كتاب إد حسين المثير للجدل "بين المساجد" (Others)

افتتح الصيف الأدبي البريطاني أبوابه بكتابٍ جديد مثير للجدل: "بين المساجد" Among the Mosques. والكتاب هو أحدث مؤلفات الكاتب البريطاني إد حسين الذي يوصف بأنه راديكالي سابق تحوَّل إلى إعادة تصوُّر الشأن الديني، غير أن الكتاب جاء إضافة سطحية أخرى مرجعها الوحيد نوازع صاحبها ودعاية انفعالية تفتقر إلى أي قدرٍ من التماسك، لينضم بذلك إلى خط إنتاج متواصل من الكتابات الشعبية التي تتخذ من تهويل وجود المسلمين ونشاطهم في بريطانيا وتعظيم خطرهم المزعوم منهجاً.

وعلى الرغم من أن الأمر لا يزال ملتبساً حتى الآن بين ما إذا كان هذا الكتاب يُقصد به أن يكون قراءة جادة أم إضافة إلى قائمة "الروايات الخيالية" الأكثر مبيعاً لدى دار النشر "بلومزبري" Bloomsbury، فإن كتاب "بين المساجد" قد يُنظر إليه باعتباره يمثِّل خطوة إلى الأمام لكاتبه إد حسين في هذا النوع الأدبي، فعلى خلاف انطلاقته الأدبية التي كُشف لاحقاً أن الكتابات التي حملت اسمه فيها كان وراءها كُتاب خفيون وقد تولى النصيب الأكبر من عبء كتابتها عنه مسؤولون حكوميون، فإن هذا الكتاب يُفترض على الأقل أنه من كتابته.

ولا داعي لإعادة سرد المواضع العديدة الجديرة بالانتقاد التي لاحظها حتى ذوو الاطلاع المتوسط من قرّاء الكتاب. وفي مراجعته للكتاب يشير الصحفي والناقد الأدبي سمير رحيم إلى سيل من الأخطاء الصارخة والقوالب النمطية.

أما الناقد يحيى بيرت، فقد مدحَ بامتعاض أمارات جرأة حسين في اقتحامه لـ"دور الرجل البني الذي يحمل عبء الرجل الأبيض في إنقاذ الإسلام من نفسه".

في غضون ذلك وقع عناء تتبُّع المصادر على كاهل القراء البواسل الذين اضطلعوا بما كان حرياً أن يكون المهمة الأساسية للمحرِّر فيما يتعلق بالتحقق من مصادر المعلومات التي ذكرها حسين. ومن الجدير بالذكر أن حسين لجأ إلى تويتر بعد انكشاف الحقائق ليعلن أن الأسماء المستعارة للمصادر، غير المذكورة في النص، كانت ضرورية لحماية هذه "المصادر".

ومع ذلك فإن التقيُّد بأبسط غرائز الجمهور المستهدف محلُّ رواجٍ في عديد من الدوائر: بخاصة الشخص الذي قد يتلقف ادعاءً على عواهنه -بلا قرينةٍ- من مسؤول باسمٍ وهمي ووجود مشكوك فيه من الأصل، بأن المشكلات العامة في مانشستر تسبَّب فيها لاجئون من الشرق الأوسط يزعم الكتابُ أنهم قرروا تصريفَ إحباطهم من أوطانهم التي مزقتها الحروب باختطاف اللقمة من أفواه سكان لانكستر الذين أوقعهم سوء طالعهم بطريق هؤلاء الجائعين.

هذا هو المسلك الذي تداعت إليه صحيفة The Economist التي باتت الرائد الموثوق لأحدث النزوات الدعائية للمؤسسة البريطانية في تخلِّيها عن أي حس نقدي حيال الكتاب وحماسها المفرط لمحتواه، في حين احتشدت الصحف الصفراء للتغني بمهمة اكتشاف الذات الشاقة التي أخذ حسين وطأة حملها على عاتقه بمساجد بريطانيا.

هذه الادعاءات كان أقصاها أن تثير الضحك لولا العواقب الوخيمة لهذا النوع من حملات التخويف. فقد أصبحت المشاعر المعادية للإسلام متوطنة بشرائح كبيرة من الطيف السياسي بأوروبا وأمريكا الشمالية، ولم تعد تنقصنا أمثلة على المآسي التي تسوقنا إليها تلك المشاعر: فقد رأينا الأسبوع الماضي حادثة الدهس لعائلة مسلمة بمدينة لندن الكندية وغيرها من اندفاعات القتل الجماعي ضد مسلمين أو أفراد يشتبه بأنهم مسلمون في السنوات الماضية.

ولما كانت الدعاية المناهضة للإسلام تتقاطع كثيراً مع أنواع أخرى من خطابات التعصب الأعمى -ومنها الفاشية ومعاداة السامية وكراهية النساء ودعاوى التفوق العنصري، فقد باتت الإسلاموفوبيا سمة مشتركة لدى العديد من مجموعات الشوفينية الزائفة التي تشكل الآن تهديداً للنظام السياسي بالبلدان التي تدَّعي تلك المجموعات الدفاع عنها وعن مصالحها. غير أن الأكثر إثارة للسخرية أن الإسلاموفوبيا كانت تأججت بخطابات ودعاية أطلقتها اتجاهات من المؤسسة السياسية الرسمية بتلك البلدان نفسها.

ومن المؤسف أنه بعد سنوات من بروز خطر هذا الخطاب الشعبوي وإعلانه بجلاء عن نفسه فإن المؤسسات السياسية والإعلامية في تلك البلدان لا تزال لم تتعلم الدرس.

كان إد حسين في كتاباته التي نادراً ما تخللتها الأصالة ودائماً ما افتقرت إلى التماسك، أحد أوائل المغامرين الذين قرروا الاستثمار بتجارب ماضيهم الراديكالي بمرحلة الشباب بعد بدء "الحرب على الإرهاب".

وبعد أن كان حسين أحد الأفراد المنتمين إلى الهامش المتطرف بالمجتمع البريطاني المسلم بمراهقته -خلال التسعينيات التي حضرت فيها بالفعل شريحة متطرفة هامشية لكن عالية الصوت خطابياً نتيجةً ثانوية لتحالف بريطانيا المعقد مع الدكتاتوريين العرب والمناورات الجيوسياسية والتوترات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، قرر الانتقال إلى الطرف النقيض.

وكان الأيسر نفسياً وربما حتى بغرض تطهير الذات إسقاط تطرفه بمرحلة الشباب على سلوك المجتمع المسلم ككل. ولا ينبغي أن ننسى أنه فعل ذلك بعصر "الحرب على الإرهاب" الذي كان الرأي العام الغربي فيه مهووساً بالقلق من الإرهابيين المسلمين فكانت تلك البضاعة مضمونة الأرباح.

وهكذا، غُضت الأبصار عن الادعاءات المرتابة فيما تضمَّنه كتابه الأول "الإسلامي" The Islamist، وهي ادعاءات وصلت إلى التشكيك بمصادر معتبرة بتأليفه من الأصل للكتاب. واستمر الترحيب بـ"إد حسين" من كل شخص يفتقر إلى الاطلاع الكافي ثم تَبِعه المقلِّدون.

ربما كان أكثرهم شهرة ماجد نوَّاز الذي شارك حسين بتأسيس مركز بحثي سيئ السمعة، وفي سبيل التودد إلى اليمين المتطرف ببريطانيا والولايات المتحدة أمضيا أكثر من عقد بتحفيز النزعة الاستقطابية لدى المجتمع البريطاني بدعوى إنقاذه من الإسلام الراديكالي.

وكان مآل ذلك أنه بصرف النظر عن تراجعات جورج بوش الذي أعلن أن "الحرب على الإرهاب" ليست على الإسلام، فالحقيقة المؤسفة أنها ارتكزت إلى فائض من المستشارين والبيروقراطيين والمسؤولين والمثقفين الذين رأوا هكذا بالضبط: "حرباً على الإسلام".

بلغت هذه المشاعر مستوى أعلى مع تابع جورج بوش المخلص توني بلير الذي عرَّف "الإسلام الراديكالي" بأنه أي تعبير علني عن الإسلام على نحو مستقل أو مخالف لتفضيلات السياسة الرسمية للحكومات الغربية ذات الغالبية الساحقة من غير المسلمين.

وصُرفت الأنظار عن هذا الادعاء غريب الأطوار بخطابات شاذة مسعورة حول التهديد الوشيك لـ"الإسلام الراديكالي"، فأصبحت المجتمعات المسلمة موضع شك واتهام وأفضى ذلك بنا إلى أشياء تفتقر إلى أي منطق، فمثلاً من يتمتع بأقل قدرٍ من العقل الصحيح يخرج ليرد على الإبادة الجماعية للروهينغيا المسلمين في ميانمار بالتركيز على الديانة التي يتبعها أفراد المجلس العسكري ويطالب المسلمين بإصلاح قائم على خضوع المسلمين للقيم البوذية؟

في سياق كهذا كان لـ"الاعترافات" الدرامية للمتطرفين السابقين مثل إد حسين دوراً رئيسياً بدغدغة المشاعر المعادية للمسلمين. وكانت تكلفة ذلك تكيفاً متزايداً مع الآراء المتعصبة والتطبيع معها، ما ساعد بدوره في التطبيع مع اليمين المتطرف وسياساته المحلية والدولية.

ختاماً إذا لم يكن التهديد المتصاعد على حيوات المسلمين معنوياً ومادياً يكفي فإن المرء كان يتوقع من المؤسسات السياسية والإعلامية الغربية أن تتصدى لهذه الأفكار بالفحص والتفنيد على الأقل لاستقرارها السياسي، لكن لسوء الحظ يشير الاستقبال متوهج الترحيب للكتاب الأخير للمؤلف إد حسين إلى أن أحداً لم يتعلم الدرس.

هذا الموضوع مترجم عن موقع TRT World.

TRT عربي