كان السجال الذي دار بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت حول مسألة تجديد الفكر الإسلامي وكيفية التعامل مع التراث، مادة ثرية للنقاش في الإعلام وفي منصات التواصل الاجتماعي لأيام عدة.

إذ تَضمَّن السجال رسائل قوية لشيخ الأزهر تحدث فيها بشكل مفتوح عن خطورة توظيف الدين لخدمة الأجندات السياسية، كما تضمن هجوماً عنيفاً على دعوات التجديد غير المنضبطة، والتي لا تلتزم منهجية علمية رصينة.

وعلى الرغم من هذه البداية المثيرة، فإن التوصيات الختامية التي أعلنها فضيلته في ختام المؤتمر جاءت تقليدية ومسيَّسة بشكل غير متماشٍ مع الحالة التي خلفتها تصريحاته، فالبنود التي يطرحها البيان تتفق في أولوياتها ومحتواها إلى حد كبير مع أجندة النظم المتسلطة، والأفكار التجديدية التي تضمنها هذا البيان -على محدوديتها- تبدو أحياناً كأنها تمّت على عجل ودون دراسة معمقة، أو هكذا تشي صياغتها.

فأولاً بعد النقاط الثلاث الأولى التي تتحدث عن أهمية التجديد وضوابطه، احتلّ الردّ على الجماعات المتطرفة والإرهابية أغلب البنود التسعة والعشرين للبيان، وهو ما يتماشى مع الأجندة الأمنية للنظم السلطوي، التي تضع مواجهة الحركات الإسلامية أولى أولوياتها، وفي سبيل ذلك تعمد إلى وضعها جميعاً في سلة واحدة، فهي إما إرهابية، وإما مدخل للتجنيد للجماعات الإرهابية بأفكارها المتطرفة.

ولو التزم القائمون على المؤتمر ما أشار إليه شيخ الأزهر من أهمية عدم التوظيف السياسي للخطاب الديني، لوجدوا أن التجديد يبدأ من تحرير وتطوير المؤسسات العلمائية لاستعادة مصداقيتها وحرفيتها، وأن الفكر المأزوم الذي يصدر عنها أحياناً كثيرة، وعن بعض الحركات الإسلامية، له دوافع سياسية واجتماعية مثل الاستبداد السياسي وغياب الحريات والتخلف التنموي وغيرها، وأنه من أولويات أجندة التجديد الديني الإسهام في علاج هذه الظواهر غير الصحية، بما يسمح للدين بأن يستعيد أدواره الاجتماعية بفاعلية.

ثانياً: في نقضها بعض الأفكار والرؤى التي تقدّمها التنظيمات الإسلامية والجهادية، يميل البيان إلى الاستسهال والتعميم بشكل واضح، فنقض مفهوم الحاكمية بمعناه المركَّب والإشكالي، يُرَدّ عليه بعرض مُخِلّ لتعريف هذا المفهوم، ثم بمقتطفات مُجتزأة من كلام الإمام ابن حزم عن أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون الحكم للبشر كما ورد في آية التحكيم بين الزوجين المختلفين.

وعن ظاهرة المقاتلين الأجانب الذين ينضمون إلى الجماعات السلفية المسلحة، التي قصدها البيان عند تناوله دعوة هذه الحركات الشباب لكي يهجروا أوطانهم وينضموا إليها، تم الرد عليها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا هجرة بعد الفتح".

وإشكاليات أخرى أكثر تركيباً وتعقيداً مثل من يحقّ له إعلان الجهاد، وماذا لو تخلف الإمام عنه وقت فرضيته، أو الشرعية السياسية للحاكم، وما مدى اعتبار التغلب وسلطة الأمر الواقع في هذا الإطار، ردّ البيان بردود مقتضبة لا تكفي لفضّ التباس هذه القضايا.

ثالثاً: من الآراء الإشكالية التي تناولها البيان قضية الحكم في الإسلام، فنجد البيان ينصّ على أنه "لا يوجد في نصوص الكتاب والسنة ما يُلزِم بنظام حكم معين، بل كل نظام من أنظمة الحكم المعاصرة تقبله الشريعة ما دام يوفّر العدل والمساواة والحرية، وحماية الوطن، وحقوق المواطنين على اختلاف عقائدهم ومللهم، ولم يتصادم مع ثابت من ثوابت الدين".

كما رفض البيان مفهوم الدولة الدينية، وتحدث عن تاريخية نمط الخلافة وبشريته، لكنه -في ذات الصدد- يصرّح برأي شديد الغرابة هو أن "الدولة في الإسلام هي الدولة الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة"، ولو قال إن الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة لا تتعارض مع الإسلام لكان ذلك رأياً إشكالياً بما يكفي، لكن النص على هذا الرأي بهذه الصيغة ينمّ عن ارتجال ملحوظ في مسألة شديدة المركزية في الفكر الإسلامي المعاصر.

رابعاً: نجد في أجندة التجديد متّسَعاً لبنودٍ تتناول السياحة وأهمية حماية السائحين، والآثار وأهمية الحفاظ عليها وحرمة الاتّجار فيها، لكن لا نجد ذكراً لأمور تتعلق بقضايا شديدة الحيوية لأمتنا، مثل: كيف يمكن أن يعود الدين مرة أخرى عاملاً إيجابيّاً في تدعيم الاجتماع السياسي، وفي تشكيل العقد الاجتماعي للأمة، بعد أن أصبح التديُّن في صيغه الطائفية والأيديولوجية عامل استقطاب وصراع؟

كما تغيب نقاط منهجية هامة في قضية التجديد الديني، إذ إن اتباع نفس المقدمات والمنهجيات سيؤدي بالضرورة إلى ذات المخرجات والنتائج، فكيف يمكن للمقاربات والمنهجيات الجديدة أن تُسهِم في تطوير فهم علمائنا للواقع المعيش بأبنيته وديناميكياته المعقدة، بل وفي تطوير تعاملهم مع النص الديني ذاته. وغنيّ عن القول أن أجندة التجديد الديني خلت من كثير من الأمور المطروحة على ساحة النقاش القيمي الدولية، مثل قضايا البيئة والمناخ، والإشكاليات اللا محدودة التي تثيرها مجالات التكنولوجيا البيولوجية، والذكاء الصناعي، بما يحرم المسلمين من الإسهام بإيجابية في مثل هذه القضايا العالمية.

من المؤكَّد أن التجديد الديني مسألة حيوية ملحّة، وأنها من الخطورة بمكان بحيث يجب أن تكون منضبطة بقواعد محددة، لكن هذا لا يعني ابتساره في مقولات جزئية، دون إعادة النظر في الكليات والمنهجيات.

كما أن مصادرة أجندة التجديد الديني لصالح الأجندة السياسية للأنظمة الاستبدادية تتسبّب في مفاسد عديدة، فهي تقزّمها وتشوّهها، وتهمّش بعض القضايا الأساسية لصالح أولويات هذه النظم، وتجعل معالجة الآراء الإشكالية والمضللة التي تتبناها الحركات المتطرفة والإرهابية غير موضوعية ومتشنجة، كما تشكّك في مصداقية هذه الجهود التجديدية لتوظيفها الصارخ في الصراعات السياسية، والأهمّ من ذلك كله أنها لا تسمح بوجود البيئة الحرة والمنفتحة الملائمة للحوار الهادئ والموضوعي.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي