تواجد للقوى الأمنية في شوارع العاصمة المؤقتة عدن  (Saleh Al-Obeidi/AFP)

طالب أعضاء مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي "بوقف فوري لإطلاق النار في اليمن، وفقاً للقرار 2565 (2021)، ودعوا إلى حل الخلافات عبر الحوار الشامل ورفض العنف لتحقيق أهداف سياسية"، وهذه التصريحات ليست جديدة، بل مكررة منذ العام 2015، وهي مؤشر على عدم وجود رغبة حقيقية لدى الأطراف الفاعلة في مجلس الأمن في تنفيذ القرارات الخاصة بالأزمة اليمنية.

وكان بإمكان أعضاء مجلس الأمن بخاصة الولايات المتحدة الضغط على حلفائها في المنطقة بما في ذلك الدول التي لم تتدخل في الصراع اليمني بشكل مباشر بضرورة التدخل لوقف الحرب، وبإمكانها اعتراض شحنات الأسلحة التي تُهرَّب إلى الحوثيين عبر البحرين الأحمر والعربي، ولكنها لم تفعل.

ولذا لم يتم حتى الآن استخدام أوراق ضغط حقيقية على جماعة الحوثي بما يفضي إلى وقف الحرب، كما أن قيام إدارة بايدن الحالية بإخراج جماعة الحوثي من قائمة الإرهاب الأمريكية مطلع العام الجاري شجّع الجماعة الحوثية على الاستمرار في تنفيذ أهدافها العسكرية والسياسية على حساب المدنيين، ولم تكترث للقرارات والنداءات الدولية.

وعدم استخدام مجلس الأمن أي أوراق ضغط ضد القوى الإقليمية المنخرطة في الصراع اليمني بضرورة وقف دعمها للجماعات المحلية المسلحة، بل الاكتفاء باستمرار المبعوثين الأممي والأمريكي في التنقل بين واشنطن، ونيويورك وبعض العواصم الإقليمية بخاصة عمّان ومسقط والرياض وأبو ظبي، مؤشر على أن بقاء الوساطة الدولية من عدمها لن يقدم أو يؤخر. وسوف يستمرّ نزيف الدم اليمني على مرأى ومسمع من مجلس الأمن، على الرغم من أن اليمن تحت الفصل السابع من الميثاق الدولي.

إضافة إلى ذلك، لا يزال مبعوثا الأمم المتحدة وأمريكا إلى اليمن يواجهان عدة تحديات، مما يجعل تحركاتهما بلا جدوى، ومن هذه التحديات: استمرار تمسُّك الحركة الحوثية بالحل العسكري من خلال التصعيد العسكري في مأرب وحصار المدن، وتمسُّك المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيّاً بفصل المناطق الجنوبية عن المناطق الشمالية، وتمسك الإمارات باستراتيجيتها الخاصة في اليمن، من خلال استمرار تمركزها في الجزر والمواني اليمنية الهامة، ورغبة إيران في الاستمرار في توسيع نفوذها في شبه الجزيرة العربية على حساب اليمن وأمنه.

أمّا السعودية فيبدو أن استراتيجيتها في اليمن قائمة على المصالح الآنية، مما جعل استراتيجيتها غير واضحة المعالم بعد مرور سبع سنوات من الحرب المستعرة، مع أنّها المتضرر الأول بعد اليمن من هذه الحرب التي تدور رحاها في حدودها الجنوبية، ناهيك بالاستهدافات شبه اليومية التي تطال مدنها بالمسيرات والصواريخ الحوثية.

ومن خلال الأحداث الجارية، والمواقف الدولية، يبدو أن سكوت المجتمع الدولي عن العمليات العسكرية لجماعة الحوثي ضد المدنيين في مأرب دليل على أنّه ينتظر جهة من شأنها أن تحسم الصراع في مأرب، ومن ثم التدخل الدولي المباشر من خلال إصدار قرار من مجلس الأمن يدعم الوقائع على الأرض. ومؤخراً خرج السفير البريطاني لدى اليمن وأكد أنّهم "جاهزون لدعم قرار دولي جديد لتسوية سياسية شاملة في اليمن"، وهذا يعني إلغاء القرار الدولي 2216، الذي ينصّ على ضرورة إنهاء انقلاب جماعة الحوثي، وسحب سلاح المليشيات، والعودة إلى العملية السياسية.

وإصدار قرار دولي جديد بدلاً من القرار السابق 2216 يعني الاعتراف بالأمر الواقع، أي الاعتراف بما حقّقَته جماعة الحوثي من تقدُّمات عسكرية، وكذلك ما حقّقه المجلس الانتقالي، ومن ثم الدخول في تسوية سياسية بناءً على مخرجات الحرب، وبقاء السلاح بيد هذه الجماعات المسلحة، التي سيكون لها القدرة على نقض أي اتفاق بالقوة في حال لم يتماشَ مع مصالحها، وهذا عملياً يعني انتهاء مشروع الدولة الوطنية الذي ينشده اليمنيون، وقيام دولة المحاصصات المناطقية المؤقتة كمرحلة انتقالية، ولن يصبّ ذلك في صالح الشعب اليمني، بل في صالح الجماعات المسلحة ومشاريع التقسيم التي يطمح إليها البعض.

لذا فإن صدور أي قرار جديد من مجلس الأمن يعني التمهيد لتفكيك اليمن، وقد ألمح السفير البريطاني إلى أن "أهداف المجلس الانتقالي السياسية، أي انفصال مناطق جنوب اليمن عن شماله، مرتبطة بمدى تعاون الانتقالي مع الحكومة اليمنية في الوقت الراهن".

وهذا مؤشر آخر على أن بريطانيا حاملة قلم القضية اليمنية في مجلس الأمن لا تمانع بعودة الوضع في اليمن إلى ما قبل 1990، أي تقسيم اليمن. وبالنسبة إلى الإمارات، فهي ترغب في تفكيك اليمن، من أجل خدمة مشاريعها الاقتصادية الخاصة. وتسليحها للجماعات الانفصالية، ودعمها لقوات أخرى خارج إطار الدولة بما في ذلك قوات طارق صالح في الغرب اليمني، دليل على رغبتها في تقسيم اليمن، ولكن بقاء الجيش الوطني اليمني إلى جانب القوى السياسية والقبائل في الدفاع عن مأرب، ومواجهة جماعة الحوثي والجماعات الانفصالية، يعوق التوجه الإماراتي.

وما دامت القوى الإقليمية موجودة على خط الأزمة اليمنية، بل ومنخرطة في الصراع بشكل مباشر، جماعة الحوثي مستمرة في التصعيد العسكري، والعاصمة المؤقتة عدن باقية تحت حكم المجلس الانتقالي، فلا يمكن معالجة الكارثة الإنسانية التي يعاني منها البلد منذ استيلاء جماعة الحوثي على صنعاء غداة 21 سبتمبر/أيلول 2014.

ولكن بالإمكان الوصول إلى تسوية سياسية في حال ركّز مجلس الأمن الدولي على جذور الأزمة اليمنية ومن ثم إيجاد الحلول المناسبة لها، أمَّا الاستمرار في التركيز على كيفية حماية المصالح الدولية، وإدارة الخلافات الإقليمية والوصول إلى تسوية للنفوذ الإقليمي، فهذا يعني استمرار نزيف الدم في اليمن.

ومن خلال اشتداد المعارك الدائرة في مأرب، يبدو أن الأيام القادمة حاسمة في الأزمة اليمنية، والمنتصر في المعركة العسكرية هو من سيفرض شروطه، لكن ذلك لا يعني نهاية الصراع، بل فتح الباب على مصراعيه لحروب قادمة.

إن رغبة بعض القوى الإقليمية وحلفائها المحليين في فصل المناطق الجنوبية لن تقود إلى حلّ المشكلة، بل إلى فتح الصراعات المناطقية كما حصل في 1986، وقد بدأت هذه الصراعات تلوح في الأفق، كما أن إصرار إيران وحلفائها الحوثيين على حكم اليمن بالقوة العسكرية والعودة بالمناطق الشمالية إلى ما قبل 1962، في مجتمع غير مرحّب بفكر جماعة الحوثي يعني انزلاق هذه المناطق إلى مربع الفوضى والاقتتال أكثر من أي وقت مضى. ولن تنجو دول الجوار من لهيب أي حرب قادمة، في حال خروج الوضع في اليمن عن السيطرة.

وفي الختام، يمكن القول إن ثلاثة سيناريوهات تنتظر الأزمة اليمنية: الأول الوصول إلى تهدئة مؤقتة بين إيران والسعودية ومن ثم تنعكس على الأزمة اليمنية، وهذا السيناريو لم تتضح معالمه بعد في ظلّ التصعيد العسكري الحوثي، ولا يعني ذلك نهاية الحرب في اليمن بل تأجيلها. والثاني الانتصار العسكري لأي طرف ومن ثم فرض الأمر الواقع بالقوة، إلا أن ذلك لا يزال غير واضح في ظلّ المعطيات الحالية. والثالث الوصول إلى تسوية سياسية برعاية الأمم المتحدة بناء على مخرجات الحرب، وهذا هو المرجح في ظلّ المعطيات الحالية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي