تحتاج المرأة العربية إلى قوانين مدنية تحمي حقوقها، إن الركون إلى الأعراف من شأنه أن يُبقى المرأة في خانة التنميط الذي يحرمها من ممارسة دورها في المجتمع كفرد كامل الأهلية.

يعلو الآن صوتُ الخطابات الحقوقية "الكونية". وباسم القانون والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والمحلية كثيراً ما تُستخدم مفردات ومصطلحات إنسانوية برّاقة مثل عدالة، مساواة، كرامة، حتى باتت مستهلكة؛ لأنّ كل تلك المثاليات التي تضجّ بها تتجرد من مثاليتها، حين تصطدم مع الواقع المعيش ورهاناته الاقتصادية والسياسية.

حين نتحدث اليوم عن حقوق المرأة في مجتمعاتنا، كنموذج يعكس تلك الخطابات والسياسات، يتبين مدى فاعليتها الهزيلة؛ نظراً لافتقاد اشتراطات تنفيذها، على سبيل المثال، لدينا اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة اختصاراً بــ"CEDAW"، تلك التي اُعتمدَت عام 1979من قِبل جمعية الأمم المتحدة، وصدَّقت عليه ا29 دولة عربية إسلامية، بشرط ألا تتعارض مع الشريعة والأعراف الاجتماعية المعمول بها.

المجتمعات كلما تأزَّم واقعها فساداً أوحرباً اشتدت حلقاته تضييقاً على دوائر النساء والمهمشين والأقليات باعتبارها عناصر ضغط وإزاحة يمكن استغلالها واخضاعها.

إيمان النمر

والعُرف نسبيٌّ يختلف من مجتمع إلى آخر، ويفتح الباب لتبرير أيِّ فعل وتمريره، ولو كان عنفاً، وهو الأمر ذاته الذي استفادت منه سياسات الهُوِّية النيوليبرالية، التي ردّت كل أسباب التخلف المتوغّلة بمجتمعات ما سُمي بالعالم الثالث إلى طبيعة الأعراف والثقافات والمعتقدات، ما أحلّ المسؤولين من مسؤولية السياسات الاقتصادية والسياسية الفاسدة، وعاد مردوده بالإيجاب في صالح التيارات المحافظة الرجعية.

هذه المجتمعات التي كلما تأزَّم واقعها فساداً أوحرباً، اشتدت حلقاته تضييقاً على دوائر النساء والمهمشين والأقليات باعتبارها عناصر ضغط وإزاحة يمكن استغلالها واخضاعها، بموجب حماية الأنظمة الأبوية ذات النزعة القبلية، التي تشهد تماهي عناصر "الدين والسياسة والعُرف" في إطار "براجماتي"، ومن ثمّ يُقّيم الفعل بحسب ما يُعرَف بالأصول، وقانون العيب الاجتماعي "العُرفي"، أو معيارية حلال-حرام، وليست قوانين المواطنة والمساواة.

وبالنظر إلى قضايا المرأة، ومن حيث الحقوق الأولية كالتعليم والعمل سيما في المناطق الريفية والجنوب يتبين مدى تعقّد الواقع المعيش الذي يعمل وفق العُرف، ويتحايل على القانون بشتّى السُبل؛ إذ يُلاحظ في مصر مثلاً، ازدياد نسب زواج القاصرات دون السنّ القانوني المنصوص عليه، وهو 18عاماً للفتاة، حتى سُجّل 124 ألف حالة عام 2017 فقط، وزادت طرديّاً نسب الانقطاع عن التعليم بعد المرحلة الإعدادية أو الثانوية، وقد تعالت الأصوات برفع السن إلى21 عاماً، مع وضع عقوبات صارمة لمواجهة تلك الظاهرة، ومنهم من ردَّ أسبابها إلى الثقافة "المتخلفة" ونصوص الفقه، دون الانتباه إلى العامل الاقتصادي والدافع الاجتماعي المترتِّب عليه.

من يراجع التاريخ سيتضح له أن قطاعاً كبيراً من الريف قد استجاب لخطابات التحديث التنموية المختلفة التي تضمنت حقوق النساء في التعليم والعمل وخلافه، إلا أنّ انتفاء جدوى التعليم في ظل ازدياد معدلات البطالة، ومع وطأة الظروف المعيشية اليومية القاسية، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع التضخُّم، والصراع السياسي، كلُّها أسباب ساهمت في عودة بعض أنماط الفكر والسلوك القديمة التي يصنعها العُرف الاجتماعي من أجل عملية التكيُّف مع الواقع، ويأخذ فيها الدين دوراً ثانويّاً لشرعنتها بغطاء مقدّس ضامن وليس العكس.

كلما تملَّصت الدولة بوصفها السياسي من المسؤولية المجتمعية تقوَّت وانتعشت الثقافات القبلية التي تنظر إلى المرأة على أنها مجرد وعاء جنسي لإنتاج النوع.

إيمان النمر

من هذا المنظور تفضِّل أغلب العائلات زواجَ بناتهن بحسب سنّ البلوغ العُرفي الذي قد يبدأ بتجاوز الفتاة عشر سنوات؛ حيث يتم التحايل على القانون من خلال عقد زيجات عُرفية، باسم "زواج السُّنة" كما في جنوب مصر، أو "سُترة البنات" في مناطق أخرى؛ وذلك لشيوع اليأس من حصولهن على وظيفة، وبالتالي عدم جدوى تكبُّد مصروفات تعليمهن الباهظة، أو بقائهن في رعاية آبائهنَّ حتى سن الـ18 عاماً، كما نُلاحظ أن الأغلبية من الإناث في هذه المجتمعات المأزومة، وفي ظل غياب الوعي، ليس لديهن تطلعات مهنية مستقبلية، وتنحصر أحلامهن في الأمان الاجتماعي بأن يكنّ عرائس يُعترف بهن أمام المجتمع كمتزوجاتٍ محترماتٍ استطعن الفكاك من شبح العنوسة! وتُقاس مكانتُهن بحسب مهورهن وتكاليف الزواج الباهظة التي أٌنفقت من أجلهن.

وفي هذا السِّياق، وفي حال عمل المرأة، يُحتسب لها كدور ثانويٍّ مقتطع من وقت عملها المنزلي المنوط بها بالأساس، ولا تُلغَى الحماية الأبوية الموكلة من الأب إلى الزوج، الذي يخوِّله العرف الاجتماعي المشرعن بالدين أن يكون وصيّاً عليها في أمور حياتها كافة مع أحقية تعنيفها في حال مخالفته؛ لأنه يحتكم إلى مفهوم القوامة ومعايير "الرجولة" المقبولة اجتماعيّاً، حتى لدى المنوطين بتنفيذ القانون.

وعلى وجهٍ آخر ربما أقل سوءاً نجدُ بعض الشرائح الاجتماعية الوسطى، تُوظِّف المكتسبات التي حققتها المرأة في مجال التعليم؛ لتوطيد صورتها النمطية التي تتفق والعُرف من خلال مؤسسة الزواج؛ إذ يتبين أن الكثير من الفتيات يُزرع في وعيهن ضرورةُ الحصول على درجة جامعيّة سيما في بعض التخصصات، كالطب والهندسة والعلوم التطبيقية، لا من أجل سوق العمل مفقود الأمل، وإنما من أجل تحسين الشرط الاجتماعي؛ حيث تزيد نوعية تلك الدرجات، فرص زواج الفتاة من رجل ثري أو مهني يعمل بتلك التخصصات الضامنة للارتقاء الطبقي.

كما أنّ العُرف الاجتماعي يحيل بين المرأة وتنفيذ القانون؛ نظراً لأن المجتمعات ذات النزعة القبلية الشائعة في الريف والجنوب عموماً، لا تعترف بالدولة وقوانينها، وتحتكم إلى تقاليدها ومجالسها العرفية، والقانون في متخيّلها الجمعي، مصطلح ذو سمعة سيئة، مُحمًّل بدلالات التهميش والقهر والإحساس بالمواطنة من الدرجة الثانية، أو تكاد تنعدم.

وبناءً عليه تتشكّل الهندسة الاجتماعية وعلاقات الجندر، بحسب طبيعة علاقات الإنتاج الاقتصادية والمنظومة الاجتماعية المعترف بها (وهي القبلية/العائلية)، التي تتقاطع مع مفهوم "الشريعة" في بعض أحكامها ورفضها للقانون بوصفه "غربيّاً"، لا يناسب الأعراف المتوارثة المتفق عليها، وبذلك الإطار تعيش المرأة في حماية الرجل وقوانين الوحدة العضويّة للجماعة، ولا يحقّ لها الخروج عنها، بل يستوجب عليها التعاون مع الرجل في ضمان استمراريتها، وإلا عوقبت بالنبذ الاجتماعي أو الحرمان من الحياة كليّةً.

تُستغل المرأة بوصفها رمزاً دالاً على مدى الهيمنة والحماية الذكورية في الصراعات السياسية والدينية بين الأغلبية والأقليات مثلما يحدث في اليمن وسوريا والعراق.

إيمان النمر

وكلما تملَّصت الدولة بوصفها السياسي من المسؤولية المجتمعية، بما يضمن تنفيذ التشريع وتعميق الثقة في القضاء، وتقلَّصت اشتراطات المدنية والمواطنة، وزادت الأعباء المادية، تقوَّت وانتعشت الثقافات القبلية التي تنظر إلى المرأة على أنها مجرد وعاء جنسي لإنتاج النوع، وتدعيم علاقات النسب، ما يستلزم بالضرورة ضبط حركتها وقدرتها الإنجابية والجنسية، بما يتفق والواقع المعيش، ما يترتب عليه إحياء عادات مثل ختان الإناث، و تبرير جرائم الحفاظ على الشرف وغيرها، كما تُستغل المرأة بوصفها رمزاً دالاً على مدى الهيمنة والحماية الذكورية في الصراعات السياسية والدينية بين الأغلبية والأقليات، مثلما يحدث في اليمن وسوريا والعراق..إلخ، وكما حدث في قضية تعريَة السيدة سعاد ثابت بجنوب مصر العام 2016.

وفي تلك المجتمعات، يشتدّ الصراع على الموارد الاقتصادية مثل الأراضي الزراعية والممتلكات العقارية الثابتة التي تدرّ أرباحاً ريعية تحفظ الكيان المادي للقبيلة أو العائلة، في ظلّ ندرة الموارد وغياب التصنيع، الذي يضمن عملية تراكم رأس المال وتوسيع مجالات العمل والتنافسية، وبالتالي يشرعن العُرف حرمان النساء من حقّهن في الميراث؛ حتى تُحفظ الثروة في يد الذكور بدون تفتيت ولا تُنقَل إلى الذكور خارج حيّز عصبة القرابة؛ إذ تشير بعض الدراسات مثلاً إلى أن 48 % من النساء بصعيد مصر لم يحصلْن على ميراثهن مقابل 34% حصلن عليه منقوصاً بالتراضي الذي لا يخلو من خداع وظلم، رغم نص القانون الذي يعاقب الممتنع عن توزيع الميراث بحسب "الشريعة" بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنة، وبغرامة لا تقلُّ عن ألف جنيه مصري، ولا تتجاوز عشرة آلاف أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهي عقوبة هينة مقابل الانتصار لأصول العصبة، التي غالباً ما ترضخ لها النساء بحكم العيب الاجتماعي، وانعدام الثقة بجدوى القانون، وعبء سير إجراءاته وثغراته.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي