تعتبر دولة الإمارات من أقوى الداعمين للسعودية ولولي العهد محمد بن سلمان، وتشترك معها في الكثير من الانتهاكات. إذن لماذا لا يتم تسليط الضوء دوليا على انتهاكات حقوق الإنسان من قبل أبو ظبي؟

نالت المملكة العربية السعودية قدراً كبيراً من الإدانة بسبب قتل جمال خاشقجي وجرائم الحرب في اليمن، ووضعها كدولةٍ استبداديةٍ لا ترى مشكلةً في استبدادها.

وترتكب الإمارات العربية المتحدة حليفها المُقرَّب انتهاكاتٍ تستحق الإدانة بصورةٍ يومية، بينما تتعرض لانتقاداتٍ أقل بكثيرٍ من جارتها الخليجية، إذ تنقل صورةً أكثر تقدميةٍ عن نفسها للعالم.

وبوصفها قوةً صغيرةً لكنَّها متزايدة النفوذ في المنطقة، تُصَوَّر الإمارات عادةً على أنَّها ملاذٌ ساحرٌ وعصريٌ للرفاهية السياحية، وبلد يفد إليه المغتربون أملاً في جمع الثروات. ويتخفى وراء هذه الصورة الإيجابية المزيفة نظامٌ استبداديٌ، يتجاهل حقوق الإنسان داخلياً وخارجياً على حد السواء.

يستهين الناس بقدرات الإمارات على ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان مقارنةً بالسعودية، وهي الدولة التي تُرى عادةً على أنَّها ليست سوى دولةٍ قمعية، وتسببت في إثارة ضجةٍ عالميةٍ بعد ربطها بمقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي، كاتب العمود في صحيفة Washington Post، داخل القنصلية السعودية في تركيا. وطالبت الحكومات الغربية بما في ذلك بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة برَدٍّ سعوديٍّ بشأن موت خاشقجي.

يتخفى وراء الصورة الإيجابية المزيفة للإمارات نظامٌ استبداديٌ، يتجاهل حقوق الإنسان داخلياً وخارجياً على حد السواء.

جوناثان هارفي

لم تتواطأ الإمارات في تحسين صورة السعودية عندما تعلق الأمر بالربط بينها وبين مقتل خاشقجي فقط، بل ارتكبت أيضاً تجاوزاتٍ خاصةً بها لا يرد ذكرها كثيراً.

في5مايو/أيار، احتجز الأمن الإماراتي طالب الدكتوراه البريطاني ماثيو هيدجيز البالغ من العمر31عاماً أثناء مغادرته مطار دبي، وأُبقي منذ ذلك الحين رهن الحبس الانفرادي فيما يُوصف بأوضاعٍ"غير إنسانية".

واتهمت السلطات الإماراتية هيدجيز بـ"التجسس لصالح دولةٍ أجنبية"، مُدَّعيةً أن بحثه، الذي يُرَكِّز على السياسات الأمنية في أعقاب الربيع العربي، كان"غطاءً"لأعمال التجسس لمصلحة الحكومة البريطانية، وأنَّه"جاء متنكراً كباحثٍ أكاديمي".

وفي الوقت الحالي، لم ينتقد احتجاز هيدجيز سوى الأكاديميين ومنظمات حقوق الإنسان. وحذرت جامعات إكزتر ودورهام في المملكة المتحدة في بيانٍ لها قائلةً: "يعاني ماثيو من مشاكل صحيةٍ كبيرةٍ بعد أكثر من خمسة أشهرٍ في الاحتجاز"، بينما وقَّع أكثر من100أكاديميٍّ حول العالم على خطابٍ يُدين القرار.

ورغم انتشار أنباء هذه القضية في نفس وقت قضية خاشقجي، لم تلقَ سوى احتجاجٍ أضعف بكثير، وخاصةً من جانب الحكومات الغربية التي لم تمنحها أي اهتمام.وحتى بريطانيا تجاهلت هذه المعاملة القاسية لواحدٍ من مواطنيها حتى هذه اللحظة.

ليس هيدجيز الوحيد الذي عانى في ظل النظام الإماراتي.إذ تَعَرَّض عشرات الأجانب في الإمارات للاحتجاز والتعذيب داخل السجون الإماراتية، بحسب ما أوردته قناة العربي التي يقع مقرها في لندن.

احتجز الأمن الإماراتي طالب الدكتوراه البريطاني ماثيو هيدجيز البالغ من العمر 31 عاماً ومازال رهن الاعتقال

جوناثان هارفي

ومن بين القضايا العديدة الأخرى، حُكِمَ على الناشط أحمد منصور في مايو/أيار بالسجن لمدة10سنوات وغرامةٍ قدرها مليون درهم إماراتي(270ألف دولار أميركي)لنشره كتاباتٍ"مُسيئةً"على الشبكات الاجتماعية.

وفي ضربةٍ أخرى للحرية الأكاديمية، اختطف الأمنُ المُحاضرَ الإماراتي البارز ناصر بن غيث عام2015، قبل أن يُحكم عليه بالسجن10سنوات في مارس/آذار الماضي بسبب انتقاده السلمي للنظام.

ويشيع الفساد داخل النظام القضائي في البلاد، إذ تتأثر المحاكم الإماراتية عادةً بمطالب السلطة التنفيذية ومسؤولي أمن الدولة، مما يجعلنا أمام نظامٍ استبداديٍّ يفتقر إلى حكم القانون الحقيقي.

والشاهد على هذا، هو قضية الشيخ الثري عيسى بن زايد آل نهيان، وهو أحد أفراد العائلة الحاكمة في الإمارات، وربما يكون أكثر انتهاكٍ صادمٍ مُسَجَّلٍ حتى تاريخه.إذ نُشِر مقطعٌ مُصَوَّرٌ لآل نهيان أثناء تعذيبه لرجل أفغانيٍّ زعم أنَّه يدين له بالمال.وبُرِّئ رغم ظهوره في المقطع وهو"يُطلق النار على الرجل ويضربه بلوحٍ خشبيٍّ به مسامير بارزة، قبل أن يصعقه بالكهرباء ويشعل النار فيه، ثُم يسكب الملح على جروحه النازفة، ويُدهس الرجل بسيارةٍ في نهاية المطاف".ومن المثير للسخرية أنَّ الرجل الذي نشر المقطع المصور حُكِمَ عليه بالسجن خمس سنواتٍ بتهمة الابتزاز.

في الوقت الذي تجتذب فيه الرياض الانتقادات بشأن تجاوزاتها المحلية، وتتعرض للتدقيق بشأن ما يبدو أنَّه برنامج"إصلاحٍ"مُتَدَاعٍ، لا يحظى سحق الإمارات لأي معارضةٍ طفيفةٍ بأي اهتمامٍ تقريباً.لا تتوقف تلك التجاوزات عند حدود الوطن، إذ تمتد لمناطق أخرى في إطار الرؤية التوسعية للإمارات، التي اكتسبت لقب"إسبرطة الصغرى".

وتتلقى السعودية أيضاً الجزء الأكبر من اللوم على حرب اليمن والأزمة الإنسانية الضخمة الناتجة عن حملة قصفها المدمرة، وتتعرض لضغطٍ دوليٍّ متزايدٍ بسبب تصرفاتها.لكنَّ دور الإمارات الذي يُسبب الضرر نفسه تقريباً نادراً ما يتعرض لنفس مستوى الإدانة.

درَّبت الإمارات ودعَّمت مجموعةً من المليشيات والمرتزقة من أجل تحقيق طموحاتها السياسية في اليمن، التي تشمل تقسيم اليمن وإقامة دولةٍ جنوبيةٍ صديقة.وفي معظم أوقات الحرب، أدارت تلك القوى سجوناً في الجنوب، وعَذَّبت المعتقلين اليمنيين باستخدام أساليبَ مُرَوِّعةٍ مثل تعليق السجناء في الهواء وشويهم، بالإضافة إلى الانتهاكات الجنسية.

يشيع الفساد داخل النظام القضائي في الإمارات إذ تتأثر المحاكم بمطالب مسؤولي أمن الدولة.

جوناثان هارفي

ورغم تأكيد منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش ووكالةAssociated Pressعلى حدوث تلك التجاوزات، علاوةً على رسومات وخطابات المعتقلين التي تُثبت كآبة الواقع داخل السجون التي تدعمها الإمارات، لم يَرِد أي ذِكرٍ للأمر على لسان الحكومات الغربية.وفي الواقع، زعم المتحدث باسم البنتاغون صراحةً أنَّ الولايات المتحدة لم تشهد أي"أدلةٍ موثوقةٍ"على تلك التجاوزات.

ولتبرير تواجدها جنوب اليمن، تقول الإمارات إنَّها تُدير مهمةً لمكافحة الإرهاب ضد فرع تنظيم القاعدة في اليمن، المعروف باسم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، الذي يتمتع بتواجدٍ قويٍ داخل البلاد.وهذه ادعاءاتٌ مشكوكٌ في صحتها، لأنَّ الإمارات تمتلك علاقاتٍ مباشرةً وغير مباشرة مع تنظيم القاعدة في اليمن.

وأوردت وكالة Associated Press أنَّ الإمارات"عقدت صفقاتٍ"مع تنظيم القاعدة في اليمن، ومنحته أموالاً وأسلحةً من أجل مُغادرة مناطق بعينها، لدرجة أنَّها أدمجت بعض مقاتلي القاعدة ضمن صفوف قواتها.ومَوَّلت الفصائل المسلحة المرتبطة بالقاعدة، مثل الفصيل السلفي في تعز، المُدرج على القائمة الأميركية لمكافحة الإرهاب بسبب علاقاته بالقاعدة.

تُتَّهَمُ الإمارات بالسعي المتكرر إلى تخريب الحياة السياسية في دولٍ أخرى عديدة، مثل الصومال وتونس.

جوناثان هارفي

وقادت الإمارات-لا السعودية-الهجوم المثير للجدل على مدينة الحديدة الساحلية التي يُسيطر عليها الحوثيون، مُخاطِرَةً بتعميق الأزمة الإنسانية، حيث تأتي مُعظم المُساعدات اليمنية عبر ذلك الميناء.

وفي حين تسببت السعودية في غضبٍ كبيرٍ نتيجة تدخلها في شؤون الدول الأخرى، كما أبلغت بعض التقارير عن اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري العام الماضي، تُتَّهَمُ الإمارات بالسعي المتكرر إلى تخريب الحياة السياسية في دولٍ أخرى عديدة، مثل الصومال وتونس.

ويزداد الوعي بالتجاوزات الإماراتية لدى بعض وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية.لكنَّ هذا الوعي يجب أن يتزايد أكثر من أجل التأثير على الشخصيات السياسية الغربية، الذين يجب أن يتوقفوا عن التغاضي عن تصرفات الإمارات في حال رغبوا في الاتساق مع ذاتهم بشأن إدانة انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي