يحاول الاحتلال الإسرائيلي من خلال اتباع سياسة الخطوة-خطوة أن يفرض أمر واقع في المسجد الأقصى لإيجاد موطئ قدم تمهيداً لتقسيمه سواء زمانياً أو مكانياً غير أن هبات المقدسيين مازلت تحول دون ذلك في ظل نكوص الدور العربي عن القدس والدفاع عنها.

منذ اليوم الأول لاحتلال الإسرائيليين للمسجد الأقصى المبارك في 5 يونيو/حزيران 1967، بدأت مشاريع التهويد للمسجد، سواءً كانت عبر هدم عدد من الأحياء الفلسطينية المحاذية للمسجد الأقصى مثل حيّ الشرف وحارة المغاربة، أو باحتجاز مفتاح باب المغاربة وسيطرتهم عليه والتحكم فيه، أو عبر مشاريع الحفر والأنفاق التي كان أول من بدأها وزير الحرب يومها "موشي ديان". وخلال خمسين سنة من الاحتلال كانت عين إسرائيل على المسجد الأقصى لتحقيق نبوءاتهم المجنونة بهدمه وبناء هيكلهم المزعوم على أنقاضه، ولأنهم عدّوا أنفسهم قد ضيعوا فرصة ذهبية، بل ارتكبوا خطأً إستراتيجياً كما قال أحدهم بعدم هدم المسجد الأقصى خلال أحداث 67، كي يقال عندها بأنه هدم في ظروف حرب وقتال، ولأنهم أضاعوا هذه الفرصة، فإنهم قد عمدوا إلى خلق ظروف تمكّنهم من وضع اليد على المسجد الأقصى.

سعوا إلى ذلك عبر مفاوضات "واي بلانتيشن/واي ريفر 1998" مع سلطة أوسلو وطلبوا أن يكون ما تحت الأرض لهم، وما فوق الأرض على امتداد الحرم الشريف للمسلمين، لكن هذا العرض فشل، ليس ببطولة المفاوض الفلسطيني وعناده، وإنما لأن هناك عملاً جباراً تم تنفيذه في العامين 1996و 1997وهو ظهور الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح، وبالتنسيق والشراكة مع دائرة الأوقاف في القدس تم ترميم المصلى المرواني وافتتاحه كمصلى يتسع لخمسة آلاف مصلٍّ، وهو جزء مما تحت أرضية المسجد الأقصى كان الاحتلال ينظر إليه كنقطة بدء لأول كنيسٍ لليهود.

وخلال تلك المرحلة رفعت الحركة الإسلامية في الداخل شعار "الأقصى في خطر"، محذرة من أطماع الاحتلال في المسجد الأقصى المبارك، وإذا بالاحتلال يصدّق ما قلناه، عبر اقتحام "إرئيل شارون" للمسجد الأقصى بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول 2000، تلته هبّة شعبية تحولت إلى ما نعرفه اليوم بالانتفاضة الثانية، والتي كان من أبرز نتائجها منع دخول اليهود إلى ساحات المسجد الأقصى بتاتًا مدة خمس سنوات، أي حتى العام 2005، حينما أعاد وزير الأمن الداخلي يومها "تساحي هنغبي" السماح لليهود بالدخول واقتحام ساحات المسجد الأقصى المبارك.

بعد الخطوة الاستباقية للحركة الإسلامية ودائرة الأوقاف ولجنة إعمار المسجد الأقصى بترميم المصلى المرواني وافتتاحه للصلاة، اتجهت أعين الاحتلال الخبيئة إلى مصلى باب الرحمة الواقع في الجهة الشرقية من الحرم الشريف، فقامت بإصدار أمر إغلاق له في العام 2003، بدعوى القيام بنشاطات معادية تقوم عليها الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، وفق بيان رسمي للشرطة الإسرائيلية.

وخلال كل مشاريع المؤسسة الإسرائيلية التهويدية، فإنها كانت تمارس سياسة الـ"خطوة خطوة" حيث تقوم بخطوة من طرفها وتنتظر رد الفعل من الطرف المقابل- الفلسطيني والعربي والإسلامي، فإذا كانت ردة الفعل باهتة وفاترة، ولا تتعدى كونها بيان شجب واستنكار، فإنها تقوم بالخطوة القادمة الموجودة في الدولاب.

بعد الخطوة الاستباقية للحركة الإسلامية ودائرة الأوقاف ولجنة إعمار المسجد الأقصى بترميم المصلى المرواني وافتتاحه للصلاة اتجهت أعين الاحتلال الخبيئة إلى مصلى باب الرحمة الواقع في الجهة الشرقية من الحرم الشريف.

كمال الخطيب

منذ ثلاثة أعوام، وتحديداً بعد قرار إخراج الحركة الإسلامية عن القانون يوم 17 نوفمبر/تشرين ثاني 2015، بدأت المؤسسة الإسرائيلية بنشاطات محمومة حول -وفي- محيط باب الرحمة، تمثَّل ذلك في إقامة نقطة أمنية ثابتة على سطحه، ومنع أي فلسطيني من الاقتراب، أو حتى العبور من جانبه، ثم أصبح الوصول إلى باب الرحمة جزءاً من المسار اليومي للمقتحمين اليهود للمسجد، حتى إن وزير الأمن الداخلي "جلعاد أردان"، وخلال دعايته الانتخابية للانتخابات القريبة القادمة، راح يعدد أهم ثلاثة إنجازات حققها كوزير للأمن الداخلي، الأول هو إخراج الحركة الإسلامية عن القانون، والثاني إخراج المرابطين والمرابطات خارج القانون، والثالث مضاعفة أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى ثلاثة أضعاف.

لقد استغل الاحتلال ما جرى في المسجد الأقصى المبارك يوم 14يوليو/تموز 2017، إذ قام ثلاثة شبان فلسطينيين بقتل شرطيين إسرائيلين في ساحات المسجد الأقصى، وسرعان ما قامت شرطة الاحتلال بإغلاق المسجد ليومين متتاليين ومنعت صلاة الجمعة فيه لأول مرة، ثم قامت بإخراج إحدى خطط الدولاب الأخرى، المتمثلة في نصب بوابات إلكترونية على كل بوابات المسجد الأقصى لتتحكم بشكل مطلق في كل ما يدخل إلى المسجد.

لكن الهبّة الشعبية والرباط المبارك منذ 16يوليو/تموز 2017 وحتى27 يوليو/تموز 2017 عند باب الأسباط، قد أفشلا الخطة، ما اضطر المؤسسة الإسرائيلية إلى إزالة البوابات الإلكترونية، وكان هذا التراجع بمثابة انتكاسة خطيرة في مشروع الاحتلال، وفوزاً وانتصاراً حاسماً لشعبنا الفلسطيني المرابط، حيث لم يُنسَ يوم الخميس27 أغسطس/آب 2017، يوم دخلت جموع المرابطين بالآلاف بالتكبير والتهليل إلى ساحات المسجد الأقصى بعد فتح الأبواب، وقد كان هذا المشهد يمثل غصة في حلق الاحتلال الإسرائيلي.

ثم جاء يوم 22 فبراير/شباط 2019 وإصرار شعبنا الفلسطيني على فتح أبواب مصلى باب الرحمة والصلاة فيه، بتكبير يملأ ساحات الأقصى، بل كل القدس الشرقية، لقد كان كسر الأقفال يمثل كسراً لإرادة الاحتلال وغطرسته وتمريغاً لهيبته في التراب.

إن نتنياهو واقع الآن بين المطرقة والسندان. مطرقة الأحزاب اليمينية. وأما السندان فهو صلابة أبناء شعبنا وعزمهم على استمرار فتح مصلى باب المغاربة.

كمال الخطيب

إن نتنياهو واقع الآن بين المطرقة والسندان، مطرقة الأحزاب اليمينية الداعمة له، والتي تطالبه بإعادة إغلاق باب الرحمة، وهي تلوّح بورقة الانتخابات القريبة يوم 9 إبريل/نيسان 2019 وأما السندان فهو صلابة أبناء شعبنا وعزمهم على استمرار فتح مصلى باب المغاربة، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، خاصة بعد الموقف الداعم من دائرة الأوقاف وقرارها تعيين إمام لمصلى باب الرحمة.

لا يريد نتنياهو أن يبدو ضعيفاً ولا مهزوماً، لا هو ولا الأحزاب اليمينية الداعمة له، لتجتمع عليه هزيمة نصب البوابات الإلكترونية وتراجعها، ورباط باب الأسباط، وهزيمة إغلاق باب الرحمة وتراجعه والرباط المبارك في ساحاته وحوله.

لكن في المقابل، فإنه يعلم علم اليقين أن ثمن حماقته وإذعانه لضغط الأحزاب اليمينية سيكون هبّة مقدسية عنيفة، بل لعلها تصل إلى انتفاضة جديدة، ستداهم نتنياهو في أوج حملته الانتخابة، وهذا يعني الدخول في وضع أمني معقد وشعور الإسرائيليين بالخوف والقلق، وبالتالي سيظهر نتنياهو ضعيفاً ومهزوزاً، وهذا آخر ما يتمناه نتنياهو ويحلم به.

على الرغم من البيانات النارية التي يطلقها نتنياهو فإنها في نظري غير جدية لأن العواقب والنتائج حاضرة في ذهنه ولا أظن مستشاريه يجهلونها.

كمال الخطيب

لذلك وعلى الرغم من البيانات النارية التي يطلقها نتنياهو ووزراؤه، وعلى الرغم من إشاعة أنه قد خوّل للشرطة صلاحية إعادة إغلاق باب الرحمة، فإنها في نظري غير جدية، لأن العواقب والنتائج حاضرة في ذهنه، ولا أظن مستشاريه يجهلونها.

لقد عمد نتنياهو إلى بعض إجراءات عقابية حازمة هنا وهناك، كاعتقال فضيلة الشيخ عبد العظيم سلهب، مدير دائرة الأوقاف، ثم إطلاق سراحه سريعاً، وإبعاد عدد من الحراس والشبان وغير ذلك من الإجراءات إلى حين مجيء يوم الانتخابات، فإن كان الفائز نتنياهو فلا شك في أنه سيُقْدم بعدها على مغامرة حاسمة ولن يسمح لنفسه بتسجيل خسارتين متتاليتين في المسجد الأقصى، وإن فشل وفاز منافسه غانتس، فهذا يعني أنه قام بوضع هذا الحمل الشاق على كتفيه.

نعم إن باب الرحمة لم يرحم نتنياهو، وقد جعله بين المطرقة والسندان، أو كـ"بالع الموس" كما يقال. وإن فاز نتنياهو أو غانتس أو غيرهما، فإن المسجد الأقصى المبارك على صلابة صخرته ستتحطم قرون المشروع الصهيوني المتغطرس، كما سجّل التاريخ أن احتلالات كثيرة مرت على القدس والمسجد الأقصى، وأن الاحتلال الإسرائيلي لن يكون بدعاً ولا طرازاً فريداً من الاحتلالات، وسيرحل كما رحلوا. وليظل المسجد الأقصى المبارك مسجداً خالصاً للمسلمين وحدهم، وليس لليهود حق في ذرة تراب منه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي