نجحت الإمارات في الأول من هذا الشهر وبتغطية كاملة من السعودية التي تقود تحالفاً عسكرياً لدعم الشرعية، في فرض انقلاب ثانٍ هو الأخطر، في جنوب البلاد، في الوقت الذي لا يزال فيه الرئيس المفترض أن يعود إلى بلاده فيما يشبه الإقامة الجبرية بالرياض.

لم يحدث أن انكشف الموقف السعودي بهذا القدر من الوضوح بكونه يعكس مؤامرة مكتملة الأركان للإجهاز على الدولة اليمنية وتفكيك وحدتها الترابية وتمزيق وحدتها الاجتماعية وزرع ألغام طويلة الأمد أمام أية محاولة لإعادة إحياء الثوابت الراسخة في تاريخ اليمن والمتصلة بالوحدة والتكامل الديمغرافي والجغرافي في كامل المنطقة التي تشغل الجزء الأكبر من جنوب شبه الجزيرة العربية.

انقلاب عدن حدد بوضوح البوصلة الجيوسياسية للتحالف وكشف عن طبيعة الشراكة الجيوستراتيجية التي تحدث عنها وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش تعليقاً على اللقاء الذي جمع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد مع العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان ثاني أيام عيد الأضحى في قصر منى وتركز حول انقلاب عدن.

لم يكن الانقلابيون الجنوبيون يمتلكون القوة العسكرية الكافية لفرض انقلاب ثانٍ في عاصمة الشرعية المؤقتة والمنكوبة عدن، فقد أبانت المعطيات الميدانية بأن الحسم العسكري للمواجهات التي اندلعت في عدن بين مليشيات المجلس الانتقالي وقوات الحماية الرئاسية كادت أن تُحسم لصالح هذه الأخيرة، قبل أن تدفع الإمارات بأحدث ترسانتها من الأسلحة والمدرعات إلى ميدان المعركة ويتحقق الحسم.

بهذا التدخل، الذي تكامل مع ضغط سعودي دفع بالقادة الموالين للشرعية للخضوع للأمر الواقع، خصوصاً عندما انسحبت الحامية السعودية من قصر المعاشيق مقر الرئيس والحكومة، مؤذنة بإسقاطه السهل في أيدي الانقلابيين.

ثمة تبادل أدوار يجري بتذاكٍ مفضوح بين الرياض وأبو ظبي يقدم الأولى طرفاً غير مكترث بالشرعية ومؤيداً لخطوات الانفصال، فيما يقدم الطرف الثاني رافضاً للنتائج الميدانية للقتال الذي شهدته عدن.

انكشف الموقف السعودي المراوغ على مستويات عدة، فقد سارعت الرياض عبر التحالف وبعد انتهاء المعارك مباشرة إلى الدعوة لهدنة، والتهديد الشكلي بضرورة احترامها أو فرضها بالقوة، على الرغم من أن الأمور حسمت بشكل نهائي لصالح الانقلابيين الانفصاليين واعتراف الشرعية بالهزيمة مع يقينها بأن الذي انتصر هي الإمارات.

وتالياً أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً دعت فيه ما أسمتها الأطراف المتصارعة إلى الاستجابة لحوار يُعقد في مدينة جدة برعاية السعودية.

بيان الخارجية السعودية جاء بنتائج عكسية تماماً فقد عرّى الموقف السعودي وأظهر الرياض طرفاً مؤثراً في انقلاب عدن.

ياسين التميمي

تواصل الرياض بخطوات تدعو للاستغراب في تسويق إنجازات لا علاقة لها مطلقاً بإنهاء الانقلاب، ومنها الحديث عن انسحاب القوات الانفصالية من المواقع التي سيطرت عليها، وتسليم المؤسسات المدنية للسلطة الشرعية، وهو إجراء سيبقى ظاهرياً في كل الأحوال، لأنه يهدف فقط إلى إثبات أن الجميع قد قبلوا بشرط الحكومية الشرعية عدم الذهاب إلى الحوار مع الانقلابيين قبل انسحابهم من المواقع التي احتلوها.

بيان الخارجية السعودية في تقديري جاء بنتائج عكسية تماماً فقد عرّى الموقف السعودي وأظهر الرياض طرفاً مؤثراً في انقلاب عدن.

ذلك أن الدعوة إلى الحوار بين طرفين متساويين في القوة القانونية ترمي في الأساس إلى البناء السياسي على انتصار الطرف الأقوى في معادلة الحرب وهو الطرف الانفصالي، عبر فرض تنازلات من جانب السلطة الشرعية، تشبه تلك التي قدمتها هذه السلطة للحوثيين بعد إسقاطهم صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، تحت إشراف كامل من الرياض وأبوظبي.

يتأثر موقف ولي عهد أبوظبي المؤيد لانقلاب عدن بشكل كبير بالتزام سابق قطعه والده بشأن إعادة تقسيم اليمن، في تعبيره عن الحقد الذي يغلب على الأداء السياسي للعائلتين اللتين تحكمان في أبوظبي والرياض، إلى جانب نزعته الشخصية نحو اختبار قدراته العسكرية المكتسبة عبر عقدين من التساوق مع المشاريع العسكرية الأمريكية في اليمن، وصولاً إلى فرض نفوذ "اسبرطة" الصغيرة التي تحدث عنها قادة عسكريون أمريكيون في معرض تعليقهم على الشهية العسكرية المفتوحة لأبوظبي في المنطقة.

يتأثر موقف ولي عهد أبوظبي بالتزام سابق قطعه والده بشأن إعادة تقسيم اليمن في تعبيره عن الحقد الذي يغلب على الأداء السياسي للعائلتين اللتين تحكمان في أبوظبي والرياض.

ياسين التميمي

وفي المقابل تحتفظ العائلة السعودية الحاكمة بالتصور الخاص الذي عبر عنه ذات يوم مؤسس الدولة السعودية الحالية عبد العزيز آل سعود، والذي يفترض أن أمن المملكة مرتبط بضعف اليمن وتضعضعه.وثمة بعد جيوسياسي بات ملحاً في الفترة الأخيرة في ضوء التحديات الناشئة عن النشاط الإيراني المقلق في مضيق هرمز.

فالسعودية تبدو أكثر إلحاحاً في فرض خيار الوصول إلى بحر العرب عبر محافظة المهرة اليمنية الواقعة جنوب شرق البلاد، وهو خيار ترى السعودية أنه يمكن تحقيقه بكلفة قليلة جداً إذا جرى تفكيك الدولة اليمنية، وهذا المخطط يمر اليوم عبر تمرير هدف انفصال الجنوب عن الشمال، والمضي قدماً في استثمار التناقضات السياسية والاجتماعية في الجنوب نفسه لتمزيقه وتفكيكه.

ومن هنا تبدو خطورة الانقلاب الأحدث الذي نفذه التحالف السعودي الإماراتي في عدن، لأنه في الحقيقة يشق مساراً مستقلاً تماماً عن الأزمة والحرب في اليمن، على نحو ما عبر عنه البيان السياسي الصادر عن المجلس الانتقالي، والذي أعتقد جازماً بأنه قد جرت صياغته تحت إشراف التحالف خصوصاً أنه ثبّت أهداف الانفصاليين وحدد الأبعاد الكاملة للانقلاب.

وهذا المسار يبدو أنه يقود المجتمع الدولي إلى القبول بفكرة الانفصال باعتباره بداية الطريق لإنهاء الحرب، والذي سيخلف خارطة سياسية متصارعة، وسيحشر 80% من سكان اليمن المتواجدين في المحافظات الشمالية في ساحة منعدمة الخيارات وغير متفقة على خط سياسي في ظل الهيمنة البادية للحوثيين الموالين لإيران.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي