هو أشبه ما يكون بصرخة مكلومة تندلق عبر أودية السيليكون، لتجد الصدى تضامناً ومشاركة وانخراطاً، إنها زفرات الساخطين وآهات المسحوقين التي تستنجد بالتكنولوجيا والرقمنة لإيصال الرسائل إلى من يهمهم أو لا يهمهم الأمر.

إنها أداة تواصل وتوصيل تُغني عن الرسائل المفتوحة والشكاوى والمظالم البكائية، ففي ظرف ساعات معدودة يمكن أن تَستجمع حول قضيتها الملايين من المتعاطفين والمدافعين، فقط يكفي أن يكون الوسم معقولاً وحائزاً على الصدقية والإنسانية ليرتفع في "بورصة" مواقع التواصل الاجتماعي، ويُسهم في تغيير قواعد اللعب في الواقعي والافتراضي معاً.

يُفيد الهاشتاغ أو الوسم أساساً في الرفع من منظورية المنشور، إذ يعمل على تصنيفه وجعله الأكثر مشاهدة ومشاركة، ولهذا يمكن اعتباره "سلاحاً ناعماً" وفعالاً بِيَدِ من يُديره في عوالم الافتراضي، إنه البديل الناجع للمطالبات والاحتجاجات من داخل البنيات التقليدية التي أثبتت اللا جدوائية في عالم يمور بالتحولات المتسارعة.

فالشباب الذي "خانته" الأحزاب التي تحالفت مع قوى الاستبداد سيجد في الهاشتاغ أيقونة فُضْلَى لقول لا، وللرفع من سقف المطالب، كما حدث في المغرب مع حملة المقاطعة، فقد كان هاشتاغ #خليه_يريب (بمعنى دعه يَنْفَسِدْ) سبباً في تكبيد إحدى شركات الحليب خسائر هامة، ما دفعها إلى مراجعة الأسعار والاعتذار للشعب المغربي.

لقد بلغ عمر الهاشتاغ 12 عاماً منذ أول ظهور له بمنصة التويتر، على يد الأمريكي كريس ميسينا لما دعا إلى استخدام رمز المربع (الدييز) لوسم المجموعات والقضايا، مُطلقاً أول هاشتاغ في تاريخ الإنترنت في الثالث والعشرين من سنة 2007، تحت وسم barcamp#، والذي كان يعني تجمعاً لتبادل المحاضرات والأفكار حول قضايا محددة.

كريس ميسينا مخترع الهاشتاغ
كريس ميسينا مخترع الهاشتاغ ()

وأمام النجاح اللافت للوسم في إثارة الانتباه والرفع من المنظورية والمشاركة والتفاعلية، ستهرع مختلف مواقع التواصل الاجتماعي إلى العمل به وجعله رهن إشارة مستعمليها، إلى الدرجة التي صار معها اللغة التي يجيدها كل المبحرين عبر النت.

أخذاً بعين الاعتبار "التناص الاجتماعي" الذي ينماز به المجتمع، فإن دراسة الوقائع الاجتماعية لا تحتمل قراءة سكونية تسائل حالات ونماذج بطريقة خطية، وإنما تتطلب دراسة حركية تنطلق من هذه الحالات إلى البنية الاجتماعية والتاريخية التي ساهمت في إنتاجها وإعادة إنتاجها، في أفق من التعاطي مع منظومتها الرمزية والمادية، ودونما تناسٍ بالطبع لأهمية المجال والمخيال في بناء هذه المنظومة وإظهارها على هذا النحو أو ذاك.

وعليه فلا يمكن الإقبال على الهاشتاغ في الزمن العربي تحديداً، إلا باستحضار الخيبات السياسية التي تعرض على المواطن المغلوب على أمره، والتي جعلته يفقد الثقة في كل الوسائط التقليدية للاحتجاج وإسماع مرثياته التي لا تنتهي.

فالهاشتاغ ما هو إلا صوت من لا صوت له، إنه الصرخة المدوية التي لم يكتب لها التحقق في الأحزاب والجمعيات والبرلمان والمجال العام، فانزاحت و"ترقمنت" لتحقق الامتداد والشيوع عبر جغرافيات النت.

لقد وعى الشباب العربي منذ إرهاصات الربيع الديموقراطي الأولى أهمية "القارة السابعة" في توسيع دوائر النقاش، وفي صناعة الحدث وترويج المعلومة، فقد تأكد له أن النت يفيد أكثر في إشاعة فكرة ما، بعيداً أساساً عن أية رقابة، ومن غير حاجة إلى وسيط ورقي أو مؤسساتي يشتغل بمنطق حارس البوابة، فلا يمر منه إلا ما يتساوق مع مصالح المستبدين.

عندما نتأمل الهاشتاغات في الضفة الأخرى، سَنُلْفِيها أكثر انشغالاً بالبيئة والمعرفة والحيوانات والقضايا الإنسانية الكونية، وعندما نُغَير الوجهة باتجاه السردية العربية سيسهل علينا الخلوص إلى أنها أكثر انشغالاً بأصول الاستبداد وأعطاب السياسة وباقي الأزمات المجتمعية الأخرى، فلكل نسق هاشتاغاته ومطالباته التي تتواصل في رحاب الافتراضي.

إن الأمر ها هنا متعلق باتساع كمي يسجله ارتفاع الطلب الاجتماعي وشساعة الحركة الاحتجاجية، وانتقالها إلى مختلف المجالات والجماعات والأفراد في أوطان تعز فيها الكرامة ويتجذر فيه التفاوت الطبقي، كما أنه متعلق أيضاً بتغير كيفي للثقافة المطلبية ذاتها، وخروجها من مسالك تقليدية تحيل على الاستعطاف والالتماس والانتظار إلى المبادرة والمواجهة والعمل باستراتيجية الحافة.

لقد كان الاحتجاج في زمن مضى يتخذ صيغاً علنية تتمثل في الأحزاب السياسية أو على صفحات جرائدها وأحياناً داخل الساحات والقاعات العمومية، كما كان يتخذ صيغاً سرية تتمثل في الكتابة على الجدران والمراحيض، أو توزيع المناشير والبيانات النارية.

أما اليوم فقد تجاوز الاحتجاج العربي وفي جزء كبير منه هذه المجالات، إلى التعبير عن مطالبه في الفضاء العمومي باحتلاله أحياناً، كما حدث مع ميدان التحرير بالقاهرة أو بالتموقع الإلكتروني عن طريق الوسم/السلاح الناعم.

إن سقف المطالب آخذ في الارتفاع وحمّى الهاشتاغ لن يوقفها الذباب الإلكتروني ولا سياسات الترهيب والترغيب، وتحديداً في غياب جواب سياسي واجتماعي من قبل الحكومات العربية، فالربيع، وكما قلنا قبلاً، لم ينتهِ بعد، ونظريات رفة الفراشة وكرة الثلج وقطع الدومينو، تصدق بدرجة عالية على الحالة العربية، وإن كان مالكو وسائل الإنتاج والإكراه في ليلنا الحالك، رافضين لاستلهام الدرس بضرورة إيقاف النزيف والهدر السياسي والتنموي.

في "مطالبات الهاشتاغ" نكتشف كل حساسيات المجتمع العربي، نكتشف المهاجر إلى الغرب والمهاجر إلى السماء والمنشغل بالتغيير السياسي والمهووس بأعطاب الجنس وتفاهات الحداثة الزائفة، في هذه "الصرخات المدوية" نقرأ من يدعو للانتفاضة على غرار ثورتي الفل والياسمين، ونكتشف من يفضح الرؤساء ومن يدعو للمقاطعة.

كل أطياف المجتمع تجدها تصر على إسماع صوتها وسماً وكتابة وتعليقاً ومشاركة، بما يدل على أن وسائط جديدة يمكن أن تحتضن قيماً وخطابات وممارسات، تشتغل بمنطق الاستعاضة عن سلطة الواقعي ورقابته بِحُرِّيَةِ الافتراضي ولامحدوديته.

طبعاً لن يكون الهاشتاغ سلاحاً فريداً وحصرياً للمقهورين والمستضعفين في مواجهة المستبدين، بل سيوظف وبفاعلية أكبر من قبل الجيوش الإلكترونية التي تعمل على تأبيد الاستبداد، وذلك لتصفية حسابات سياسية مع دول "شقيقة"، وفق ما جاء في هاشتاغ #قطر_لاتستطيع_تنظيم_كأس_العالم، والذي كان الأكثر انتشاراً خلال يناير/كانون الثاني الماضي، في إطار الحرب الإلكترونية الدائرة بين "إخوة الخليج". كما أن الجهات ذاتها تعمل على إطلاق هاشتاغات تمجيدية لإنتاج الطاعة والخضوع والتملق، وذلك من قبيل #بنحبك يا ريس،#يحيا الريس.

في الختام لا بد أن نتساءل إن كان "النضال الإلكتروني" عن طريق الهاشتاغ سيؤدي إلى مزيد من الانعزالية والفردانية، وأنه سيقضي على ممكنات الاجتماع الحميمي والواقعي داخل الأحزاب والنقابات المعارضة، وأنه سيدخلنا في سراب المجهولية والحداثة الزائفة؟ وهل سيكون سيكون الهاشتاغ هو صوتنا الاحتجاجي الأوحد لمواجهة بذاءة العالم ورداءته؟ أو علينا العودة إلى الوسائط الواقعية لرفع اللاءات وصناعة التغيير؟.

أي نعم لقد أثبت الكثير من الحملات الإلكترونية فاعلية قصوى في تغيير الواقع ومواجهة المستبدين، ومع ذلك فبعض الهاشتاغات تثير الفزع بشأن "النضج السياسي" لأصحابها، ما يجعل منها مجرد موضة وضجيج لا يثمر تغييراً ولا إعماراً، لهذا لا ينبغي أن نعتبر أن كل ما يؤلمنا يمكن أن يحل بواسطة تغريدة أو هاشتاغ، قد يسعفنا النضال الإلكتروني في تسجيل حضور الهوية الإلكترونية والرفع من قيمتها بين الأقران من آل جاليات مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك كله لن ينهي المأساة، فما كل أعطابنا ستنفك عقدها بهاشتاغات منفصلة عن النضال في الواقع لا خلف الشاشات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي