تدور الأحاديث بتركيا منذ الشهر الماضي حول قضيتَي الإصلاحات وصياغة دستور جديد للبلاد، وقد اكتسب هذا الملف زخماً من جديد مع تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان مطلع فبراير/شباط الجاري.

وخلال تلك التصريحات أكد الرئيس أردوغان على أنه سيُحال ملف الإصلاحات إلى البرلمان التركي خلال الفترة المقبلة، ثم تُجرى إصلاحات تشمل تغييرات مهمة في مجالَي الاقتصاد والقانون. وعليه صار من المهم معرفة أبرز المواضيع التي ستشملها الإصلاحات المشار إليها والدستور الجديد.

يمكننا القول إن الإصلاحات بمجالَي الاقتصاد والقانون التي أثارها الرئيس أردوغان لأول مرة بنوفمبر/تشرين الثاني 2020 ستتمحور حول شقين. يمكن تلخيص الشق الاقتصادي في شعار "عهد جديد من الاستقرار والنمو والتعبئة".

ويُتوقع أن تعمل الحزمة على تعزيز الاقتصاد الذي تأثر بشكل واضح على خلفية جائحة كورونا، وإيجاد حل دائم لمشاكل الاقتصاد التركي المزمنة وفي مقدمتها ارتفاع نسبة البطالة وزيادة سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة.

وستشمل الحزمة تحفيزات جديدة لتشجيع المستثمرين الأجانب على القدوم إلى تركيا، فضلاً عن الحفاظ على استقرار المؤشرات الاقتصادية. كما يُنتظر إعداد رؤية شاملة لتوفير فرص عمل جديدة.

أما الشق الثاني من حزمة الإصلاحات فيشمل تعديلات جديدة في مجال القانون. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية أجرى بالفعل إصلاحات عديدة في القانون منذ تولِّيه إدارة البلاد في 2002. لا سيما ما عُرفت بـ"الوثائق الاستراتيجية للإصلاح القضائي" التي جرى إعدادها عامَي 2014 و2019، وساهمت في إجراء تعديلات جديدة بهذا الخصوص.

وهنا يمكننا القول إنه يتوقع أن تكمل الحزمة الجديدة من الإصلاحات القضائية ما بدأته الوثائق الاستراتيجية المشار إليها.

ويُنتظر أن تسهم الإصلاحات الجديدة في إنهاء مُدد الاحتجاز الطويلة، وإجراء تعديلات حول آلية تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية، وأخرى لتحسين مستوى حقوق الإنسان.

وتدور الأحاديث عن أن حزمة الإصلاحات تشمل تغييرات في 128 قانوناً، وتعديلات يبلغ عددها 374 من شأنها عمل تغييرات بملفات متنوعة كحقوق المرأة والحيوان والبيئة وحرية الرأي والتعبير والإعلام والصحافة.

كما يُخطط لاتخاذ خطوات فيما يتعلق بحقوق الأقليات عبر بعض التغييرات الملموسة، مثل اعتبار الأعياد الدينية للأقليات عطلة رسمية في البلاد.

وفيما يتعلق بصياغة دستور جديد لتركيا، يمكن القول إن الكشف عن هذه الخطوة جاء متأخراً نسبياً مقارنة بحزمة الإصلاحات، غير أنه لا شك أن حديث الرئيس أردوغان عن ضرورة دراسة إعداد دستور جديد نجح في تحقيق أصداء واسعة أيضاً.

فمنذ تولي حزب العدالة والتنمية إدارة البلاد في 2002 والرئيس أردوغان يعبر في مناسبات عديدة عن ضرورة صياغة دستور جديد غير الحالي الذي صيغ بعد الانقلاب العسكري عام 1980.

ولإيمانه بأن الدستور الحالي يكرس مفهوم سياسة الوصاية، طرح حزب العدالة والتنمية منذ مطلع الألفية الجديدة مسودات قانون متنوعة لإضفاء الطابع الديمقراطي على الدستور، بيد أنه لم يُتوصل إلى توافق في البرلمان بشأن هذه القضية. وعلى هذا النحو تعذر إجراء تغييرات جذرية في الدستور، وجرى الاكتفاء بإجراء تعديلات دستورية جزئية عبر استفتاءات في أعوام 2007 و2010 و2017.

لا شك أن التصريحات الأخيرة للرئيس أردوغان ستدفع قضية صياغة دستور جديد إلى مقدمة أجندة الأحداث في تركيا من جديد. ومن ثم بدء المناقشات حول تغييرات شاملة لمواد الدستور الحالي باستثناء المواد الأربع الأولى غير الممكن تغييرها أو اقتراح تغييرها.

ويُتوقع أن تبرز عدة مواضيع رئيسية في الإصلاح الدستوري، مثل الوقوف بوجه أية تعديلات تمهد الطريق أمام الوصاية العسكرية، وإجراء تعديلات تعزز حقوق الإنسان والنهج الديمقراطي. وقد أوضح الرئيس أردوغان أن تلك التغييرات سيجري إنجازها بالتوافق مع حزب الحركة القومية. بيد أن إجمالي عدد مقاعد حزبَي العدالة والتنمية والحركة القومية بالبرلمان ليس كافياً لإجراء مثل هذه التغييرات أو حتى التوجه إلى عرض القضية للاستفتاء الشعبي. وبناء على ذلك يُتوقع انضمام أحزاب أخرى إلى عملية صياغة الدستور.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن خطابات الإصلاح الأخيرة تشمل في الأساس تعديلات بشأن السياسة الداخلية للبلاد، فالتجديدات بالسياسة الخارجية تشكل ركيزة أخرى لخطابات الإصلاح.

ومن اللافت تأكيد الرئيس أردوغان أن تركيا ليست لديها مشاكل عصية مع أي دولة. ففي تصريحات أخيرة أشار إلى أن بلاده تفتح قلبها وذراعيها لكل من يرغب في المضي معها نحو المستقبل، قائلاً: "ليست لدينا أي مشكلات أو قضايا عصية على الحل مع أوروبا أو الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو أي دول في المنطقة، مستعدون للتحاور والاتفاق والتعاون مع الجميع بشرط احترام سيادتنا وحقوقنا وإمكانياتنا". المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن أيضاً كان قد صرح بأنه ستكون للإصلاحات انعكاسات على السياسة الخارجية.

وعلى هذا النحو يُتوقع أن تشكل مساعي تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الركيزة الأساسية للإصلاحات في السياسة الخارجية.

ولا يخفى على أحد أن تحديات رئيسية تواجه العلاقات التركية-الأمريكية بولاية الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، في مقدمتها منظومة الدفاع الروسية S-400 والقضية السورية.

ولا يزال الغموض يخيم على طبيعة السياسة التي ستتبع لمواجهة هذه التحديات. وهنا يمكننا القول إن التأثير الأكبر للإصلاحات في السياسة الخارجية سينعكس على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

وقد أكد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو مؤخراً أن المرحلة المقبلة ستشهد تأسيس حوار بناء مع الاتحاد الأوروبي. ومن أهم الأهداف التي ستعمل تركيا على تحقيقها عبر هذه الإصلاحات بدء مفاوضات تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي مع أوروبا، وإعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة الدخول إلى منطقة شينغن، وبدء تأسيس قنوات حوار جديدة، وفي نهاية المطاف إحراز تقدم في محادثات عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي.

وبناء على ما تقدم من أسباب يُتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة محادثات كثيفة حول قضيتَي الإصلاحات وصياغة دستور جديد لتركيا. كما يُتوقع أن تكتمل عملية التصديق على حزم الإصلاحات خلال الشهور المقبلة، بينما ستأخذ عملية التوافق على صياغة دستور جديد وقتاً أطول وستتطلب جهوداً كثيرة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي