صورة تذكارية في نهاية أعمال المنتدى العالمي التاسع لتحالف الأمم المتحدة للحضارات (Others)
تابعنا

ظهرت فكرة تحالف الحضارات في سياق ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، وكانت ردّاً على نظرية صراع الحضارات، التي كان أطلقها صمويل هنتغتون، ووجدت ما يبررها مع أحداث 11 سبتمبر وألفت فيها قوة الدفع. في هذا السياق المشحون أطلقت كل من تركيا وإسبانيا بادرة تحالف الحضارات، أو ائتلاف الحضارات في ترجمة غير حرفية ولكنها أقرب للمعنى المراد، تُنبَى على الحوار والاحترام المتبادَل.

وكان لهذه الدعوة ما يبررها بالنظر إلى السياق المشحون، والمكارثية الجديدة، والانتقال من وصم اللون إلى وصم الاسم، وتفشي نقْع الخطابات السطحية والمغرضة ضد الإسلام والمسلمين، من غير تمييز، في ما نُعت بصراع الجهالات، فضلاً عن ممارسات شائنة تطالهم وتشيطنهم.

كان من الضروري وقف هذا الانزياح من قِبل بلدين كانا مسرحاً لتفاعل الحضارات، تركيا وإسبانيا، وهيأهما موقفهما الجغرافي، ورصيدهما التاريخي، ليكونا جسراً، فضلاً عن سابقتيهما في احتضان مكونات متآلفة، سواء عرقية وعقدية، من خلال حسن تدبير شؤون المِلَل بالنسبة إلى تركيا، أو الدولة العثمانية على الأصحّ، ومن خلال سابقة الأندلس المسلمة.

واستطاع نداء تحالف الحضارات أن ينْفُذ إلى الأمم المتحدة، ويصبح أرضية للحوار، حدّ من تأثير نظرية صدام الحضارات، وينعقد في محطات متعددة، كان آخرها اللقاء الذي انعقد في فاس المغربية في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الأخير، في دورته التاسعة.

كان هناك من يشككون في فكرة تحالف الحضارات، على اعتبار أن الحضارات تتفاعل، وهي تنبني على قيم وتصورات ونظرة إلى العالم، لا على جيوش، كي تقيم محاور وأحلافاً، لكنه نقاش بيزنطي ينصرف عن الغاية، وهي التهدئة والإنصات إلى الآخر، وتجنُّب الأحكام الجاهزة التي تؤدِّي إلى العنف.

تحتاج الأفكار دوماً إلى تحيين، وتشذيب، بخاصة حين يتغير السياق الدولي، ولذلك كان لزاماً بالنظر إلى مستجدات كبرى، منها الحرب الروسية-الأوكرانية، واستفحال خطاب العداء تجاه الأقليات، ومنها الإسلاموفوبيا، والمد الكاسح للشعبوية، تحيين فكرة تحالف الحضارات.

ولذلك كان انعقاد تحالف الحضارات في دورته التاسعة بفاس بتاريخ 22 نوفمبر لحظة مفصلية من أجل إعطاء نفَس لهذا النداء الذي أُطلِق قبل سبع عشرة سنة، ويحتفظ براهنيته، ولكنه يحتاج إلى دفق جديد، بقرنه بغاية هي السلام.

وإذا كان الجميع يتفق على أهمية السلام، فإنهم يختلفون في السبل المؤدية إليه. ولا مندوحة من الحوار والاحترام من السبل المفضية إليه، فضلاً عن تشخيص دقيق لواقع الحال. والحوار أشمل من أن يُحصَر في الرسميين.

وينصرف إلى فعاليات المجتمع المدني، والحقل الأكاديمي، والإعلام. والحوار ينصرف إلى الدول والحضارات، ولكن كذلك إلى مكونات مجتمع، في اختلافه، وإلى شرائحه كافة.

فكرة حوار الحضارات تحتفظ براهنيتها، وليست محصورة في زمن، كما قال وزير خارجية تركيا، مولود جاوش أوغلو، في كلمته في فاس. لا يزال العالم ينوء تحت ثقل ببعض من الأخطار التي استفحل شرّها قبل عشرين سنة، ومنها التطرف والإرهاب، ولكنه إلى ذلك يطفح بأخطار جديدة، منها الكراهية، وفي صيغتها البشعة الإسلاموفوبيا، واستقواء الاتجاهات اليمينية المتطرفة، مع موج الشعبوية الكاسح، ومنها الانكماش الهوياتي، أو ما يُسمَّى بالردّ الثقافي، والدعوة إلى تميُّز الإنسان المسيحي والأبيض، أو على الأقلّ الدعوة إلى صفاء أوروبا، ومنها خطر نظرية الاستبدال الكبير التي تجد صدىً كبيراً لها لدي اليمين المتطرف.

انعقدت الدورة التاسعة لتحالف الحضارات بفاس في المغرب مع الحضور الوازن لكل من تركيا ممثلة في وزير خارجيتها السيد مولود جاوش أوغلو، ووزير خارجية إسبانيا ألفاريس، والممثل السامي لحوار الحضارات أنجيل موراتينوس، مع حضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وتميز اللقاء بالكلمة الافتتاحية للملك محمد السادس، التي ركز فيها على أهمية أن ينعقد اللقاء في أرض إفريقية، وفي مدينة فاس بحمولتها التاريخية والثقافية، وضرورة تحديد السلم الذي ليس انتفاء الصراع وحده، ولكن بصفته رؤية للعالم.

وإذا كان اللقاء أرضية لبعث الروح لفكرة جيدة، فإن أهمية اللقاء لا تنبع من انعقاده، ولكن في مدى مواصلة العمل للتصدي لكل أسباب الكراهية والحقد، ووضع حدّ للصراعات والحروب.

لم يتوارَ التطرُّف وما قد يفضي إليه من عنف يجد تعبيره الأسوأ في الإرهاب. يظل الإرهاب خطراً قائماً، رغم اندحار بعض الاتجاهات المتطرفة.

ويعرف العالم موجة جديدة من الشعبوية اليمينية المتطرفة، أو جيلاً جديداً يجاهر بالصفاء العرقي، وبمناهضة الهجرة.

ويتحتم التفكير في الهجرة، لأنها تظلّ ضمن اللا مفكَّر فيه، فالعالم الحديث قام على الهجرة، من الغرب نحو أرجاء عدة، ومن أرجاء مختلفة نحو الغرب، في سياقات مختلفة، ذات طبيعة متنوعة، من هجرة الأذرع إلى هجرة العقول.

لكن أوروبا خصوصاً والغرب عموماً يتمرس في نظرة ضيقة، تتّسم بما يُسمَّى بالكآبة الوجودية، فيما هو يقبع في مفارقة تتمثل بالحاجة الماسَّة إلى الهجرة لاعتبارات اقتصادية ومجتمعية، لكنه يتمترس في انكفاء هوياتي.

وأهم ما ينبغي أن ينصرف إليه التفكير في إطار تحالف الحضارات، مدخلان أساسيان، هما الإسلاموفوبيا، والهجرة.

ويُحسب لتركيا تنظيمها للقاءات دورية لتشخيص هذا الداء المستشري، ودعوتها إلى تجريمه أسوة بما قام به المنتظم الدولي بالنسبة إلى معاداة السامية.

ينبغي أن نذكّر أن الإسلاموفوبيا ليست صنعاً غربياً فقط؛ في الغرب بكل تأكيد ما يسمى بصناعة الإسلاموفوبيا، من خلال قولبة إعلامية ومدد أكاديمي ومتن قانوني، ذلك أن في غير الغرب أقليات مسلمة، تعاني صنوفاً شتى من التضييق والاضطهاد، من الأويغور والهونيكا ومسلمي كشمير، وفي الهند عموما، بل إلى الإبادة، إن لم تكن فعلية فهي تنصرف إلى تجريد تلك الأقليات من خصوصيتها الثقافية، سواء العقدية واللسانية.

وأما العنصر الثاني فهو الهجرة، لأن المقاربتين الغالبتين في ما يخص التعاطي مع الهجرة، هما مقاربة إما أمنية وإما اقتصادية، ولا تنصرف إلى الأوجه الأخرى للمهاجرين، الذين ليسوا مجرد أذرع تبحث عن العمل، أو عقول تقدّم الخبرة، هي كذلك عناصر موصلة لتوجهات حضارية وثقافية، بل لا يمكن الحديث عن حوار الحضارات أو ائتلافها من دون المهاجرين، لأنهم أدوات الحوار والتلاقح والتفاعل، وينبغي أن يُنظَر إلى المهاجرين كحاملين لثقافة، يجب احترامها وتهيئة الظروف للتفاعل، باحترامهم.

آن الأوان للتفكير في الهجرة، وفق نظرة شمولية غير ما يمليه ما يسمّيه الخبراء بالاضطراب الديموغرافي، مما يُفضِي إلى كآبة وجودية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي