العنف الرقمي (Getty Images)
تابعنا

بينما لا تتوفر أو تكاد تنعدم آليات الحماية في الدول الأقل نمواً. ويزداد الأمر سوءًا لدى النساء في حالات النزاع المسلح وضعف أو انهيار أجهزة الدولة، وبخاصة مؤسسات العدالة.

حقوق المرأة بين الشريعة الإسلامية والمعاهدات الدولية

لا شك أنّ دساتير وقوانين كثير من الدول العربية والمستمدة من تعاليم الشريعة الإسلامية فيها نصوص وأحكام تنص على حقوق الإنسان واحترام كرامته الإنسانية، ولكن هناك فجوات واضحة وملموسة بين النص وتطبيقه، كما أن كل الدول العربية موقِّعة على المعاهدات والصكوك الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وبحقوق المرأة تحديداً، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والمعروفة اختصاراً بـ"السيداو" مع تحفظات على بعض النصوص، التي تبررها بتصادمها بالقوانين الوطنية أو الشريعة الإسلامية، وعمدت بعض الدول الإسلامية عند التوقيع والمصادقة على الاتفاقية إلى التحفّظ العام عليها، وأكدت التزام أحكام الاتفاقية بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

والمتفحّص والمتعمّق في أحكام الشريعة الإسلامية يجدها منصفة للإنسان صغيراً أو كبيراً، رجلاً أو امرأةً، غنياً أو فقيراً، ولكن ذلك العنف بصوره المختلفة اللفظية والنفسية والجسدية الذي يَطال المرأة، يحدث من أشخاص لا يقيمون وزناً لا للشريعة ولا القيم الاجتماعية والثقافية الحميدة أو نتيجة للتفسيرات الخاطئة لأحكام الشريعة الإسلامية، أو نتيجة لانتقائية المشرّعين الذين يختارون من الأحكام أكثرها تشدداً مع توفر فرص التشريع بأحكام مرنة وملائمة روح العصر الذي نعيش فيه.

ليست فقط الشريعة الإسلامية السياج المنيع لحماية الإنسان وحقوقه الإنسانية، أو المعايير الدولية التي لا يعرفها كُثر، بمن فيهم أصحاب القرار واختصاصيون في حماية القانون كالشرطة والقضاء، بل سياجاً من الأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية الأصلية والإيجابية، توارثها الخلف عن السلف، والتي فُقِدت للأسف في هذا العالم الذي يشهد تحولات متسارعة نكاد ألا ندركها أو نفهم أبعادها وتعقيداتها وتداعياتها.

لا غرابة أن ترى الشاب العربي مثلاً في أرياف اليمن أو مصر أو السودان أو تونس أو أيّة دولة عربية أو إسلامية أخرى يتحدث مع أمه بصوتٍ خفيض مطأطئ الرأس احتراماً وتبجيلاً، ويحنو على شقيقته ويغضّ الطرف عن جارته بينما ترى عكس هذه الصور وسط شباب المدن، ولا أقصد التعميم طبعاً لأنّ كثيراً من شباب المدن تمتد جذوره إلى الأرياف، ولكن الشواهد الواقعية تعزز ذلك، كما لا يعني هذا أنّ نساء الريف أقل تعرضاً للعنف فكثير من الدراسات أيضاً بيّنت أنّ المرأة الأميّة والفقيرة أكثر تعرضاً للعنف وتنتشر الأمية والفقر بين نساء الريف أكثر من نساء المدن.

لا احتفال للمرأة العربية باليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة

اليوم انقلبت الموازين والنساء زوجات، وأمهات، وبنات، وأخوات، جميعهن يتعرّضن لعنف غير مسبوق في بعض بلادنا العربية، ولا فرق في ذلك بين الريف والحضر. في الريف تُحرم الطفلات من التعليم، ويتم تزويجهن مبكراً وكثيرٌ منها زواج قسري أو زواج بالإكراه، تتحمل الفتاة أعباء شاقة داخل وخارج المنزل دون تقدير، تُحرم في كثير من المناطق من إرثها الشرعي، تُعذّب وتُقتل للشك في سلوكها.

وفي المدن تتفاوت وتتنوع أشكال العنف من عنف أُسَري، إلى عنف في الفضاء العام الشارع، المواصلات العامة، السوق، مكان العمل، وغالباً ما يتم تحميل المرأة مسؤولية العنف ضدها. "هي التي كشفت عن وجهها"، "هي التي جمّلت وجهها بالمساحيق"، "هي التي تعطّرت وتزيّنت"، "هي التي لبست"، وغيرها من المبررات لتحميلها مسؤولية العنف الذي وقع عليها.

الأشد قسوة أنها لا تستطيع أن تشكو لا لقريب ولا لبعيد، الأسرة ستعنِّفها أكثر والشرطة ستنظر إليها بعين الريبة والشك وبخاصة إذا كان المشكو به أحد الأقرباء لأن الأعراف الاجتماعية تفترض في البنت الشريفة العفيفة عدم الوصول إلى الشرطة وعدم شكوى الأقرباء. ولذا لا عجب أن نرى انتشار العنف ضد النساء وازدياد حدتها في بلد مثل اليمن تحديداً، والتي تمرّ بفترة نزاع وصراع مسلّح منذ أكثر من سبع سنوات.

قبل عامين قُتلت سميحة الأسدي على يد شقيقها في قاعة المحكمة لأنها لجأت إلى القضاء طلباً لولاية القاضي لتزويجها عوضاً عن والدها الذي "عضل" أي تعسّف ضدها في استخدام "حق الولاية عليها" وامتنع عن تزويجها بمن تريد. حُكِم على شقيقها بالقصاص ولكن ولي الدم "الأب" تنازل عن تنفيذ الحكم واعتبرها قضية رد شرف أو رد اعتبار أو كما تُسمى لدى البعض "غسل عار" لأنها تجاوزت حدودها وفقاً للأعراف القبلية والاجتماعية وذهبت إلى المحكمة تشكو أباها.

في عام 2019 عبد الله النعامي يقتل بناته الثلاث لاختلافه مع زوجته، وفي حضرموت شرقي اليمن تلقى امرأة عشرينية شابة حتفها حرقاً على يد زوجها وأمام أطفالها.

الجرائم كثيرة ومتنوعة ومروعة وحشية وشديدة القسوة وبصورة لم تكن مألوفة، ويعزو خبراء علم النفس ذلك إلى تأثير الحرب والصراع على المجتمع، ولكن بالمقابل يمكن إثارة تساؤل لماذا لم تزدد الجرائم التي ترتكبها النساء، وهنّ يعانين من نفس ظروف الحرب والصراع بل إنها أشد وطأة عليهن؟ هل لأنهن الأضعف جسمانياً؟ أو هل لأنهن يدركن مغبّة تلك الأفعال وأن المجتمع لن يتسامح معهن؟ والقوانين أكثر تشديداً عليهن؟

ومعظم الجرائم الموثقة ضد النساء هي لزوجات آباء عَذَّبْن أو قَتَلْن أطفال أزواجهن، وبذلك فإنّ عنصر القوة الجسمانية حاضر، وكما يستخدم الرجل قوته البدنية لتعنيف المرأة فإن المرأة تستخدم قوتها لتعنيف الأطفال الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة.

هذا العنف والجريمة على المستوى الفردي لكن الأسوأ استخدام السلطة لتعنيف النساء كما فعلت سلطة الأمر الواقع في صنعاء عاصمة اليمن التي سيطرت عليها بعد انقلاب سبتمبر/أيلول 2014 فقد أنشأت مليشيات نسوية تحت مسمى "الزينيات" لقمع وتعنيف النساء.

أما في المناطق التي تقع تحت سلطة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً وتحديداً في عدن "العاصمة المؤقتة " فقد تم ولفترة طويلة إغلاق المجمع القضائي وتعطيل وصول الناس إلى العدالة وأكثرهم من النساء اللاتي يطالبن بالطلاق القضائي نتيجة الضرر وتعسف الزوج أو النفقة أو منازعات أخرى.

هذا هو وضع النساء العربيات وبخاصة اليمنيات ونحن نُحْيي الأيام الدولية لمكافحة العنف ضد النساء التي تبدأ من يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني وحتى 10 ديسمبر/كانون الأول اليوم العالمي لحقوق الإنسان. وكنا نريد أن نحتفل ببعض الإنجازات والمكاسب لكننا للأسف نجترُّ آلامنا المضاعفة كل عام، ومع ذلك لن نفقد الأمل فسوف نستمر في مكافحة كل أشكال العنف ضد المرأة لنعيش في ظل مجتمعات عادلة تحفظ للنساء وللرجال إنسانيتهم وكرامتهم.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي