كشفت نتائج الانتخابات التونسية في دورتها الأولى عن زلزال سياسي بعد أن تصدر نتائج الانتخابات كل من نبيل القروي الموقوف بتهم فساد وقيس سعيّد الذي لم يشغل منصباً عاماً من قبل.

التونسيون حائرون يتساءلون رئيسنا القادم من يكون. بعضهم حسم خياره وغالبهم حائر بين وجهين جديدين لا يعرفهما شكلاً، أما باطن فعلها فلا يزال غامضاً. وجميعهم لا يزال مذهولاً من اتجاه التصويت في الدور الأول، لكن في كل الحالات ليس أمامهم إلا الاختيار. فالمسار يتقدم بشكل قانوني وليس عليه أن يستجيب للميول العاطفية للناخبين. تجري المفاضلات في الإعلام وفي السوشيال ميديا ولا تجد مذمة للأستاذ قيس سعيّد فتختلق له تاريخاً غامضا كأنه زعيم الحشاشين القادم رأساً من سمرقند القديمة. هذه الورقة تنأى بنفسها عن الدعاية الانتخابية ولكنها تحاول متابعة الاحتمالات في الدور الثاني.

البقاء في الحد الأدنى السياسي

شخصان مختلفان لا وجوه شبه بينهما. يحاول أنصارهما كل على حده ترذيل الخصم وتمجيد المرشح. لكن اللافت أنه بمجرد مرروهما من الدور الأول اكتشفنا أن معسكرَي الأنصار موجودان ويخوضان النزال الانتخابي بما كشف انقساماً راسخاً في القاعدة، وأزال أثر الذهول الأول.

القول بمعسكر الثورة (قيس سعيّد) ضدّ مرشَّح المنظومة (نبيل القروي) فيه اختزال كبير وإن لم يجانب الحقيقة كلِّيّاً. لذلك أرى أن المعركة تجري في الواقع بين معسكر الحفاظ على الحد الأدنى السياسي (مع سعيّد) ضد جماعات الفوضى والانتهازية (القروي) التي لم ترتقِ إلى تشكيل سياسي واضح وتقدّمْ أفكاراً لإدارة الدولة.

الحد الأدنى السياسي هو ما سارت عليه الدولة بعد الثورة تحت تسميات مثل الانتقال الديمقراطي السلس، والتوافق بين المختلفين من أجل حفظ مؤسَّسات الدولة من الانهيار، إذ يُقِرّ الجميع بأن كل شيء مؤجَّل لتظل الدولة قائمة في حدّها الأدنى.

وهذا التفكير يجد نفسه الآن في مواجهة مرشَّح متهم في إخلاصه وذمته المالية، ويهدد بنشر مزيد من الفوضى في صورة ارتقائه سدة الحكم. فينحاز إلى السيد قيس سعيّد مقدماً خصاله كرجل زاهد في المال العامّ، ولم يمكن لأحد وصم ذمته المالية ولا سلوكه الشخصي أو السياسي.

لقد تتالت وقائع كثيرة منذ الثورة جعلت كل مسؤول حكم عاجزاً عن التقدم بأي مشروع حكم جديد بما أجبر الجميع على تقديم سلامة السفينة من الغرق على العودة بصيد وفير، وجعل كثير من الناخبين يقنعون بهذا الحد.

لذلك فالميل إلى اختيار سعيّد ضد القروي هو مواصلة لنفس المنطق، أي إنقاذ السفينة من الغرق. ولم يجد أنصار سعيّد غير هذا الموقف، وجميعهم ليس متفقاً مع الرجل في مشروعه، ولكنهم يثقون بأنه لن يُغرِق السفينة على أمل الوصول معه إلى برّ أمان. إنه خيار الحد الأدنى في مواجهة احتمالات الغرق النهائي في الفوضى والمحسوبية وأعمال المافيا.

خيار الحَدّ الأدنى سيجلب أغلب مكونات الطبقة السياسة العاقلة بما في ذلك بعض مكوّنات المنظومة إلى صف سعيّد بما يرجّح فوزه. وسيكون انتصاره انتصاراً للخائفين على الدولة أكثر مِمَّا هو انتصار للثورة.

هل يؤثّر هذا الخوف على الانتخابات التشريعية؟

سؤال تونسي صعب يهيمن الآن على تونس: كيف ستنعكس نتائج الرئاسية في الدور الأول على الانتخابات التشريعية التي يخوض المرشحون حملتها الدعائية؟ فالمتقدمون الآن إلى البرلمان كثير، وفيهم قوائم حزبية، وأكثر منها قوائم مستقلة بلا سند حزبي. وهناك احتمال كبير أن تفرز الانتخابات برلماناً مشتَّتاً (فسيفسائيّاً)، بخاصَّة إذا تواصل هذا النفس المعادي للأحزاب.

وقد بدأت تروج استطلاعات رأي عن تَقدُّم حزب نبيل القروي (قلب تونس) ليكون الكتلة الوازنة في البرلمان بحيث إذا لم يكُن القروي رئيساً فإنه من غير المستبعد أن يكون رئيس حكومة أي بسلطات تنفيذية أوسع من صلاحيات الرئيس، بما جعل البعض يشعر بأنه استجار من الرمضاء بالنار.

هذا يدفع إلى استعادة معطى انتخابي مهمّ أثّر في الرئاسية هو تَعَدُّد المترشحين، إذ مرّ الفائزان من تشتُّت التصويت أكثر مِمَّا ربحا ببرنامجهما أو شخصيتيهما. ومعطى التشتت ما زال قائماً، بل هو أشد وضوحاً في التشريعية، في حين يرتفع شعور الغضب في معسكر القروي بما يجمع حول قوائمه الانتخابية قوما كثيرين مدفوعين بالرغبة في الثار له، بخاصَّة أن قناته التلفزية المنفلتة تشتغل على إثارة الشعور بالظلم من معسكر حراس الدولة.

هل يستشعر أنصار سعيّد هذا الخطر؟ حتى الآن لا أرى ذلك، والجميع ماضٍ في طموحه أو غيه إلى الفوز كما لو أنه وحده في المضمار.

الصورة المهيمنة الآن سماء من رصاص توشك أن تسقط على تونس. تنتج وضعا لا يسمح بالحكم. رئيس بلا سند حزبي بيّن يصل بالتفضل أكثر مِمَّا يصل بالقدرة، وحكومة هشة لا تسندها كتل حزبية قوية، وبرلمان ممزَّق تخترقه كتلة نبيل القروي المُعَطِّلة إذا لم يكُن لها النصيب الأوفر من الحكومة.

قد يأتي غودو قبل المعجزة

غودو صمويل بيكيت، في المسرحية المشهورة "في انتظار غودو"، الذي لم يأت إلى الركح أبداً، قد يأتي تونس قبل معجزة إنقاذ انتخابي يقوم به الواعون بخطر المافيا على الدولة. الوضع سريالي فعلاً بقطع النظر عن الحالة الشاذة التي خلقها التصويت في الدور الأول بتقديم سجين إلى الرئاسة.

يملك السياسيون الآن أو على الأقل طيف واسع منهم إمكانية الاتِّحاد خلف قوائم بعينها في كل جهة لتكتيل التصويت ضدّ قوائم قلب تونس والقوائم المستقلة التي لا أمل لها بحكم ضعفها وغياب برامجها. هذا يقتضي عملية تضحية كبيرة، هي الوحيدة الكفيلة باستباق برلمان فسيفسائي عاجز عن تكوين حكومة، فضلًا عن إسنادها. لقد كان هذا الاتِّحاد ممكنا أيضًا في الدور الأول للرئاسية ولم يحصل، فكانت النتيجة غريبة. ونرجح رغم الدعوة إلى ذلك أن لا يحدث الأمر في التشريعية، لذلك لن تبقى إلا الحوقلة.

يوشك الناخب التونسي أن يعيد اختراع العجلة، فيقدم رئيساً بلا حزب ويقدم برلماناً بلا كتل وحكومة بلا سند بما يجعله يقف أمام خيار الانهيار السريع والعودة إلى صفر يشبه العجلة أو هو العجلة الجديدة التونسية، إذ تنتج الحرية الغاضبة حالة فراغ سياسي. هل في ذلك خير؟

قد يكون الدرس الانتخابي التونسي الأبرز هو اختبار حدود الحرية السياسية في وضع انتقالي، وهو أشد الأسئلة عسراً في الفكر السياسي.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي