في الوقت الذي يشتد فيه الاستبداد السياسي وتنعدم ممكنات الخلاص من القهر والهدر والكدر، وفي الوقت الذي يستشعر فيه المواطن العربي أن النهايات مفتوحة على ما هو كارثي وألا سبيل أمامه سوى الإذعان والاستسلام، تحل النكتة مكان الفعل.

ليكيث ستانفيلد يحضر العرض الأول لفيلم
ليكيث ستانفيلد يحضر العرض الأول لفيلم "Joker" في لوس أنجلوس ، كاليفورنيا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، 28 سبتمبر 2019. (Reuters)

وتصير النكتة بذلك آليةَ تعبيرٍ ومقاومة لمحاربة الانقراض، حينها يصير التفكُّه ولو على حساب الذات الطريقة الوحيدة لمجابهة بؤس الواقع وظلمه. فالنكتة، وفي مختلف تنويعاتها السياسية والجنسية والفنية والاجتماعية، تسمح بتفريغ المكبوت وتحويل الصراع وتغيير مساراته.

تتأسس النكتة على عُنصرَي التكثيف والغرابة، فهي تتضمن سرداً مكثفاً لشخوص ووقائع تنتهي بانفكاك عقدة ما أو انشدادها، الشيء الذي يجعل منها قصة قصيرة جداً، يراد منها الإضحاك من أجل الإضحاك، أو الإضحاك من أجل الانتقاد، تماماً كما هو الأمر في النكتة السياسية.

إنها تعد من أهم مكونات الأدب الشعبي كما المثل والأحجية، وتتأسس على القِلة في اللغة والسعة في المعنى، وتتميز أيضاً بمجهولية السند، فهي "نص" معتبر في ذاته لا يُعرف "كاتبه" ولا يُسأل خلال "نقله" وترويجه عن مؤلفه/مخرجه الرئيسي.

تقول النكتة: "إن ابن وزير عربي اشترى ثلاثة مصانع وخمس ضيعات وعشرات السيارات الفاخرة، وهو لم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره، ولما سألوا أباه الوزير عن أصل هذه الثروة، أجابهم قائلاً: إن ابني حريص ومدبر جيد، لقد استطاع أن يوفر ثمن هذه الشراءات من مصروفه اليومي، ولهذا أنصح الشباب العربي بأن يكونوا مثله في شأن الادخار من المصروف"، فالنكتة ها هنا، تحكي وتحاكم أزمنة الفساد والإثراء غير المشروع، بحكاية موجعة ومعبرة في الآن ذاته.

يوماً ما قال الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في كتابه "سيكولوجية الضحك" بأن النكتة هي "محاولة قهر القهر، وهتاف الصامتين، إنها نزهة في المقهور والمكبوت والمسكوت عنه"، أي نعم إنها "فعل احتجاجي" على سوء الأحوال واختلال الموازين، يرددها المقهور تعبيراً عن غضبه وحنقه من حجم الاستبداد والإكراه، يُحَوِّر بواسطتها همومه ومواجعه اليومية، ومن خلالها يحقق نوعاً من "الانتصار الرمزي" على المستبدين بتصويرهم في وضعيات كاريكاتورية، إذ يصير الرئيس مجرد غبي تنطلي عليه الحيل، ويصير الغني مجرد مخصي معدوم الأخلاق، أو يغدو القائد مجرد تابع ذيلي في عوالم الكبار. فعن طريق النكتة يجري سحل المستبدين وامتهان كرامتهم والانتقام منهم عبر حشرهم في الزاوية الضيقة الموجِبة للتندُّر والتفكُّه.

ففي المغرب كما في باقي الدول العربية، تحول "الخبر/النكتة" التالية إلى مادة رئيسية في البرلمان الشعبي الأزرق (فايسبوك): "لقد عُيِّن فلان بن فلان سفيراً فوق العادة، بإقليم ووهان بالصين الشعبية، ويتوجب عليه الالتحاق بمقر عمله في الحين والتو"، وفي غالب الأحيان كان هذا التعيين التهكمي من نصيب شخصيات معروفة بفسادها وتسلطها ووقوفها المستمر ضد مصالح الشعوب.

مثلما راجت نكتة أخرى تقول بأن فيروس كورونا تَهَيَّبَ من الدخول إلى الدول العربية بسبب وجود فيروسات أقوى منه، وأنه لما تجرأ على الولوج أصيب في مقتل، بسبب القهر والنكد والاكتئاب والفقر. فالفيروس الأخطر في العالم العربي، حسب مبدعي النكت ذاتها، هو "كولونا" (بمعنى أكلونا) وليس كورونا.

ومنه تصير النكتة، كما أوضح سيغموند فرويد "آلية دفاعية" للتفريغ والتنفيس عن المكبوتات، إذ إن من خلال الضحك والإضحاك يتمكن الفرد من التخلص من الضغوطات والاستدخالات النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها يومياً، وفي هذا الصدد يميز فرويد بين نوعين من النكت، الأولى بريئة وهي التي تكون بغاية المرح وصناعة السعادة لا غير، وهي النكت المفرغة من أي خلفية محددة لأطرها المرجعية وأبعادها القصدية. والثانية غير بريئة وهي النكت ذات المحمولات السياسية والجنسية، ويتوجب فيها التمييز بين المظهر والمضمر، بين غاية الإضحاك المعلنة وغاية الترميز المشفرة، إذ يُطلب من سامعها وناقلها أن يفكِّك الرمز ويؤول الإشارة.

ما يميز الضحك أنه كالبكاء يخفي أكثر ما يظهر، فهما معاً يشتركان في الإضمار والرمزانية المفرطة، وعليه، فإن ما يعتمل من نكت سياسية في العالم العربي يعكس تاريخاً من التحولات والديناميات السياسية والاجتماعية، ويعبّر عما عانته الشعوب العربية وتعانيه من قهر واستبداد وضنك عيش، فلا سبيل أمامها إلا إطلاق العنان للتنكيت لقهر القهر والاقتصاص الرمزي من الجلادين والمسؤولين عن تفقيرها وتعذيبها.

خلال سنوات الجمر والرصاص التي عرفتها البلدان العربية، وجد المواطن المهزوم والمقاوم في آن في السخرية من الحاكم سبيلاً لتضميد الجروح والجهر بالمعاناة، فالنكتة تفي بالغرض وتمنح مساحةً للحكي والقول، بعد انسداد القنوات التعبيرية الأخرى التي يغلقها "حارس البوابة" في الأنساق الشمولية والعسكرياتية، فبعد أن يتحكم المستبد في وسائل الإعلام الرسمية ويكمم الأفواه ويزوّر الانتخابات ويمعن في الاعتقال والتعذيب والنفي، لا يجد المواطن العربي سوى الجدران الخلفية والمنشورات السرية للكتابة والاحتجاج والنكتة السياسية للتفريغ والاحتجاج.

كلما تنامت النكتة غير البريئة بتعبير فرويد، في مجتمع ما، كان ذلك دليلاً على سوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ودليلاً آخر على ارتباك الأنظمة التربوية وبوار المشاريع الثقافية واختلال البنى السياسية، ومنه تصير النكتة لسان حال مجتمع مكلوم ومهدور يجرب التعبير الرامز، بسبب الاحتباس السياسي الناجم عن واقع من القهر والمنع والاستبداد.

بل إن النكتة تصير سلاحاً لهؤلاء المقهورين من الماء إلى الماء، ولو تعلَّق الأمر بالجوائح والنوائب الكبرى، مثلما يحدث الآن مع فيروس كورونا.

يمكن القول بأن البيئة الحاضنة للنكتة السياسية تحديداً لا تخرج عن الاستبداد والقمع والقهر، ولهذا فالمواطن العربي يلجأ إلى إنتاج النكت لقهر القهر السياسي ومواجهة الرعب الكوروني، فليس في مقدوره سوى التنفيس والانتقام رمزياً من واقع قرر "مُلّاكه"وصانعوه عدم الارتفاع.

وإذا كانت البيئة ذاتها تتضمن وسيلة واحدة للإيصال في الزمن الفائت، وهي التواتر اللفظي، فإن النكتة اليوم، باتت أكثر انتشارية وتفاعلية، بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، التي ضمنت لها الشيوع والابتكارية على مستوى الحوامل والتصريفات.

لقد استحالت المواقع الاجتماعية ذاتها إلى سرديات كبرى تتضمن بكاء مغلفاً بالضحك، تسخر من واقع موبوء، تبكي حظاً عاثراً، وتنتقد زمناً موغلاً في الرداءة، عَلَّها تتمكن من تقويضه وتغييره نحو الأفضل، فلا شيء يمنع من التنكيت، ولو تعلق الأمر برعب كورونا القاتل، فالقفشات التي تتيحها هذه "الإبداعية الفكاهية" تشكل سلاحاً فاعلاً لمواجهة الرعب والألم والجوع والفقر، فالمواطن الأعزل من حقه أن يبحث عن سلاح بديل لمجابهة العنف الذي يستهدفه في رزقه وكرامته وحقوقه السياسية والاجتماعية كافة.

ذلكم ما تؤكده النكتة المتواترة آناً في سجل القهر، إذ تقول بأن فيروس كورونا وصل إلى حدود العالم العربي ثم قفل عائداً إلى موطنه الأصلي، ولما سألوه عن السبب أجابهم: "داكشي اللي فيهم يكفيهم" بمعنى أن ما بهم من قهر ومرض وفقر كافٍ جداً ولا يمكن أن أثقل كاهلهم بوباء قاتل، تكفيهم أوبئة الفساد والتسلط والاستبداد العصية على العلاج.

والحال أن النكت في زمن الإنترنت باتت مثل "قذائف" عابرة للقارات والثقافات، تيسر "الإعدام السياسي" الرمزي طبعاً للشخصيات المسؤولة عن ضنك الحالة السياسية، إنها تمارس "الرمي بالنكات/الرصاص"، وهو ما يؤكد وصولنا إلى درجة تحت الصفر في كل شيء. ألم يقل ابن خلدون في مقدمته بأنه "إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أطبق عليهم، وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة، كمن يساق إلى الموت وهو مخمور". فهل سيعتبر الحاكم العربي من هذه الكوميديا السوداء؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي