ليو ميسي أثناء حفل تتويج الأرجنتين بكأس العالم مرتدياً "البشت" العربي / صورة: AFP (AFP)
تابعنا

كانت تغطية مونديال قطر لكأس العالم الرائع، وتحديداً من وسائل الإعلام الغربية، سلبية إلى حد كبير حتى قبل اندلاع البطولة. تصدر عديد من القضايا التي تركزت على مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان عناوين الصحف لأسابيع على الرغم من الدحض والانتقادات المضادة.

بينما كان على وسائل التواصل الاجتماعي دعم شعبي واسع لاستضافة دولة عربية لهذا الحدث العالمي، أثبتت الصحافة الغربية، حتى اللحظة الأخيرة، أنها مليئة بالتحيُّز والتعصب الأعمى. كان من المفارقات أن أولئك الذين يعملون بمثابة أبواق لما يُسمَّى بأجندات حقوق الإنسان روّجوا مثل هذه الأكاذيب الصارخة.

إنه لأمر محير حقّاً سبب نشر عديد من وسائل الإعلام مقالاً عن تلقّي قائد الأرجنتين ليونيل ميسي "بشتاً" تقليدياً من أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني قبل لحظات من تسلُّمه كأس العالم، لا سيما بالنظر إلى أنه ارتدى ذلك لفترة وجيزة.

جاء في عنوان طويل ومتعرج نشرته صحيفة ديلي ميل: "اللحظة الأنانية.. مضيفو كأس العالم في قطر يجبرون ليونيل ميسي على تغطية قميصه الشهير رقم 10 برداء عربي لرفع الكأس.. إنها لحظة للاعبين لا المضيف". ووصفته صحيفة التلغراف بأنه عمل غريب "دمّر أعظم لحظة في تاريخ كأس العالم" قبل تغيير عنوانها.

لم تكن لفتة الدولة المضيفة للفريق بأكمله، مما سلّط الضوء على أنها كانت هدية تهدف إلى تكريم ميسي بأعلى طريقة ممكنة من خلال أعلى سلطة في الدولة. على الرغم من ذلك لم يستطع لاعب كرة القدم السابق الذي تحول إلى مهنة التعليق الرياضي غاري لينيكر مقاومة القول على بي بي سي: "هذه لحظة سحرية، إنه لأمر مُخزٍ طريقة التغطية على ميسي وهو يرتدي قميص الأرجنتين".

إنها بالتأكيد ليست المرة الأولى التي يرتدي فيها فريق فائز بعضاً من الزي المحلي في الاحتفال خلال حدث عالمي، ومع ذلك فهذه هي المرة الأولى التي يثور فيها كثير من الآراء العميقة.

وقضية هذا النفاق لا تكمن في النقد نفسه، وهو بالطبع أداة ضرورية لتشجيع التقدم في مواضيع معينة. ومع ذلك فإن المشكلة هي أن هذه الانتقادات تقع على مقياس من المركزية الأوروبية/التسلسل الهرمي للقيم الغربية، وهي قيم لا يمكنهم تعميمها. علاوة على ذلك، تم توجيه بعض الانتقادات دون مراعاة الحقائق، وكان بعض القصص عنصريّاً بشكل صارخ. وغطت موجة الانتقادات موضوعات مثل حقوق العمال المهاجرين وتمثيلهم وحظر الكحول في الملاعب. أظهرت هذه فقط معايير انتقائية لما يُسمَّى القلق الثقافي والتحيزات الأخرى.

قبل بداية هذه النسخة من كأس العالم بوقت طويل، بدأت وسائل الإعلام الغربية نشر مقالات تنتقد انتهاكات قطر المزعومة لحقوق الإنسان، في ما يتعلق بالعمال المهاجرين. فمن التحريف الخاطئ للتقارير التي أشارت إلى عدد العمال الذين فقدوا أرواحهم، فضلاً عن الافتقار، إلى التأمل الذاتي لدى النقاد، أصبحت هذه التغطية مجرد مسلسل مملّ يصعب تحمله.

يسلّط بحث من موقع "مسبار" الضوء على أن صحيفة The Guardian، إلى جانب وسائل إعلام أخرى، كانت مضلّلة في ما يتعلق بعدد القتلى، مع عدم ذكر أن الرقم يمثّل فترة عشر سنوات ولا يعكس فقط مشاريع كأس العالم. لكن وابل المقالات لم يتوقف، على الرغم من الكشف عن أن عدداً كبيراً من المقاولين الذين يعملون في الملاعب كانوا في الواقع شركات أوروبية.

بدايةً، تقارن وسائل الإعلام الفرنسية بين القطريين والإرهابيين، إذ يتشابهون في انتهاكات حقوق الإنسان (على الرغم من محاكمة شركة فرنسية في محكمة باريسية لتواطئهم في بناء ملعب الفيفا)، وعلى نفس المنوال، فإن تقريراً تليفزيونياً فرنسياً يظهر فيه السياسي اليميني المتطرف إريك زمور يناقش غلبة الأفارقة السود على المنتخب الوطني وكيف كان يمثل مشكلة له قائلاً: "إذا كان 9 لاعبين بيض في الفريق السنغالي، فإن السنغاليين سيتساءلون بالتأكيد".

بعد ذلك كانت قضية حظر المشروبات الكحولية في الملاعب. سريعاً وفي إدانة لقطر حول قرارها "الديني"، ظهر إخفاق في الإشارة إلى أن حظر المشروبات الكحولية في الملاعب ممارسة معتادة، بما في ذلك كأس العالم السابقة التي أقيمَت في روسيا.

في السياق ذاته كان على الفيفا في الواقع تقديم التماس لتغيير القانون البرازيلي للسماح بالكحول في ملاعبهم. من ناحية أخرى، لم تحظر قطر بيع الكحول في مناطق المشجعين ومناطق أخرى خارج الملاعب. على هذا النحو فإن المثير للقلق أن هذا أثار كثيراً من التغطية في حين لم يحظَ الحظر الفرنسي للحجاب خلال جميع الأحداث الرياضية، والذي قد يؤثّر على المشاركين في الألعاب الأولمبية المقبلة التي ستقام في فرنسا في عام 2024، بأي جدل.

وبينما كان المنتخب المغربي يملأ قلوب العرب والأفارقة بالفخر بأدائهم المتميز، فإن الإعلام الغربي نزع إنسانيتهم تماماً.

واتهمت وسائل إعلام ألمانية اللاعبين بأنهم من أنصار داعش بسبب استخدام إيماءة اليد التي يشيع استخدامها للدلالة على وحدانية الله.

يسلّط أحد التقارير الضوء على أن "فيلت، إحدى القنوات التليفزيونية الأكثر شعبية في ألمانيا، قالت إن صورة اللاعبين المغاربة وهم يمسكون بإصبعهم السبابة في الهواء قد تسببت في "الانزعاج" لأنها "التحية" التي "استخدمها تنظيم داعش في أثناء غزواته".

كما أشاروا، بجهل كبير، إلى الدعم الساحق لفلسطين من خلال الفريق المغربي وعديد من المشجعين الذين رفعوا العلم كبادرة معادية للسامية. هذا الخطاب لا يكرّس فقط الأسطورة المرهقة التي تقول إن دعم دولة فلسطينية حرة يساوي معاداة السامية، بل هو تكريس للإنسانية الانتقائية والتفوق الأخلاقي.

أثار صحفي ألماني آخر هو جوليان روبكي من صحيفة بيلد، رد فعل عنيفاً من خلال القول إن المشجعين المغاربة لم يواجهوا أي مشكلة في حمل الأعلام الفلسطينية ورفع شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

النقطة الأخيرة التي تثير قلقي هي أن الإعلام الدنماركي يرسم تشابهاً غريباً بين اللاعبين المغاربة الذين يحتفلون بفوزهم مع أمهاتهم، والقرود المتجمعة من أجل الدفء، مما أثار صدمة وأغضب كثيراً من الجمهور. وقال كريستيان هوغ أندرسن، مقدم برنامج TV 2 NEWS: "استمراراً للحديث عن المغرب (اللاعبين) وعائلاتهم في قطر، لدينا أيضاً تجمُّع عائلي من الحيوانات للشعور بالدفء". منذ ذلك الحين أصدر المضيف والمحطة التليفزيونية اعتذارات غير مشروطة.

لسوء الحظ، بدلاً من تقديم النقد البنَّاء أو تقديم الحلول/الدعم، شعرت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والجمهور الغربي بنوع من الراحة مع الإهانات العمياء والمقارنات المختزَلة لتوضيح وجهة نظرهم.

لقد سلّط كأس العالم هذا الضوء حقّاً على حقيقة أن التوتر الثقافي آخذ في الازدياد، وبينما تقاتل القارة الأوروبية المهاجرين واللاجئين الذين يجلبون ثقافتهم إلى مجتمع الاتحاد الأوروبي ، يبدو أنهم يريدون أيضاً إملاء كيفية تصرف الناس خارج أراضيهم السيادية.



جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي