من أذربيجان إلى ليبيا وسوريا وقطر، لقد أثبتت تركيا أنها الحليف الأكثر موثوقية في المنطقة، حتى باتت السياسة الخارجية التركية الأكثر تفضيلاً لدى الرأي العام العربي وفق أحدث استطلاعات للرأي.

لم تكن أخبار تحرير الأراضي الأذربيجانية المحتلة في إقليم قره باغ لتمر علينا نحن العرب، والفلسطينيين منهم على وجه التحديد، مرور الكرام. لقد وقف الكثير منّا ينظر إلى هذا الحدث الكبير بنظرات لا تخلو من العجب حيناً، ومن الحسرة والضيق حيناً آخر. فهذه أرض محتلة قد تم تحريرها بعد طول احتلال من خلال استعمال القوة، الأمر الذي يذكرنا نحن بشعار لطالما كبرنا عليه بأن "ما أخذ بالقوة لا يسترد بالقوة"، ولتشابه الحالة في قره باغ مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية من ناحية أن كليهما من النوع الاستيطاني الاحتلالي، قد تجدد لدينا الأمل، رغم كل المعضلات التاريخية والجيوسياسية التي تحيط بالقضية الفلسطينية، بأن الاحتلال في آخر المطاف لا بدّ زائل، وكل ما نحتاجه هو دعم حقيقي من الأشقاء لتحقيق هذا الهدف، ومن هنا يكون مصدر الضيق، حيث يعمل الأشقاء على التطبيع مع العدو "إسرائيل" من ناحية، وشيطنة الفلسطينيين من ناحية أخرى.

لقد تضافرت عدة عوامل جوهرية في تحقيق هذا الاختراق التاريخي في قره باغ. فقد تضاءلت على مدار العقود الثلاثة السابقة، وهي مدة الاحتلال الأرميني للإقليم، الحلول السياسية والمبادرات الدبلوماسية. فمجموعة مينسك لم تقم بواجبها في حل النزاع، وما قامت به فعلياً هو إطالة أمد الاحتلال، حتى ليخيل للمراقب بأن الأوضاع استقرت على ما هي عليه، وبحكم الأمر الواقع فلا ينبغي تغيير الحقائق على الأرض نظراً للتكلفة الإنسانية والمادية التي قد تنجم عن ذلك. إن تضاؤل المشروعية السياسية والدبلوماسية قد فتح الطريق واسعاً إلى اللجوء إلى الحلول العسكرية.

إذن كان اللجوء إلى الحل العسكري مدفوعاً بتضاؤل مشروعية الحل السياسي من ناحية، وتضافر الشرعية الأخلاقية لأصحاب الأرض الذين رغم وقوعهم تحت الاحتلال لم يسلموا من التعرض للاعتداءات المتتالية من القوات الأرمينية. عزز هذا التضافر من رفع الروح المعنوية لدى الأذربيجانيين لاتخاذ القرارات الصعبة، والذهاب نحو الحل العسكري كملاذ أخير لتحرير أراضيهم المحتلة.

على أن العامل الحاسم الذي غير المعادلة، وقلب موازين القوة على الأرض، والذي منح الأذربيجانيين الثقة الكبيرة بتحركاتهم هو الدعم الذي قدمته تركيا. لقد منحت تركيا أذربيجان شيكاً مفتوحاً على بياض تجاه أشكال الدعم كافة، من الدعم الدبلوماسي الذي منح أذربيجان غطاء سياسياً لتحركاتها خصوصاً ضد الضغوطات التي كانت تتعرض لها من قبل الغرب، خصوصاً من فرنسا، إلى الدعم العسكري الذي تمثل بالعامل الفارق الذي أحدثته الطائرات من غير طيار التركية الصنع في أرض المعركة، إلى الدعم المعنوي من خلال منظومة من الحرب الإعلامية. ويكفي النظر إلى الصورة التي أصبحت أيقونة الحرب لجندي أذربيجاني يصافح جندياً تركياً بطريقة استعراضية تظهر التكاتف بينهما والقوة.  

لقد وضع الدعم التركي لأذربيجان منذ البداية ضمن إطار وحدة المصير بين شعب واحد في بلدين. فلم يكن الدعم التركي مبنياً على حسابات سياسية ضيقة، ولا جيوسياسية براغماتية، ولا مصلحية منفعية قصيرة المدى، بل كان دعماً أخوياً، جوهره تحقيق العدالة لشعب عانى من الظلم والاحتلال على مدار أكثر من ثلاثين سنة. وإن كانت الحسابات المادية ليس بعيدة، حتى نكون واقعيين، ولكنها بقيت في الخلفية، في حين كانت الدوافع الأخوية والأخلاقية هي المهيمنة. وقد ظهر ذلك من خلال الحرص التركي على إظهار أذربيجان كقوة مُكافئة لها وليست تابعة، على سبيل المثال. كانت تركيا حريصة على إظهار أن هذا الإنجاز هو إنجاز أذربيجاني أولاً وأخيراً. وهذا الأمر عزز من ثقة الأذربيجانيين بإخوتهم الأتراك، وعزز من مكانة تركيا وهيبتها كحليف يمكن الوثوق به.

تركيا أذربيجان
تركيا أذربيجان ()

إن المكانة أو الهيبة (Prestige) لدى الدول تعتبر واحدة من أبرز عوامل القوة والتأثير. وهي من العوامل التي يتم بناؤها من خلال صدق المواقف، ووضوح المنهج، والعمل المتواصل، والبناء التراكمي لرأس المال الأخلاقي. ولقد كان انعكاس ذلك واضحاً في سياسة تركيا الخارجية في السنوات الأخيرة. فبالإضافة إلى دعمها السخي لأذربيجان، قامت بدعم الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس ليبيا، الأمر الذي منحها القوة لدحر قوات الانقلابي خليفة حفتر وداعميه، وأنقذ أهل طرابلس من مجزرة محققة، كما أنها وقفت مع قطر وقفة جادة وأرسلت قواتها إلى هناك، وذلك في رسالة قوية ضد دول الحصار (السعودية والإمارات والبحرين) حتى لا تتمادى في مخططاتها التي وصلت إلى حد التفكير جدياً في احتلال قطر وإسقاط النظام فيها، هذا فضلاً عن تحركات تركيا في سوريا من خلال حماية إدلب من مصير دموي محتوم كادت أن تقع به على يد قوات النظام وداعميه.

لذلك لم يكن غريباً أن تحظى تركيا في نظر المواطن العربي، على سبيل المثال، باحترام وتقدير، بل ثقة في سياستها الخارجية. فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"أن السياسة الخارجية التركية هي الأكثر تفضيلاً لدى الرأي العام العربي، على عكس كل من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران التي يرون أنها دول تهدد السلم والأمن في المنطقة.

هذا النموذج الذي ترسخه تركيا في سياستها الخارجية، يقع على النقيض من نماذج أخرى في المنطقة ترسخها كل من السعودية والإمارات من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالنموذج الأول لا يسعى فقط للتخريب بل لإحداث الفوضى أيضاً، أما النموذج الثاني فيسعى إلى خلق الولاءات والاتباع. طبعاً لا يعني هذا إهمال نموذج آخر تمثله إسرائيل واحتلالها المباشر للأراضي العربية. وهو النموذج الذي لا يختلف على سوئه أحد، إلا ربما فريق المطبعين العرب الجدد، الذين باتوا يرون في إسرائيل قدوتهم المثلى. 

فالنموذج السعودي الإماراتي يظهر بشكل جلي في اليمن الذي سارع التحالف "العربي" إلى محاولة إعادة الشرعية بعد الانقلاب الذي قادته جماعة الحوثي. ولكن وبعد ما يقرب من خمس سنوات من الحرب، لم يحدث شيء إلا أن تمزق اليمن، وبات أقرب إلى التقسيم، ولم يحدث أن تنحى "الحوثي" أو خرج من العاصمة، هذا فضلاً عن العار الذي لحق بالرئيس اليمني الشرعي عبد ربه هادي منصور الذي لم يعد قادراً على السفر إلى عاصمة دولته المؤقتة عدن بعد أن سيطرت عليها المليشيات المدعومة من الإمارات. والأمر في ليبيا لا يقل سوءاً عن اليمن، فقد دعمت الإمارات الانقلابي خليفة حفتر بالمال والسلاح والمرتزقة، الأمر الذي أوصل المسار الدبلوماسي في البلاد إلى طريق مسدود، وأوقع البلد في حرب أهلية كادت أن تودي بالسلم الأهلي. 

لقد باتت تركيا تحقق نفوذاً مهماً في المنطقة، وهو نفوذ بنّاء يصب في مصلحة المنطقة ككل. فالمنطقة التي تعاني من حالة واسعة من الهشاشة، وعدم الاستقرار، تحتاج إلى قوة تتمتع بالنفوذ والاستقرار لكي تعمل على إحداث نوع من التوازن. وهذا بطبيعة الحال ما تقوم به تركيا، وهو على النقيض ممَّا تروج له الآلة الدعائية لمحور المطبعين العرب الذي يحاول أن يصور تركيا وكأنها دولة استعمارية، معززين روايتهم بتفسيرات مشوهة لتاريخ الدولة العثمانية بالمنطقة، غاضين الطرف عن المشاريع الاستعمارية الحقيقية في المنطقة، والتي تعمل ليل نهار على تمزيقها وتشرذمها على رأسها المشروع الصهيوني. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.     

المصدر: TRT عربي