U.S. President Joe Biden visits McHenry County College, in Crystal Lake (Evelyn Hockstein/Reuters)

وقد كان من اللافت أن الهاكرز قد نجحوا في إغلاق أنظمة هذه الشركات الحاسوبية حتى قامت مجبرة بدفع فدية، وهو الأمر الذي اعتبره الكثير من الباحثين في المجال السايبراني من أكبر الهجمات في تاريخ الجرائم الإلكترونية.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فبعد أيام قليلة أعلنت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري عن أن إحدى مزوّدات خدمة الإنترنت لديها وتُدعى Synnex قد تعرضت للاختراق. ولم تعلن اللجنة عن حجم الاختراق والمدى الذي وصل إليه حتى الآن، ولكنها أكدت أن الاختراق لم يصل إلى قاعدة بياناتها.

الدلائل الأولية تشير إلى انخراط وحدة S.V.R المكلَّفة القرصنة الإلكترونية والتابعة للمخابرات الروسية بهذا الهجوم، وحسب محققين أمريكان فإن هذه المجموعة هي نفسها التي اتُّهمت سابقاً باختراق اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي قُبيل انتخاب الرئيس السابق دونالد ترمب وأثّر تسريبها لاحقاً أي بعد قرصنة البريد الإلكتروني للمرشحة السابقة للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون، في نتائج الانتخابات الأمريكية حينها، وهي نفسها المجموعة التي كانت أيضاً مسؤولة عن الاختراق الكبير المعروف بهجوم SolarWinds والذي أدّى إلى إصابة أكثر من ست وكالات حكومية والعديد من كبرى الشركات الأمريكية.

السؤال الكبير الذي بات يتداوله الخبراء والمتخصصون وحتى المسؤولون يدور حول ما إذا كان الرئيس بايدن سوف يتخذ إجراءات عقابية ضد روسيا جرَّاء هذه الهجمات السيبرانية الجديدة، وما إذا كانت هذه الهجمات قد لامست فعلاً واحداً من الخطوط الحمراء التي رسمها بايدن لنظيره الروسي في لقاء القمة الذي جمع بينهما قبل ثلاثة أسابيع في جنيف؟

التصريحات الأولية للرئيس جو بايدن بُعَيد الهجمات لا تُوحِي بأن الرجل في عجلة من أمره لإصدار قرار بالردّ العقابي، فقد قال بايدن للصحافيين يوم الثلاثاء إن "الهجمات على ما يبدو قد تسببت بأضرار طفيفة للشركات الأمريكية"، في الوقت الذي أكّد فيه أن وكالاته المتخصصة ما زالت قيد البحث عن مزيد من المعلومات، منوهاً في الوقت ذاته بأنه يشعر بالرضا حيال قدرات بلاده للردّ في حال جرى تأكيد الجهات التي تقف وراء الهجوم.

يبدو أن البيت الأبيض يحاول تغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى توافق مع الروس قُبيل التوجه إلى اتخاذ أي إجراءات عقابية، فالسكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض جين بساكي قالت للصحافيين في وقت لاحق من يوم الثلاثاء أيضاً إن المسؤولين الأمريكيين ونظراءهم الروس قد ناقشوا الهجوم السيبراني على مستوى عالٍ، في حين أنهم يخططون لعقد اجتماعات لاحقة الأسبوع المقبل للخروج بحل للأزمة. ونوهت بأنه في حال لم تتمكن الحكومة الروسية من اتخاذ إجراءات ضد الهجمات الإجرامية التي يقوم بها مقيمون في روسيا، أو أنها لن تفعل ذلك، فسوف تتخذ الولايات المتحدة إجراءات أحادية الجانب.

ما زال الرئيس بايدن يدرس خياراته، فقد عقد اجتماعاً مع جميع الوكالات ذات الصلة في البيت الأبيض صباح يوم الأربعاء الماضي. ولم يعلن البيت الأبيض نتائج الاجتماع ولا الوكالات التي التحقت بالاجتماع على وجه التحديد، وهو ما يؤكد الفرضية السابقة بأن الرئيس غير متعجل في اتخاذ خطوات تصعيدية ضد موسكو.

ما يؤيد هذه الفرضية أيضاً هو أن الهجوم الأخير لم يقترب من بعض الخطوط الحمراء الواضحة التي رسمها بايدن لنظيره الروسي والمتعلقة أساساً بأهداف البنية التحتية المدنية الحيوية من شبكات كهرباء وماء وغاز وشبكات الصرف الصحي والمستشفيات والطاقة وغيرها. فعلى عكس الهجومين اللذين وقعا في مايو/أيار، أي قبل لقاء القمة بعدة أسابيع، وأصابا أكبر شركة لمعالجة اللحوم في العالم JBS، وأكبر خط توريد للغاز في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي عرّض ملايين المواطنين الأمريكيين للخطر، وأثر بشكل واضح في خطط التعافي الاقتصادي التي يعمل عليها بايدن، فإن الهجوم الأخير قد أثر بالأساس في شركات غالبيتها غير أمريكية (مثل سلسلة محلات COOP السويدية التي أغلقت أكثر من 500 فرع لها حول العالم)، كما لم يؤثر في واحد من القطاعات الحيوية المدنية أيضاً.

ربما تحاول روسيا إرسال بالون اختبار إلى إدارة الرئيس جو بايدن، واختبار مدى جديتها في اتخاذ إجراءات بناءً على تهديداتها السابقة. فاجتماع القمة الذي جمع الرئيسين بايدن وبوتين قد تمحور الحديث فيه حول الهجمات الإلكترونية، ومحاولة روسيا التأثير في الانتخابات الأمريكية عبر سلسلة من عمليات القرصنة الإلكترونية والاحتيال والتلاعب وبثّ الأخبار الكاذبة. كان لقاء القمة دليلاً واضحاً على الأهمية التي باتت تُولِيها إدارة الرئيس بايدن لموضوع الهجمات الإلكترونية، وذلك ضمن مسار يقطع بشكل واضح مع مسار سلفه الرئيس دونالد ترمب الذي أهمل تماماً هذا الجانب، الأمر الذي أدَّى إلى تنامي ظاهرة الهجمات الإلكترونية بشكل غير مسبوق. وفي الوقت الذي باتت فيه موسكو تعتمد فيه على الهجمات السيبرانية كواحدة من أبرز أدواتها في السياسة الخارجية، فإن اختبار جدية الولايات المتحدة، وهي القوة العظمى في هذا المجال، يأتي كخيار لا يمكن تجنبه.

إشكالية العالم السيبراني أن عملياته تحدث بشكل كامل في الخفاء، وما يجري الإعلان عنه هو جزء يسير جداً لإرضاء عطش وكالات الأخبار والمواقع الصحافية والباحثين، ولكن جوهر هذه العمليات يبقى طيّ الكتمان في الدوائر المغلقة للوكالات الأمنية، ولذلك وفي ضوء المعلومات الشحيحة المتوافرة عن مثل هذه الهجمات لا يمكن المراهنة على مدى وكيفية الرد الذي قد تلجأ إليه الولايات المتحدة، ولا طبيعة الرد ومداه الذي قد تلجأ إليه روسيا لاحقاً كردّ فعل. ولكن المؤكد حالياً هو ضرورة أن يتوصل اللاعبون الدوليون إلى تفاهمات جدية وملزمة حول ضرورة إبعاد هذه الهجمات عن دوائر الأهداف المدنية الحيوية، وذلك لانعكاساتها الهائلة على مليارات البشر، بل على الكوكب بأسره الذي بات مترابطاً بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، وهو ما يعني أن أي حادث في أقصى الكوكب قد يؤثّر بشكل دراماتيكي في أقصاه في الطرف المقابل.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً