برهن الرئيس ترمب من خلال لجوئه إلى الإقالات المتكررة على أنه شخصية غير مستقرة، ولكن أيضاً على أنه رئيس يتحدى المؤسسة السياسية في واشنطن.

صحيح أن إقالة وزير أو مستشار كبير، أو موظف خبير، ليس بالأمر غير العادي بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. فقد تكررت الإقالات أو الاستقالات، فيما يقارب العشرين حالة على مدى ثلاث سنوات. ولكن إقالة جون بولتون تحمل مغزى مهماً من حيث التوقيت، وايضاً من حيث شخصية بولتون، وما يمثله خارج الإدارة الأمريكية، أو وجوده داخلها.

فبولتون يمثل خطاً سياسياً ثابتاً منذ انتقاله من عهد الشباب اليساري إلى عهد الكهولة والتحوّل إلى صهيوني في أقصى التطرف. كما هو الحال في تجربة عدد من المحافظين الجدد كبول وولفوفيتز. ولهذا شكلت إقالة بولتون صدمة لنتنياهو ونكسة انتخابية إلى حد ما. وقد اضطر ترمب إلى التعويض عن إقالة بولتون، بعرض عقد اتفاقية دفاعية بين أمريكا والكيان الصهيوني "إسرائيل"، علّه يساعد على إعادة انتخاب كتلة نتنياهو لقيادة الحكومة الصهيونية مرة أخرى.

كان جون بولتون في كل مواقفه ترجمة (مُزايدة) لسياسات نتنياهو على المستويين الفلسطيني والعربي الإسلامي. وكان من أشد الدافعين إلى حصار إيران حتى المستوى الأقصى. وما كان ليُخفي رغبته في اللجوء إلى الحرب، كما كان موقفه من كل الحروب التي شنتها الإدارة الأمريكية في مصلحة الكيان الصهيوني.

لهذا عندما قرر ترمب تسليمه موقع رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي، كان يعرف بالضبط مَنْ بولتون وماذا يريد بولتون، وتركه بالفعل يجول ويصول، بلا ضابط تقريباً، طوال فترة إشغاله لذلك الموقع. وقد غطّاه حين كان يتعدى حدوده في التعامل مع البنتاغون أو وزارة الخارجية.

فترمب كان يريد التقارب أكثر فأكثر إلى اللوبي الصهيوني، ولا سيما ضد اللوبي الصهيوني الملتزم في الحزب الديمقراطي الأمريكي، فبولتون يصلح لهذه الوظيفة. وكان ترمب يريد أن يستخدمه كعصا، أو فزاعة، في التلويح بالحرب، وبولتون كان يصلح لهذه المهمة أيضاً.

ولكن ترمب أثبت في علاقاته بكل من تعاون معهم واستخدمهم أنه باستطاعته التخلص منهم متى شاء، وبسهولة ويسر، وبلا ضغوط معاكسة، أو نتائج سلبية. ولعل إقالة بولتون هي الأقوى حجة في دعم هذا الرأي، لما يمثله بولتون لدى الأوساط الصهيونية الأشد غلواً وتطرفاً. علماً أن مقياس الغلو والتطرف سمة الحركة الصهيونية بكل ممثليها. ومن هنا يأتي استخدام كلمة الأشد دون أن يعني أن الآخرين يمكن أن يُصنفوا بـ"الاعتدال"، ناهيك عن استخدام "يسار" و"يمين". وهو المنهج المضلل عند تصنيف الجماعات الصهيونية سواء كان داخل الكيان الصهيوني أم كان عالمياً.

طبعاً من غير المتوقع أن تأتي ردود الأفعال المناصرة لبولتون نقدية أو عدائية لترمب؛ فالرجل لا "يحتمل المزاح"، ولا تُعرف ردود أفعاله. لذا فكظم الغيظ معه، واستمرار تأييده هما "أفضل" ردود الفعل من قِبَل من عادَتهم أن يردوا الصاع صاعين.

شوهد مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان أثناء رحلة على متن مروحية عسكرية إسرائيلية فوق وادي الأردن بالضفة الغربية في 23 يونيو 2019. 
شوهد مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان أثناء رحلة على متن مروحية عسكرية إسرائيلية فوق وادي الأردن بالضفة الغربية في 23 يونيو 2019.  (Reuters)

على أن السؤال الأهم في البحث عن مغزى إقالة بولتون هو: أين موقع المؤسسة الأمريكية، أو في الأصح أين "دولة المؤسسات" في واشنطن؟ لعل من السهل أن يُقرأ ترمب في علاقاته بمعاونيه ومساعديه، وأن توضع الأصبع على الجرح في شخصيته حين ينقلب من داعِم لبولتون، مثلاً، إلى إعلان إقالته مستبقاً إتيان الاستقالة من جانب بولتون ليحافظ على ماء الوجه، ظاهرياً. ولكن هذه القراءة السهلة والممكنة تصطدم بالسؤال: أين المؤسسة؟ وهو سؤال يجب أن يبدأ منذ اختيار بولتون، ثم يصبح أكثر إلحاحاً وبولتون يسرح ويمرح بما يحمل من أفكار شخصية ونزعات، ثم أين المؤسسة في عملية إقالته؟

إن الجواب ببساطة، وعلى الرغم من رسوخ الاعتقاد بأن المؤسسة الأمريكية (الدولة العميقة) هي التي ترسم الاستراتيجية والسياسات، أو على الأقل، هي التي تنزل ما هو استراتيجي إلى التكتيك والتطبيق العملي، يتلخص بأن هنالك دونالد ترمب الرئيس المتناقض مع المؤسسة التي راحت تفقد دورها في عهده. الأمر الذي يؤكد أن لا دور للمؤسسة في اختيار بولتون، ولا دور لها فيما كان يطرحه من سياسات، ولا دور لها في إقالته، أو فيمن سيخلفه، في قيادة "مجلس الأمن القومي" الذي يفترض به التعبير عن المؤسسة بمعناها الاستراتيجي والتطبيقي.

إذا صح ما تقدم فستكون أمريكا في عهد ترمب قد دخلت مرحلة جديدة انقلابية على دور المؤسسة. وذلك لتغيير ما كانت عليه من قبل، وسيصبح هذا التطور شديد الوضوح إذا استطاع ترمب أن يفرض نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة. ومن ثم يعيد بناء "المؤسسة" من خلال مراكز قوى غير تلك التي أخذت تتغلغل في المؤسسة الأمريكية على مدار عقود خصوصاً مع التوسع في التوجهات الليبرالية. إن ترمب يريد العودة إلى "أيام زمان" أي إلى ما قبل النيوليبرالية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي