أعاد اغتيال الناشط السياسي لُقمان سليم عقارب الساعة في لبنان سنوات إلى الوراء، وتحديداً إلى المرحلة التي تلت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005.

هذه المرحلة التي شهدت تنفيذ العديد من الاغتيالات السياسية، كان الجامع المشترك بينها استهداف شخصيات معارضة للقوى التي تُطلق على نفسها اسم "محور المقاومة والممانعة". هذه القوى تشمل إيران والنظام السوري وحزب الله وحلفاءهم.

لُقمان سليم لم يكن شخصية ذائعة الصيت قبل اغتياله. كان يخرج على شاشات التلفزة ضيفاً في نشرات الأخبار للتعليق والتحليل بصفته مستقلاً وأكاديمياً ورئيساً لمركز ثقافي أسّسه بنفسه. لكن ما لازم شخصية سليم أن طروحاته وأفكاره ومواقفه التي عبّر عنها خلال السنوات الماضية كانت جميعها تصبّ في خانة معاداة المشروع الإيراني في المنطقة، وكل ما يرتبط بهذا المشروع من أدوات، سواء حزب الله في لبنان أو في الأقطار الأخرى.

شخصية شبيهة بسليم لاقت المصير نفسه قبل أشهر ولكن في العراق، الباحث والخبير الاستراتيجي هشام الهاشمي اغتيل بإطلاق الرصاص عليه قرب منزله في بغداد. الهاشمي مثل سليم كان يملك شبكة علاقات واسعة بخاصة مع الدول الغربية، وكان ناقداً للدور الإيراني في العراق والمنطقة. التشابه بين الرجليْن يمتد ليشمل طريقة اغتيالهما، وأيضاً الانفلات الأمني في مكان حصول الجريمة. عوامل الشبه هذه ربما تشير إلى أن من اغتال الهاشمي يدور في الفلك نفسه الذي اغتال سليم، وربما تكون مجرد صدفة؟

أسئلة كثيرة أحاطت باغتيال لُقمان سليم، ليس من المنتظر الحصول على إجابات عليها. فالتجارب التي خَبِرها اللبنانيون خلال السنوات الماضية في أحداث كثيرة مشابهة تؤكد أن التحقيق في اغتيال سليم سينضم إلى ما سبقه من تحقيقات، تنام في أدراج القضاة وتغرق في إجراءات قضائية بيروقراطية لا نهاية لها.

هذا الأداء أفقد معظم اللبنانيين الثقة بقضائهم وأداء أجهزتهم الأمنية، ودعم الاتهام بخضوع القضاء والأجهزة الأمنية لأهواء السلطة السياسية التي قد يكون أحد أطرافها ضالعاً بالجرائم التي يجري التحقيق فيها.

عشرات الأحداث الأمنية شهدها لبنان خلال السنوات الماضية أُهمل فيها التحقيق الجدي ولم يجرِ الإمساك بأي خيط يوصل إلى الجناة أو المسؤولين، كان آخرها انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة قرابة 200 شخص وآلاف الجرحى ودمّر مساحة واسعة من واجهة بيروت.

ستة أشهر مرت على التفجير، ولا يزال التحقيق يراوح مكانه في ظل اعتكاف قاضي التحقيق بعدما رفض عدد من الرؤساء والوزراء دعوته للاستماع إلى إفاداتهم، فأخذت هذه الاستدعاءات بُعداً كيدياً ذا وجه طائفي دفع القاضي إلى الاعتكاف بذريعة إجراءات جائحة كورونا، وتعطّل معه تحقيق تنتظر نتائجه آلاف العوائل اللبنانية.

يبقى السؤال: من الذي يقف وراء اغتيال سليم؟ ومن له مصلحة بالتخلص منه؟

دقائق قليلة بعد شيوع خبر اغتيال سليم حتى انطلقت مضبطة اتهام حزب الله بارتكاب الجريمة. فسليم كان عنصر إزعاج للحزب، بخاصة أنه ينطلق من البيئة الطائفية (الشيعية) نفسها، وخلال السنوات الماضية شنّ أنصار الحزب حملات كثيرة على سليم وخوّنوه واتهموه بالعمالة وأهدروا دمه.

وهذا الأداء لا يزال متواصلاً على وسائل التواصل الاجتماعي حتى اليوم. ولعلّ الشماتة والغبطة التي عبّر عنها مناصرو حزب الله بعد جريمة الاغتيال كانت كافية للدلالة على حجم الانزعاج الذي كان يسبّبه سليم والكراهية التي يكنّونها له.

الأمر الآخر الذي يدعم اتهام حزب الله بالوقوف وراء اغتيال سليم هو الحرفية العالية والإتقان الذي نُفذت به الجريمة. فليس من السهل على أي أحد تنفيذ عملية كهذه في مكان مكشوف من دون ترك أي أثر له. والحرفية في الأعمال الأمنية ماركة مسجلة لحزب الله. علاوة على كل ما سبق، فإن سليم اغتيل في منطقة جنوبية يعرفها حزب الله جيداً، وتشكل ساحة تحرك له في مواجهة إسرائيل.

لكن هل هذه القرائن كافية لتوجيه الاتهام إلى حزب الله بالمسؤولية عن اغتيال لُقمان سليم؟ فالساحة اللبنانية تعيش انفلاتاً أمنياً كبيراً، في ظل انقسام سياسي يتمدد ويزداد عمقاً، وعجز عن تشكيل حكومة جديدة، إضافة إلى أزمة اقتصادية ونقدية يعانيها اللبنانيون.

كل ذلك جعل من النسيج الاجتماعي اللبناني ضعيفاً ومتهتّكاً، وجعل لبنان أرضاً خصبة للاختراق الأمني، سواء من جانب إسرائيل التي لها مصلحة بتوجيه الاتهام إلى حزب الله لمحاصرته والتضييق عليه وزيادة الضغوط من حوله، أو من جانب أي جهة محلية أو استخبارية أخرى.

ما يخشاه كثيرون أن لا يكون اغتيال لُقمان سليم يتيماً، وأن تتبعه اغتيالات تستهدف شخصيات أخرى، الغاية منها استغلال الفراغ السياسي والأمني، واللحظة الإقليمية السانحة للتخلّص من شخصيات مؤرِّقة مزعجة قد لا يكون مُتاحاً التخلص منها في ظروف أخرى. أو أن تكون هذه الاغتيالات مدخلاً لإعادة خلط الأوراق ومحاولة إحداث تغيير بموازين القوى في المنطقة، انطلاقاً من تفجير الوضع اللبناني في ظل انهيار أمني واقتصادي واجتماعي وصراع سياسي وفراغ دستوري يتمثل بغياب الحكومة، الأمر الذي سيجعل من لبنان خاصرة رخوة، وحلبة يمكن استخدامها مكاناً للكباش بين القوى الخارجية المتناحرة، كما كان الحال خلال سنوات الحرب الأهلية.

ما زاد من خطورة التحديات المحدقة بلبنان وضعف جبهته الداخلية الانقسام السياسي العمودي المستمر منذ أكثر من ستة عشر شهراً، منذ استقالة حكومة سعد الحريري في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2019 تحت وطأة تظاهرات شعبية عمّت المناطق اللبنانية، ليزيد انفجار مرفأ بيروت من حدة الأزمة، ومن بعده تفشٍّ كبير لفيروس كورونا وعجز عن مواجهته.

كل هذه العوامل التي كان يفترض أن تدفع القوى المتخاصمة إلى المسارعة لتشكيل حكومة جديدة أياً كان شكلها والسعي لإيجاد حلول للمشكلات الكثيرة التي تضغط على اللبنانيين، تقابله هذه القوى بإهمال ولا مبالاة وعناد وإصرار على التمسك بما تطالب به رافضة التنازل عنه ولو أدى ذلك إلى خراب البلد على رؤوس الجميع.

في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم وانكشافه أمنياً والتخلّي الدولي عن لبنان، لن يكون مستغرباً أن تحمل الأيام المقبلة أحداثاً أمنية قد يكون اغتيال لقمان سليم حلقة من حلقاتها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً