الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  (Others)

وفقاً للمركز فإنّ اللقاء حضره من الجانب السوري رئيس مكتب الأمن الوطني علي مملوك، ومستشاره الخاص للشؤون الأمنية والاستراتيجيَّة اللواء بسام حسن، ومن الجانب الإسرائيلي الجنرال غادي إيزنكوت من رئاسة هيئة الأركان، والجنرال السابق في الموساد آري بن ميناشي، وبحضور أليكساندر تشايكوف قائد القوات الروسية في سوريا.

وعلى الرغم من أن المصادر الرسمية للنظام السوري نفت هذا اللقاء، فإننا نستطيع من خلال رصد العلاقة غير المباشرة بين النظام وتل أبيب أن نرسم مؤشرات واضحة على إمكانية اللقاء بين النظام السوري وتل أبيب من خلال الوقوف على جملة من الأحداث والمواقف التي تشير إلى اتجاه النظام السوري إلى التفاهم مع تل أبيب .

فمع اندلاع الأحداث في سوريا سنة 2011 خرج رجل الأعمال وابن خالة رأس النظام السوري بشار الأسد رامي مخلوف، المعروف بدعمه للنظام على وسائل الإعلام العالمية، ليبعث برسالة مفادها أن "أمن إسرائيل من أمن النظام السوري"، في رسالة واضحة على ربط وجود النظام السوري عضوياً بأمن إسرائيل.

كما عمل التدخل الروسي في سوريا منذ 2015 على ضبط إيقاع العلاقة بين النظام السوري وتل أبيب، ومستوى التنسيق الأمني والعسكري الذي تُوّج في ما بعد بتسليم النظام السوري رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل، الذي كان قد قُتل في لبنان عام 1982 ودُفن في محيط دمشق بداية 2019، ثم تم تسليم تل أبيب ساعة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي أُعدمَ عام 1965 في دمشق.

كل هذا بالإضافة إلى الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في سوريا التي تحرص بشكل دقيق على تجنُّب استهداف مواقع النظام السوري والتركيز فقط على الأهداف الإيرانية.

إن اللقاء الإسرائيلي مع النظام السوري، الذي تكرر الحديث عنه، يصبّ في مصلحة ثلاثة أطراف أساسية، هي موسكو وتل أبيب والنظام السوري، وذلك على حساب إيران.

إذ إن موسكو الراعية لبريد التواصل بين النظام السوري وتل أبيب، والتي تدير عملياتها في سوريا من خلال خط ساخن من التنسيق مع تل أبيب، ترى في ترسيخ التفاهم بين النظام وتل أبيب ورقة يمكن أن تضغط بها في سياقين أساسيين: أولاً في سياق الضغط على الولايات المتحدة لسحب قواعدها من شرق الفرات، والتخلي عن دعم قوات PYD التي ترفض التفاهم مع النظام.

وثانياً، في سياق تشكيل رؤية مشتركة بين النظام وتل أبيب لإضعاف النفوذ الإيراني في سوريا، الذي بات يشكّل شريكاً مزعجاً لروسيا التي ترى فيه مشروعاً مزعزعاً للاستقرار، ومُجهِضاً للحلّ السياسي ومؤثراً في المصالح الروسية في سوريا.

أما النظام السوري المقبل على انتخابات تجديد ولاية رئاسية جديدة في شهر أبريل القادم من العام الجاري، فيرى ضرورة تهيئ الظروف الإقليمية والداخلية لهذه الانتخابات التي تفتقر إلى كثير من الشرعية والمقبولية الدولية.

وهنا أعتقد أن النظام السوري يبحث عن مهادنة سرية وعلاقة أمنية غير مُعلَنة مع تل أبيب أكثر من علاقة تطبيع معلنة، بسبب الكلفة السياسية للتحول من محور المقاومة إلى محور التطبيع، وهو ما يضعه في مرمى العداء والاستهداف الإيراني.

يدرك النظام جيداً المصلحة الإسرائيلية الواضحة بالابقاء عليه، ويحاول أن يستثمر هذا التوجه الإيراني كورقة ضغط ممكن أن تفتح له نافذة باتجاه الأمريكان والدول العربية بعد أن تم خنقه اقتصادياً وسياسياً بالعقوبات الأمريكية.

على ضوء الحالة المزرية التي يعاني منها النظام، أعتقد أن النظام جاهز لفتح قنوات سرية وتنسيق أمني مع تل أبيب، قد ينتهي إلى اتفاق سلام وتطبيع علني بعد إنجاز الحل السياسي، وعودة النظام للسيطرة على كامل التراب السوري. ولكن أعتقد أن تل أبيب غير متشجعة لعدة أسباب:

أولاً: ضعف النظام وتحوله إلى دمية واقعة تحت التحكم الإيراني والروسي، وهذا ما يجعل النظام رغم امتلاكه شيئاً من الشرعية والاعتراف الدولي عاجزاً عن أخذ أي خطوة تجاه تقليل النفوذ الإيراني بما يخصّ بناء مصانع الصواريخ، والتموضع العسكري في الجنوب السوري، وبناء مليشيات محلية موالية لإيران (حزب الله السوري).

ثانياً: تعول تل أبيب على مشروع PYD والإدارة الذاتية للأكراد في شمال شرق سوريا، التي قدمت لها الدعم السياسي الكامل في تسويقها لدى الولايات المتحدة وحتى على مستوى الاستشارات. إن تل أبيب تنظر إلى قوات PYD على أنهم شريك موثوق به، ولا يمكن أن تُقدِم على خطوة تضحي بها بهذا الشريك الموثوق به لصالح بشار الأسد غير الموثوق به والذي قد يعود ويقفز إلى الحضن الإيراني.

ثالثاً: تكاد تكون مشكلة الجولان السوري المحتل هي عقدة المنشار التي تحول دون الوصول إلى تفاهمات راسخة بين النظام السوري وتل أبيب، فعلى الرغم من توقيع الرئيس الأمريكي ترمب قانوناً يعترف بسلطة إسرائيل على هضبة الجولان، فإن تل أبيب تدرك أن حلّ مشكلة الجولان يحتاج إلى سلطة شرعية لتسويتها في ظلّ وجود قرارات أممية من مجلس الأمن الدولي تعتبر الجولاني أرضاً محتلة.

أخيراً: اختلاف مزاج الإدارة الأمريكية الديمقراطية عن مزاج إدارة ترمب التي جعلت قضية التطبيع مع إسرائيل ودفع العديد من الدول العربية لإعلان هذا التطبيع عنواناً أساسياً لسياستها في الشرق الأوسط. وإلى الآن لم يتم اختبار المزاج الأمريكي في ظل الإدارة الجديدة حول مثل هذه الصفقات في ظل الخلافات المحتملة بين واشنطن وموسكو صاحبة المصلحة الأساسية في هذه الخطوة.

تبقى إيران المتلقي للضربات والقصف الإسرائيلي الذي أصبح أمراً معتاداً، أكبر المتضررين من خطوة كهذه، من شأنها أن تشعل خلافاً كبيراً بين إيران والنظام على جدلية دور الورقة واللاعب، ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تلعب بالنظام كورقة مع إسرائيل، فجأة وبدفع من روسيا يحوّل النظام تحويل إيران إلى ورقة ليلعب بها مع إسرائيل لقاء بقائه في السلطة.

وهو أمر سوف يثير خلافات كبيرة بين النظام وروسيا من جهة، وإيران من جهة أخرى، وقد يشكّل هذا السيناريو خطورة على المصالح الروسية والإسرائيلية بسبب عدم قدرة النظام على مواجهة التغلغل الإيراني الذي تحول اليوم إلى جزء من بنية النظام السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأعتقد أن هذه المطالب الإسرائيلية التي تم تسريبها من مجريات اللقاء ليست مطالب إسرائيلية بقدر ما هي مطالب أمريكية نقلتها إسرائيل لضمان موافقة الرافعة الأمريكية لقضية التطبيع والتسوية.

ربما تفضل إسرائيل حالياً بقاء النظام في محور "المقاومة"، لأن ما استفادته إسرائيل من النظام وهو في محور المقاومة لا يقدَّر أبداً بما ستستفيده منه وهو في محور التطبيع، ولأن النظام بحمولته السياسية والعقوبات الأممية المفروضة عليه وأزمة اللاجئين سيكون عبئاً على إسرائيل حال التطبيع معه.

في النهاية أعتقد أن تحريك المفاوضات بين النظام وإسرائيل وفي قاعدة حميميم بالتحديد هو تحريك روسي لمواجهة الولايات المتحدة والاستقواء بالموقف الإسرائيلي، إذ يشكّل أمن إسرائيل ومصالحها أحد أهمّ محددات التدخل الأمريكي في سوريا وموقفها من النظام المتعلق بقضية الحد من النفوذ الإيراني.

ويبقى السؤال هنا: هل النظام السوري مستعد لرمي ورقة التطبيع مع إسرائيل على غرار ما فعلته الإمارات العربية والبحرين والمملكة المغربية لقاء تحقيق بعض المصالح؟

أعتقد أن النظام السوري بصدد إجراء موازنة دقيقة وعملية قياس حساسة للمصالح والمخاطر المحتملة لمثل خطوة كهذه، فالاختناقات السياسية وقطع معظم دول العالم علاقاتها السياسية معه، وشبه الانهيار الكامل لمنظومته الاقتصادية وخروج أكثر من 45% من الأراضي السورية عن سيطرته، قد تدفعه إلى اللعب بالورقة الإسرائيلية لفتح الأفق الأمريكي المغلق في وجهه.

لكن في نفس الوقت يتجنب النظام الاستفزاز المباشر لإيران القادرة بنفوذها وتغلغلها على إلجامه، وهو ما قد يدفع النظام إلى تفاهمات أمنية سرية مع تل أبيب تستهدف الوجود الإيراني، ليحقّق من خلالها مصالحه، ويتجنب مواجهة الغضب الإيراني بشكل مباشر، فيما تتولى موسكو وتل أبيب مهمة الضغط العسكري على طهران للخروج من سوريا، وتأطير وجودها في حدود عدم التأثير في أمن إسرائيل وعدم وقوع النظام السوري تحت سيطرة طهران الكاملة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي