.

لذلك فإن المطلوب من تركيا أن تسعى لرفع سقف موقفها وتخطّي الإدانة والعمل الدبلوماسي التقليدي باتجاه اجتراح صيغ جديدة وتشكيل جبهة أوسع للضغط على الموقف الأمريكي والغربي، لأن هذه الجهات لا تزال تتجاهل العمل الدبلوماسي التقليدي، وفي كل مرة تمنع محاسبة الاحتلال على جرائمه، بل تغطي على هذه الجرائم وتحاول حماية دولة الاحتلال. ولعل الخطير هنا هو أن كل تأخير يعني مزيداً من الكوارث والمعاناة والمجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي