لاجئيين من إقليم التغراي على إثر عودة المعارك إلى الإقليم  (Ashraf Shazly/AFP)

والمقيدة بالتالي بحرص قوى إقليمية ودولية على استمرار النزاعات في منطقة قوس الأزمات، خاصة أن المنطقة تشهد سيولة أمنية، ووجود سباق محموم من قبل القوى العالمية، مع محاولة التمركز العسكري والأمني والسيطرة على واحد من أهم المعابر المائية في العالم.

بيد أن هنالك متغيرات داخلية في دول الإقليم تلقى بظلالها الخارجية على المنطقة والعالم، في إطار تشابك للرؤى، وتداخل للمصالح فتصعب التسويات السياسية والأمنية.

كل هذه التعقيدات أدت إلى صعوبة تسوية النزاعات في هذه المنطقة، فأزماتها العميقة تحتاج إلى إرادة سياسية واستقلال في القرار لا يتوفر لدى حكام الإقليم، فغالبية دول المنطقة تعانى من مشكلات هيكلية، كما في الصومال وجيبوتى وإريتريا وإثيوبيا والسودان. ولا يهم بعض قادة هذه الدول تنمية واستقرار بلدانهم، بقدر ما يهمهم عدم اهتزاز الأرض من تحت أقدامهم، أو تبني تصورات تتصادم مع رؤاهم وحلفائهم الدوليين الذين يتدخلون بشكل مباشر في صراعات الإقليم من أجل حماية مصالحهم.

الانتخابات الإثيوبية ومخاطر التمزق الداخلي

أسفرت الانتخابات التي جرت في إثيوبيا في 21 يونيو/حزيران الماضي عن فوز كاسح لحزب الازدهار (حزب رئيس الوزراء آبي أحمد) ولم تكن هذه النتيجة مخالفة للتوقعات، إذ نجح حزب الازدهار في حصد الأغلبية المطلقة في البرلمان الإثيوبي، واستطاع الفوز بنحو 410 مقاعد من إجمالي 436 مقعداً في الجولة الأولى من الانتخابات.

وبرغم هذا الفوز العريض فإن هذه النتائج حملت في طياتها بوادر أزمات قد تعمق من أزمات البلاد المنقسمة أمنياً وسياسياً، حيث يعزز فوز الحزب الحاكم من شرعية آبي أحمد وما يرتبط بها من زيادة إحكام سيطرته على المشهد السياسي في إثيوبيا، والتخلص من خصومه السياسيين الذين ينتقدون سياساته ويشكلون عائقاً أمام تحقيق تطلعاته السياسية.

وربما تلعب نتائج تلك الانتخابات دوراً في محاولة حشد الدعم السياسي لحكومة آبي الجديدة لمجابهة حزمة التحديات التي تنتظرها.

ولرئيس الوزراء آبى أحمد، الذى من المنتظر أن يشكل حكومة جديدة قبل نهاية العام ولمدة خمس سنوات قادمة، مشروع سياسي مثير للجدل والخلافات، وهو نظام تلوح معالمه في الأفق بعد حسم الانتخابات التشريعية كونها تمثل محطة محورية في سبيل المضي قدماً نحو تنفيذه.

ويتمحور مشروعه حول الانتقال من النظام الفيدرالي إلى الدولة المركزية، وما يمكن أن يصاحبه من إجراءات مثل: تغيير الدستور والتحول للنظام الرئاسي بدلاً من البرلماني لتركيز المزيد من السلطات في يد السلطة المركزية (آبي أحمد) على حساب تقليص سلطات الأقاليم الإثيوبية. وهو ما قد يدفع نحو مزيد من تدهور العلاقات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم والقوميات الإثيوبية المختلفة.

الحرب في إقليم التيغراى

تسارعت الأحداث بصورة دراماتيكية في الإقليم بعد الانتصارات التي أعلنها الجيش الإثيوبي ودخوله مدينة مقلى عاصمة الإقليم في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، صاحب ذلك إعلان رئيس الوزراء انتهاء التمرد والسيطرة على الإقليم الذي تمرد على قرارات رئيس الوزراء آبي أحمد القاضية بتأجيل الانتخابات بسبب جائحة كورونا، وأديرت المعركة وقتها بسرية تامة بعيدة عن أعين الإعلام والمنظمات.

ولكن سرعان ما تكشفت فظائع تلك الحرب وتكلفتها الإنسانية الباهظة، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، حيث خلفت أكثر من 100 ألف لاجئ، وما تزال أزمة الإقليم مستمرة في وقت يتدفق فيه المزيد من اللاجئين إلى السودان.

ولقد شاركت القوات الإريترية في الحرب لصالح الدولة الإثيوبية ضد التيغراى في واحدة من أسوأ صراعات الإثنيات في المنطقة. وكانت إريتريا قد قادت حرباً شرسة ضد حكومة رئيس الوزراء الأسبق ميلس زيناوى في الفترة من 1998م إلى 2000م انتهت دون تحقيق مكاسب على الأرض بضغط من المجتمع الدولي.

واستطاع رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد أن يوقع اتفاقية مصالحة بين الدولتين بعد عام من توليه رئاسة الوزراء في إثيوبيا في عام 2018، منح على إثرها جائزة نوبل للسلام لمجهوداته في توقيع السلام، إلا أن صورته تلك اهتزت تماماً لدى أصدقائه الغربيين ومنظمات حقوق الإنسان بعد الحرب التي شنها ضد إقليم التيغراى. وحري القول إن الانتخابات التي جرت في إثيوبيا في 21 يونيو/حزيران 2021م لم تجر في الإقليم، والذي يمثل بـ32 مقعداً في البرلمان لأسباب أمنية، كما صنف البرلمان جبهة تحرير التيغراي كمنظمة إرهابية لا يحق لها العمل السياسي.

وفي الوقت الذي يستعد آبي أحمد للاحتفال بنجاحه في اكتساح الانتخابات انقلبت الأمور في شمال إثيوبيا رأساً على عقب، عندما تمكنت جبهة "تحرير تيغراي" من تكبيد الجيش الإثيوبي والقوات الموالية له خسائر فادحة، وطردهم من عاصمة الإقليم الذي يشهد نزاعاً مسلحاً منذ 8 أشهر.

أعلنت أديس أبابا وقف إطلاق النار من جانب واحد وسحب قواتها من الإقليم، وقد رفضت إثيوبيا كل الوساطات الإقليمية من أجل إيجاد تسوية لقضية الإقليم، بما فيها وساطة الخرطوم، ووصفت الخرطوم بعدم الحياد، واحتلال أراضٍ إثيوبية، في إشارة إلى منطقة الفشقة، الأمر الذي اعتبرته الخرطوم اتهاماً غير صحيح ولا يخدم مصالح البلدين وقامت يوم الأحد 8 أغسطس/آب باستدعاء سفيرها لدى أديس أبابا للخرطوم للتشاور، في تصعيد جديد لحالة التوتر في المنطقة. يحدث هذا في وقت تحرز فيه جبهة تحرير التيغراي تقدماً على الأرض، وتتفاقم فيه قضية اللاجئين.

تظل منطقة القرن الإفريقي رقماً مهماً في معادلة صراع الدول الكبرى، لما تتمتع به المنطقة من أهمية سياسية واستراتيجية تجعل التنافس ومحاولة السيطرة على منافذ المنطقة عامل توتر أكثر منه عامل استقرار.

وتغذى هذه التعقيدات الصراعات العرقية في المنطقة خاصة في إثيوبيا وإريتريا، والتنافس على الحدود البحرية الذي فجر الحرب في عام 1998 بينهما، والنزاع البحري بين إريتريا وجيبوتى، وقضية سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، وقضية منطقة الفشقة، وقضايا أخرى في داخل هذه الدول أكثر تعقيداً، تجعل المنطقة قابلة للتوترات والنزاعات في أي لحظة في غياب المشروعات الوطنية القائمة على التنمية والاستقرار والحكم الرشيد، والمشروعات الإقليمية التي تعزز التعاون بين دول المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً