المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (Pool/Reuters)

صعدت إلى زعامة حزبها بعد أن تدحرجت رؤوس قادته على وقع الفضائح، وما كان من المتصوّر أنها ستقود بلادها وأوروبا باقتدار ست عشرة سنة كاملة. مع نهاية عهد المستشارة الألمانية تفقد أوروبا زعيمة اضطلعت بدور جوهري في اتفاقات تطوير الاتحاد الأوروبي وأمسكت بزمام مشروع الوحدة في منعطفات حرجة. فما إن تقلّدت أنغيلا ميركل المستشارية في الجمهورية الاتحادية عام 2005 حتى وجدت نفسها في مواجهة استحقاق قيادة القاطرة الأوروبية التي التحقت بها مزيد من العربات والأعباء مع توسّع رقعة الاتحاد شرقاً وتوالي المنعطفات الحرجة على السكّة.

إن عُدّت ميركل سيدة القرار الأوروبي فإنّ جانباً من هذا الامتياز تحقّق لها من ضعف المشهد القيادي عبر القارّة الموحدة. انهمكت بريطانيا مثلاً خلال خمس سنوات خلت بمفاوضات خروجها الشاقة من الاتحاد الأوروبي، وتراجعت فعالية القيادة الفرنسية بعد ميتران وشيراك، ونشبت في أنحاء فرنسا اضطرابات صاخبة حملت مطالب اقتصادية – اجتماعية فلجأت وجوه الحكم إلى منافسة أقصى اليمين بأداء يميني واضح لا يتردد أحياناً حيال الاغتراف من الأساليب الشعبوية. أمّا إسبانيا فانشغلت فوق متاعبها الاقتصادية بأزمة إقليم كاتالونيا الذي سعى إلى الانفصال، وتقلّبت إيطاليا بين تشكيلات حكومية تصدّرتها حالة يمينية شعبوية علاوة على أعباء المديونية المتثاقلة فوق كاهلها وانشغالها الزائد بصدّ قوارب المهاجرين.

ثمّ فرضت جائحة كورونا أولويات طارئة على جدول الأعمال القيادي عبر أوروبا التي ارتبكت ابتداءً في إدارة الموقف الداهم ثمّ سجّل الاتحاد الأوروبي حضوره القوي في التصرّف الجماعي المشترك في ملف اللقاحات وحزم الإنعاش الاقتصادية، وبرز الأداء الألماني في احتواء تداعيات الجائحة في الصدارة الأوروبية على أي حال. خاضت ألمانيا تحدِّي جائحة كورونا عبر حزمة سياسات إنقاذ مالي سخيّة مصحوبة بتدابير صحية فعّالة. أكّدت الاستجابة الألمانية استقرار الأداء الاقتصادي القوي في عهد ميركل المديد، رغم شبح الأزمات والمتاعب التي عرفتها بلدان أخرى، يقع بعضها في منطقة اليورو.

تغادر ميركل المشهد دون أن تتضح ملامح القيادة الألمانية الجديدة، فالنتائج المتقاربة بين يسار الوسط ويمين الوسط تُعيد إلى الأذهان نتائج انتخابات سنة 2005 التي سمحت بتولِّي ميركل المستشارية للمرة الأولى بعد مفاوضات ائتلاف حكومي شاقّة. وسيتعيّن على الوجه القيادي الجديد أن يشغل فراغاً واسعاً خلّفته ميركل وراءها، وأن يواجه استحقاقات المرحلة المقبلة في المستويات الألمانية والأوروبية والدولية.

برزت ميركل في هيئة سيدة القرار الأوروبي، وكانت لها الكلمة في أروقة الوحدة، حتى تقلّدت أورسولا فون دير لاين، الوزيرة الألمانية السابقة المقرّبة منها، رئاسة المفوضية الأوروبية. لكنّ قيادة ميركل، المستمدّة أساساً من موقع ألمانيا المتصدِّر في بنية الاتحاد ومن واقع حصص الإنفاق المقرّرة فيه؛ لم يكن بوسعها ضبط الإيقاع الأوروبي في بعض المحطّات أو جمع كلمة الدول الأعضاء في ملفّات شائكة، مثل توزيع اللاجئين. وقفت ألمانيا عاجزة إزاء مظاهر الافتراق، من قبيل التنافس الفرنسي – الإيطالي على حقول النفط في ليبيا خلال العقد الماضي، الذي انتهى إلى تحجيم الدور الأوروبي عموماً في الرقعة الليبية المفتوحة على التدخلات الخارجية.

بعد أن احتفظت برلين بنهجها المعهود في إدارة علاقات دولية أكثر توازناً خلال جولات التأزيم الغربي مع روسيا وتركيا وإيران مثلاً؛ تواجه القيادة الألمانية المرتقبة اختبار السيْر على حبال مشدودة مع تزايد التوتّر بين أقطاب النفوذ الدولي؛ فكيف يسعها الحفاظ على حيوية علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة دون التفريط بمصالحها وحساباتها المعقّدة مع روسيا والصين؟!

عُرفت ميركل في البدء بتطلّعها إلى تعزيز الشراكة الأطلسية، وبلغت بها الحماسة إلى أن غرّدت خارج السرب بإعلان تأييدها غزو العراق سنة 2003 عندما كانت في المعارضة، بخلاف موقف برلين الرسمي. أظهرت السنوات اللاحقة كم كانت توقّعات ميركل من التقارب مع واشنطن حالمة، ففي ظلّ تودّد الأمريكيين الظاهر نحو "أنغيلا" لم يتردّدوا في التجسّس عليها، حسب فضيحة تكشّفت ذيولها في عهد أوباما. دخل دونالد ترمب البيت الأبيض وباشر توبيخ الأوروبيين عموماً والألمان خصوصاً، وفرض عقوبات تجارية عليهم وتنصّل من استحقاقات العولمة الاقتصادية واتفاق باريس للمناخ وحتى من الاتفاق النووي مع إيران الذي كانت ألمانيا أحد رعاته. حرّض ترمب البريطانيين بشكل سافر على مفارقة الاتحاد الأوروبي، وأظهر حرصاً واضحاً على إضعاف النفوذ الألماني.

تغادر ميركل المشهد في منعطف حرج بالنسبة إلى صناعة القرار الأوروبي وإلى الآفاق المستقبلية التي يستشرفها مشروع الوحدة. فأوروبا خسرت قسطاً من وزنها الاستراتيجي بانعتاق بريطانيا منها، وصارت لندن أدنى إلى واشنطن منها إلى عواصم القرار الأوروبي، حسب ما برهن عليه التحالف الثلاثي الأمريكي - البريطاني - الأسترالي.

يصعد هذا التحالف الأنجلوساكسوني الخالص للتعامل مع التحدِّي الصيني أساساً بصفة مستقلّة عن أوروبا القارية التي تستشعر اضمحلال دورها في عالم متعدد الأقطاب. أطلق الحدث هواجس مقلقة لدى باريس التي تخشى إخراجها من لعبة النفوذ الدولي، فالأمر يتعدّى إهانات أو خسائر تسبّبت بها أزمة الغواصات مع أستراليا، ويمتدّ الأمر إلى مستقبل الآصرة الأطلسية التي تبدو ضمن الأسئلة الكبرى التي تواجهها أوروبا بعد عهد ميركل.

لا يتوقّف الأمر عند إعلان القيادة الفرنسية قبل سنوات أنّ حلف شمال الأطلسي دخل "في حالة موت سريري"، فواقع الحال أنّ "الناتو" تلقّى ضربات معنوية موجعة خلال عهد ترمب الذي واصل تذكير الأوروبيين بأنّ بلاده تحميهم وأنّ "عليهم أن يدفعوا" مقابل ذلك بزيادة حصتهم من الإنفاق العسكري. لعلّ الضربة الأكبر جاءت بعد إخفاق تجربة احتلال أفغانستان التي امتدّت عقديْن كامليْن. جازفت أوروبا بالانجرار خلف التهوّر الأمريكي وتورّطت في متاهة عسكرية فائقة الكلفة البشرية والمادية دون أن تجني مكتسبات تُذكَر. ثمّ قرّر الأمريكيون التملّص من الورطة الأفغانية بصفة انفرادية تاركين شركاءهم الأوروبيين أسرى الحيرة والذهول والإقلاع الفوضوي من مطار كابول.

سقطت في أفغانستان رهانات أطلسية، منها ما عوّل على تحميل أعباء الميدان على أكتاف قوات محلية موالية يجري تشكيلها وتدريبها وتسليحها وتمويلها بسخاء، بعد تجارب التدخّل العسكري الموجعة في فيتنام والصومال التي تميّزت بتكثيف الحضور العسكري المباشر. لكنّ الجيش الأفغاني الذي شكّله المحتلّون انهار في ساعة الحقيقة وتهاوت معه عقيدة نقل الأعباء إلى قوّات محلية تنفذ مهام ميدانية واسعة بدلاً من قوات التدخّل الأطلسي. تشمل عظات الدرس الأفغاني الشركاء الأوروبيين أيضاً، بخاصة فرنسا التي تتميّز برشاقة تدخّلاتها العسكرية في دول الساحل والصحراء والهلال الخصيب. يؤكِّد هذا الدرس المؤلم إلحاح السؤال العسكري المشترك على أوروبا التي ستبحث خياراتها المستقلّة عن الأطلسي في قمّة مرتقبة خلال النصف الأول من العام المقبل (2022) أثناء رئاسة فرنسا الاتحاد الأوروبي، رغم انعدام فرص الاستقلال عن المظلة الدفاعية الأمريكية.

تواجه أوروبا بعد عهد ميركل تحديات أخرى تترتب على معضلات بنيوية في مشروع الوحدة. فقد بقيت أوروبا متفرقة الأهواء في سياساتها الخارجية إلى حد التضارب أحياناً، رغم الانطباع المضلِّل الذي قد تمنحه اجتماعات وزراء الخارجية الأوروبيين أو وجود ممثل أعلى للسياسة الخارجية. وأدّى توسّع الاتحاد شرقاً إلى دخول مقرّبي واشنطن إلى الأسرة الأوروبية وتأثيرهم المباشر على صناعة القرار ضمن سياسة الإجماع المتّبعة. ظهرت من بعد نزعة تمرّد ومناوأة من عواصم وسط أوروبا اضطرت أوروبا إلى رفع هراوة العقوبات في وجه المجر وبولندا.

وتتشكّل في ظلال الصور العائلية التي تجمع قادة الدول والحكومات محاور وجيوب ضمن البيت الأوروبي المتصدِّع، مثلاً بين حكومات تنادي بالتشدد مع طالبي اللجوء، أو بين دول تشرف على سواحل يتدفق بؤساء الأرض عبرها إلى البرّ الأوروبي، أو بين عواصم تطالب بتدابير أمنية تشمل التنصّت على هواتف المواطنين وتطبيقات التواصل في الدول الأعضاء، أو بين قادة معترضين على سياسات اللقاحات الأوروبية، أو غير ذلك من الشواغل التي يستثير بعضها الحمّى الشعبوية التي يُستثمر فيها سياسياً وانتخابياً في ديمقراطيات الوحدة على حساب جودة الأداء السياسي والمصالح الاستراتيجية المؤكدة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً