منذ أيام، تَفقَّد ما يقارب تسعة وثمانين مليون مستخدم لموقع التغريدات المصغَّر تويتر حساباتهم ليجدوا أن الحساب الأشهر على تويتر والذي يتابعونه منذ سنوات قد اختفى تماماً، وتم حظره نهائياً بقرار من إدارة الموقع.

تسعة وثمانون مليوناً هو عدد متابعي حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تويتر، إذ كان ترامب يتواصل عبر هذا الحساب مع أنصاره ومعارضيه على سواء. ولكن صراعه مع تويتر قد وصل أخيراً إلى محطته الأخيرة.

خلاف الرئيس الأمريكي مع تويتر لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج شهور من التصعيد بين الطرفين. ففي 28 مايو/أيار 2020، وقّع ترامب قراراً رئاسياً بخصوص تنظيم عمل مواقع التواصل الاجتماعي، ورفع من داخل البيت الأبيض صورة لغلاف صحيفة نيويورك بوست مكتوباً عليها "وزارة تويتر"، في إشارة إلى رؤية ترامب المستمرة لموقع تويتر بأنه بات سلطة فوق السلطة وبأنه يعمل من أجل مصالح سياسية لا تخدم حرية التعبير.

بدوره تحرك جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لموقع تويتر، ضد ترمب، ومع الأيام الأولى لحملته الانتخابية وبدء إطلاق ترامب لتهم تتعلق بتزوير محتمَل للانتخابات، وضع تويتر للمرة الأولى تحذيراً تحت تغريدات ترمب تشير إلى أن "هذه التغريدة تحمل ادّعاءً غير صحيح"، وتَطوَّر الأمر بعدها بأسابيع في أثناء ذروة العملية الانتخابية، ليضع تويتر تحت كل تغريدة من تغريدات ترامب عبارة تشير إلى أن ما يدّعيه ترامب من تزوير هو أمر كاذب.

يظلّ كل ما سبق في إطار مقبول من الشد والجذب، من التصعيد والتصعيد المضادّ بين رئيس أكبر دولة في العالم وأحد أشهر مستخدمي تويتر، وعملاق من عمالقة مواقع التواصل الاجتماعي في العالم والمنصة النخبوية الأهمّ التي تجذب كبار الساسة والرؤساء ورجال الأعمال والصحفيين من كل أنحاء العالم.

ولكنّ تطوُّر الأحداث بعد تغريدات ترامب قُبيل اقتحام الكونغرس الأمريكي ثم أحداث العنف والقتل التي حدثت للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي بهذا الشكل، كل هذا أدّى إلى قيام تويتر بحظر حساب ترامب نهائياً كي يغلق صفحة تغريدات ترامب ويفتح صفحة أخرى من القلق والشكوك حول مصير حرية التعبير إذا ما تُرك القرار في ما يخصّها لأصحاب الشركات الكبرى مثل تويتر وفيسبوك.

نشر الأخبار الكاذبة، والتحريض على العنف، والتعليقات التي تمثّل انتهاكاً للعرق أو الدين أو الجنس أو اللون، وسرقة محتوى ونشره دون احترام حقوق الملكية، كلها جرائم إلكترونية يحاسبك عليها تويتر ويرسل إليك رسائل تنبيهية ثم يتخذ قراراً بحظر حسابك إن خالفتها مرة أخرى، ولكن السؤال هنا ومنبع القلق، وهل يلتزم تويتر تلك المعايير مع الجميع أم أن الأمر يتعلق ببعض الحسابات السياسية والاقتصادية التي تختار بشكل انتقائي؟

هل هناك شيك مفتوح من موقع تويتر باسم حرية التعبير؟ وهل يمكن القول إن إدارة تويتر بالفعل تلتزم هذا الأمر في كل مكاتبها الإقليمية؟ ما يجعل هذا السؤال مشروعاً هو أن مكتب تويتر الإقليمي في دولة الإمارات على سبيل المثال، متّهَم في مرات عديدة بحذف هاشتاغات بعينها تمسّ بعض رؤساء وأمراء وملوك بعض الدول العربية، تلك الهاشتاغات في بعض الأحيان تجاوزت ملايين التغريدات، ثم استيقظ مستخدمو تويتر ليجدوا أن هذا الهاشتاغ قد تم حذفه مباشرة. المثير للدهشة أن جل تلك الهاشتاجات حمل لهجة معارضة لبعض الأنظمة العربية.

الأمر الآخر المثير للقلق، هو أن منح تلك الشركات مثل تويتر حقّ الحذف والإضافة والتقييم يجعلها بمثابة القاضي أو الحكومة التي تستطيع بضغطة زر إسكات صوت هذا ورفع صوت ذاك.

قد يقول البعض إن هذا حق مُلّاك تلك الشركات ما دامت شركة خاصة، وما دمتَ كمستخدم قد وافقت على شروط تلك الشركة فلا يحق لك الاعتراض على سياساتها، وإن اصطدمت بما تكتب. الأمر في رأيي لا يمكن أن يمر بهذا الشكل، فحرية التعبير هنا هي أساس الأمر، ولو قالت إدارة تويتر إن هذا حق أصيل من حقوقها كشركة خاصة فأتوقع حملة انسحابات كبيرة في غضون ساعات من قبل مستخدمي هذه الخدمة.

وجهة النظر الأخرى، وهي منطقية أيضاً إلى حد بعيد، أنه لا بد من وجود رقيب على تلك الخدمات، وكون إدارة تويتر حجبت حساباً وصل عدد متابعيه إلى مئة مليون متابع احتراماً للآخرين ولوقف نشر خطاب الكراهية والتحريض على العنف، فهذا تحرك إيجابي من تويتر ومؤشّر جيد أنها لا تعبأ كثيراً، لا بعدد متابعين ولا بقوة أو منصب صاحب الحساب، بل هي تحترم قواعد وإجراءات أعلنت عنها منذ اليوم الأول.

الخوف الآن كل الخوف أن تتحول قواعد تويتر إلى سهام تخدم أحزاباً سياسية في دول مختلفة، وأن يتم استخدام قيود تويتر في شيطنة بعض ما يكتبه المعارضون هنا وهناك.

هناك خيط رفيع للغاية بين تقييد حرية التعبير ومحاربة خطاب الكراهية والعنف، فعلى تويتر أن ينتبه حتى لا ينقطع هذا الخيط.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي