تعتبر دول أوروبا الغربية دولاً شديدة الانفتاح من الناحية الأخلاقية، فكل أنواع العلاقات الجنسية مباحة ما دامت تتم بتوافق الطرفين ودون إكراه.

وهي بذلك لا تتفوق فقط على دول الجنوب التي تختلف معها ثقافياً بشكل جذري، ولكن حتى على دول المشرق الأوروبي التي يبدو كثير منها أقل قدرة على التعايش مع ذلك الانفتاح الأقرب إلى الإباحية المطلقة.

لكن أوروبا، وبرغم ما تظهره من انفتاح وإباحية، كانت وضعت لنفسها بعض القواعد والخطوط الحمراء التي لا تسمح بتجاوزها. إحدى هذه القواعد هي ضرورة أن يتمتع الطفل بالبراءة، وأن لا يتعرض لما يفسد عليه لاوعيه الذي ما يزال قيد التشكيل.

تنزيلاً لهذه القاعدة صار تعريض الأطفال لمشاهد تعرٍ واقعية أو عبر أي وسيط جريمة تعرض المسؤول عنها للعقاب. هكذا صار لزاماً على القنوات التلفزيونية أن تحدد الفئة العمرية لبرامجها، وأن تخبر مسبقاً عمَّا إذا كانت صالحة أو ملائمة للأطفال، أما التحرش بغير الراشدين أو محاولة سلبهم براءتهم بأي طريقة فأضحى من الجرائم التي تقابل بعقوبات رادعة.

قاد هذا الاتجاه الذي يهدف إلى حماية الأطفال مجموعة من الباحثين والناشطين، لكن يوماً بعد يوم كان التحدي يكبر، فكيف يمكن إجراء فصل كامل لعالم الأطفال عن عالم البالغين الغارق في الإباحية، والذي تتوزع فيه اللوحات الإعلانية العارية في الشوارع جنباً إلى جنب مع مشاهد العشاق الذين يداعب بعضهم بعضاً ومحلات الألعاب الجنسية؟

كان ذلك السؤال صعباً وزادت صعوبته مع دخول التقنيات الرقمية وبرامج الإنترنت التي ظلت، وبرغم إعلانها عن برامج حماية، سهلة الاختراق، كما ظل احتمال تعرض الأطفال لمشاهد غير مناسبة من خلال تصفحهم لها وارداً.

المشكلة لم تكن تكمن فقط في تحدي العولمة الرقمية، بل في وجود تيار ناشط عريض على الجهة المقابلة لا يتمتع بالحساسية ذاتها تجاه الموضوع، معتبراً أن هذه هي اشتراطات العصر الحديث وأن على العائلات أن توفق أوضاعها تبعاً لها.

هكذا اعتبر أولئك أن مرور الأطفال ببيوت للخدمات الجنسية وهم في طريقهم إلى المدرسة أمر عادي، كما اعتبروا أن تعرضهم في سن مبكرة لمشاهد غير مناسبة على الإنترنت أمر لا مفر منه.

مع اتجاه "الأمر الواقع" هذا برز اتجاه آخر أكثر تطرفاً كان لا يرى في الأمر مشكلة من الأساس، معتبراً أن شغف الأطفال والمراهقين بالجنس أو ممارستهم له هو أمر طبيعي.

أهم الاختراقات التي حاولت أن تكسر تلك النظرة الحمائية للطفل كانت رواية "لوليتا" الشهيرة للكاتب الأمريكي روسي الأصل فلاديمير نابوكوف والتي نشرت في عام 1955 في باريس، فبرغم ما حاول أن يضفيه الكاتب من بلاغة على كلماته فإن القصة لم تكن، في خلاصتها، إلا وصفاً لشخص منحرف بالغ مهووس بأجساد الطفلات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين التاسعة والرابعة عشرة.

اجتهد نابوكوف في جعل القارئ يتعاطف مع بطل قصته ولا يتعامل معه كمجرد "بيدوفيلي" مهووس، وحاول تبرير علاقة بطله بالطفلة لوليتا ذات الاثني عشر عاماً والتي دخل معها في علاقات جنسية وهو يحاول أن يقنع نفسه بأنها هي من جذبته ودعته بجسدها الشهواني الصغير، وأنه لم يكن سوى ضحية.

بأسلوبه البلاغي وحججه السردية عمل نابوكوف ما بوسعه لإقناع القارئ بأن الأمر ليس بتلك البشاعة، ومضى مستشهداً بعلم النفس وبالدراسات الأنثربولوجية المقارنة من أجل إثبات أن الأطفال بهذه السن يمكنهم الدخول في علاقات جنسية، وأن ذلك يحدث بالفعل في مجتمعات أخرى.

وجدت الرواية اعتراضات في البداية من قبل الناشرين، لكنها حين نشرت حظيت بشهرة واسعة طغت على صيحات المنتقدين، في حين اعتبر نقاد الأدب الذين رشحوها لعدة جوائز أنها تستحق الاحتفاء، فيكفي أنها جعلت القارئ يتعاطف مع ما كان غير مستساغ بالنسبة إليه، فبطل القصة لم يكن فقط عشيقاً للطفلة لوليتا ولكنه كان أيضاً زوج والدتها.

في لقاء تلفزيوني مع نابوكوف سأله المذيع عمَّا إذا كان نشر الرواية قد جعله يحس ببعض الحرج، خاصة أنه كان يعمل حينها أستاذاً للأدب في جامعة كورنيل المرموقة. أجاب نابوكوف قائلاً إن ذلك لم يحدث، بل على العكس جلبت له هذه الرواية الكثير من الاحتفاء، حيث تمت مناقشتها في حلقات علمية جامعية، واشترى كثير من الطلاب نسخاً منها وأهدوها لعائلاتهم.

كان نابوكوف محقاً، فمن ناحية الاحتفاء والانتشار وجدت الرواية اهتماماً كبيراً حتى إنها عدت من أهم روايات القرن العشرين، كما تم تحويلها إلى أعمال سينمائية ومسرحية وأوبرالية، أما اسم "لوليتا" فدخل بنجاح المعجم الثقافي الأوروبي كوصف للطفلة الشهوانية.

برغم هذا الانتشار كان الجدل الأخلاقي حول الرواية التي جابت العالم وعما إذا ما كانت تحاول إيجاد تبرير للاعتداء على الأطفال مشتعلاً. الكاتب بدوره كان يؤكد في كل مناسبة موقفه الرافض لممارسة الجنس مع أي طفل، كما كان يذكّر بأن قصته انتهت بالعقاب الذي طال بطلها.

لحسن الحظ فإن هذا الاتجاه المباشر في تناول الموضوع لم يتكرر كثيراً في الأدب الأوروبي، وبقيت القاعدة هي أن يظل الجنس مع الأطفال من المحرمات التي لا يجوز تناولها لا في الأعمال الروائية ولا في غيرها من المنتجات الفنية، بل وصل الأمر حتى الأفلام الإباحية التي سُمح لها بتناول كل شيء عدا توظيف أطفال فيها أو الترويج بأي شكل للعلاقات الجنسية معهم.

مؤخراً أثيرت عاصفة كبيرة بعد عرض منصة "نتفلكس" لفيلم "فتيات لطيفات" Cuties الذي رأى المشاهدون أن فيه استغلالاً كبيراً للأطفال، وتشجيعاً على النظرة الجنسية تجاههم، وقد أدى إصرار الشبكة على تمرير الفيلم إلى انسحاب الآلاف من المشتركين من المنصة في أكثر من بلد حول العالم، ما أوصل رسالة إلى القائمين عليها بضرورة التعامل مع جنس الأطفال كخط أحمر لا يجوز تجاوزه.

كان ذلك مؤشراً جيداً على احتفاظ الناس بالحساسية اللازمة تجاه الموضوع، ولولا ذلك لتوسعت الشبكة في طرح أفكار مشابهة.

المفارقة هنا هي أن فرنسا التي طُبعت فيها رواية نابوكوف في الوقت الذي رفضتها فيه دور نشر في عدة بلدان غربية أخرى كانت هي أيضاً صاحبة هذا الفيلم المثير للجدل، كما كانت صاحبة القانون الذي تم تمريره في يناير/كانون الثاني الماضي والذي يعتبر أن ما سماها "سن الرشد الجنسي" تبدأ بالثالثة عشرة، وهكذا فإن العلاقة التي تتم بالتراضي مع طفل بهذا السن لم تعد جريمة.

فرنسا ليست بالتأكيد مثالاً وحيداً، ولكنها ظلت رائدة في هذا المجال مع بروز دعوات لجعل التجارب الجنسية حقاً من حقوق الأطفال. بالنسبة إلى أولئك فإن سن الثامنة عشرة هو متأخر جداً لممارسة الجنس في مجتمع مفتوح ومرحب بعلاقات الصداقة الباكرة كالمجتمع الأوروبي.

في الوقت ذاته وبالتزامن مع نقاشات الحرية الجنسية للأطفال وإمكانية دخولهم في علاقات مع بالغين تطرح بعض المجموعات الثقافية مسألة أخرى تتعلق بالزواج المبكر، معتبرة أنه إذا كانت الفتاة أعطيت حق الدخول في علاقة مفتوحة أو ممارسة تجارب جنسية عابرة فإن الأولى هو منحها الحق في الزواج. هذا المنطق ما يزال مرفوضاً بقوة من قبل المشرعين الأوروبيين الذين يرون فيه ظلماً للفتاة وانتهاكاً لحياتها.

بالنسبة إلى كثير من الناشطين في الجالية المسلمة الفرنسية يبدو القانون كدليل جديد على تناقض مفهوم الحرية الغربية، ففي الوقت الذي يتم فيه تشجيع اليافعين على خوض صداقات والتمتع بتجارب جنسية يتم اعتبار الزواج المبكر، ولو في سن السابعة عشرة، جريمة تستوجب المحاكمة. هذا يبدو شبيهاً بقضية حرية اللباس التي لا تشمل، في نظر كثير من الأوروبيين، الحجاب الإسلامي.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي