شهدت تركيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيّب أردوغان إلى سدّة الحكم عام 2002 تحولاتٍ كبرى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

شهدت تركيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيّب أردوغان إلى سدّة الحكم عام 2002 تحولاتٍ كبرى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

هذه التحولات أخذت البلاد إلى مراحل جديدة داخلياً، وإقليمياً، ودولياً. ولفهم التحولات السياسية في الدولة التركية المعاصرة، وفهم المصاعب التي تواجه هذه التحولات، ينبغي فهم البرنامج الشامل الذي اعتمده حزب العدالة، واستطاع من خلال تطبيقه بالمعنى العملي نقل البلاد من مرتبة اقتصادية بعيدة كثيراً عن مجموعة العشرين الاقتصادية العالمية، إلى مرتبة تقترب رويداً رويداً من مجموعة العشرة في المدى الزمني القريب المنظور.

برنامج حزب العدالة والتنمية اعتمد على قوة دفع الطبقة الوسطى في البلاد، هذه الطبقة كانت متعطشة إلى إحداث تطور في بنى المجتمع التركي، في صعده السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. ولهذا كان برنامج حزب العدالة والتنمية تعبيراً عن حاجات تطور المجتمع التركي، حيث انتقلت البلاد في غضون ستة عشر عاماً من ناتج محلي أقل من أربع مئة مليار دولار عام 2002، إلى ناتج محلي اقترب من 850 مليار دولار عام 2018.

هذه النقلة الكبرى على مستوى البناء الاقتصادي التركي ستترافق بالضرورة مع نقلات موازية على المستوى الاجتماعي، والسياسي، وحتى العسكري.

هذا التطور كان يعتمد على التكامل بين تطورات الأنساق الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، فظهرت نتائجه عبر تطوير وسائل الإنتاج الاقتصادية، وعبر تعمّق مستوى العلم وتدريسه ومؤسساته، وكذلك عبر التطور الذي لحق المؤسسات المعرفية والثقافية والاجتماعية.

بذلك يمكن القول إن علاقة جديدة نهضت من قوة الدفع التاريخية التي مثلتها الطبقة الاجتماعية الوسطى التي شكّلت حامل النهضة التركية الحديثة.

كان ثمة ضرورة لهذه النهضة، فصعود الطبقة الوسطى إلى السلطة عبر حزب العدالة والتنمية، سيحتاج إلى دور جديد للقاعدة الشعبية في المجتمع التركي. وهو أمر ردم الهوة بين البنى الاجتماعية، وخلق فرصة لقيام علاقات ذات نمط تكاملي بين هذه البنى.

إن وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة جاء على قاعدة مشروعه السياسي، وأهدافه المحددة بمبادئ، تم التعبير عنها بمبدأ الجمهورية المركزية الموحدة، ومبدأ تكافؤ الفرص، ومبدأ العلمانية. وبموجب هذه القاعدة الأساسية استطاع حزب العدالة الوصول إلى الحكم والاستمرار فيه حتى اللحظة، وجعل هذه القاعدة قوة دفع عملية.

إن صعود حزب العدالة إلى الحكم جاء نتيجة تلبية برنامج هذا الحزب لعملية التنمية الشاملة في البلاد، فقد عجزت الأحزاب السابقة عن تقديم أنموذج تنموي حقيقي، وهذا ما جعل برنامج العدالة والتنمية دليل عمل اقتصادي واجتماعي وسياسي، عبّر عن قطاعات واسعة من المجتمع التركي، وتحديداً طبقته الوسطى، وطبقاته الشعبية.

الطبقة الوسطى التركية هي من حمل العبء الفكري والسياسي والاقتصادي بالدرجة الأولى، وهي طبقة كانت بحاجة إلى أفق تغيير اقتصادي واجتماعي، فقد وصلت التنمية في البلاد إلى مرحلة انسداد التطور قبل وصول حزب العدالة والتنمية، ولهذا حملت هذه الطبقة الاجتماعية برنامج التغيير، الذي جعل من تركيا دولة تشقّ الصفوف، نحو دول مجموعة العشرين الاقتصادية، وتحتل موقعاً بينها، خلال أقل من عقدين من حكم حزب العدالة.

التقدم الاقتصادي التركي بعد عام 2002 انعكس قدرات علمية واجتماعية وثقافية وعسكرية، وبالتالي، وهو الأهم تكثّف بقدرات سياسية فاعلة. فتركيا التي تحتل المرتبة السابعة عشرة بين مجموعة العشرين الأكثر قوة اقتصادية على المستوى العالمي، تنافس الآن اقتصادياً في الأسواق الدولية، على مستوى تسويق منتجاتها الصناعية، ومنتجاتها الزراعية. واستطاعت بفعل تقدم منتجاتها المختلفة أن تدخل أسواق أكثر من مئة دولة.

ومع أن تركيا لا تزال تخضع لمعاهدة عام 1923م، التي تكبلها عن القيام بتطوير ذاتها، وتحديداً في قطاع إنتاج الطاقة البترولية والتنقيب عنها، والاستفادة من ممراتها المائية، إلا أنها تنفّذ بقوة مشاريع تنميتها الكبرى، في قطاعات الصناعة بشقيها المدني والعسكري، وفي قطاع الزراعة، الذي تطورت وسائله، وأدواته، وقدرته على الإنتاج المكثّف في وحدة المساحة.

هذا التطور لا يزال فاعلاً، فالطبقة الوسطى، أو من صعد منها إلى صفوف الطبقة الرأسمالية الوطنية، إضافة إلى الطبقات الشعبية، هؤلاء جميعاً لا يزالون يرون أن برنامج حزب العدالة يعبّر عن مصالحهم، وهم أغلبية اجتماعية.

هذه الفئات الطبقية المختلفة هي رافعة التطور والتنمية التركيين، فالطبقة الوسطى التي تتشكل من أصحاب المهن العلمية على اختلافها، ومن التجار المتوسطين، ومن قطاعات الصناعة غير الكبرى، هي خزان العمل النهضوي بشقيه الفكري والسياسي.

انعكس هذا التطور بصورة عملية في المحيط الإقليمي والدولي، على مستوى إدارة السياسات، بحيث استطاع هذا التطور منع تشكيل قوى كابحة له، سواء في المستوى الداخلي، أو في المستويين الإقليمي والدولي.

وهذا بدا واضحاً ومقروءاً من فهم الدولة التركية لأهمية حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي تطل عليه، في استمرار تنميتها، وهو ما لا تريده قوى إقليمية ودولية متخوفة من النهوض التنموي التركي الكبير.

التنمية التركية الواعدة المستمرة تلعب دور قوة قادمة على مسرح الحياة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعلمية، هذا الدور يخيف قوى دولية وإقليمية، هذه القوى تلبس التنمية التركية ثوباً غير حقيقي، حيث يلبسونها ثوب الأيديولوجية السياسية، وغايتهم في ذلك عرقلة البرنامج التنموي التركي، فمنطقة الشرق الأوسط، التي تنتمي إليها الجغرافية التركية، هي منطقة تنافس شديد بين قوى مختلفة، بسبب غناها بالطاقة والموقع الجغرافي الذي يتوسط القارات.

ولأن المشروع النهضوي التركي يلعب دور استقطاب في المجال الجغرافي العربي، ويشكّل دافعاً لشعوب هذا المجال، فإنه يخلق حالة خوف سياسية واجتماعية لدى حكومات إقليمية، ولدى مراكز قرار عالمي، ولدى الطبقات الحاكمة العربية، التي ترتبط بعلاقات تبعية لمراكز القرار العالمي المختلفة.

هذا الخوف يجعل من هذه الطبقات أمام حقيقتها التاريخية المتمثلة بعجزها عن إنجاز التنمية الوطنية المتعددة في بلدانها. وهو أمر يدفعها إلى اختلاق أسباب وهمية ومنها أيديولوجية لمحاربة تطور الدولة التركية.

وفق هذه الرؤى نفهم الآن لماذا يحارب الغرب التنمية التركية المستمرة، ولماذا يخاف الحكام الإقليميون من هذه التنمية، التي تشكل قبلة جذب إقليمية للشعوب، التي تبحث عن تغيير واقعها البائس، المحكوم بذهنيات متخلفة ما قبل وطنية.

إن قدرة تركيا على الوصول إلى عام 2023 يعني قدرتها على اجتياز طاقة تطور مضاعفة، ممَّا يدفع عجلة التنمية التركية بسرعة أكبر وبمعدل نمو اقتصادي كبير، باعتبار أنها تحررت من معوقاتها الدولية.

فهمُ الأتراك للوضع الإقليمي يتطلب سياسة أكثر وضوحاً تجاه الإقليم واضطراباته وحروبه، وهذه لا تعني دعوة للانخراط في صراعات جانبية، وإنما تعني دعوة إلى محورة الصراع الأساسي والرئيسي، وإنجاز مهامه لمصلحة التجربة النهضوية التركية، ومصلحة الشعوب العربية التواقة للتغيير والنهضة، هذه المحورة تتطلب سياسة انفتاح تركي أوسع على تيارات سياسية عربية مختلفة. فهل يفعل الأتراك ذلك، أم أنهم يجدون ركائز سياساتهم الإقليمية في مواقع أخرى؟

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي