لا تستطيع إدارة ترمب لم شعث نفسها عندما يتعلق الأمر بالسياسة الأمريكية الخارجية. وترسل عدم القدرة على التوقع بما سيصدر عن البيت الأبيض بشكل مستمر موجات من الصدمة في جميع العالم. تعد تغريدات ترامب في ديسمبر/كانون الأول حول سوريا مثالاً واضحاً لذلك.

والأسبوع الجاري، ينشغل كبار المسؤولين في الإدارة بالسفر إلى الشرق الأوسط في جهد ضخم لطمأنة أصدقاء واشنطن أنَّ الولايات المتحدة ما تزال ملتزمة بهزيمة ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، ومقاومة إيران وحماية حلفاء أمريكا. لكن لا يشعر جميع حلفاء أمريكا بارتياح كبير من خطاب وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الامن القومي جون بولتون.

ومن الواضح أنَّ لدى الإدارة الأمريكية أزمة مصداقية كبيرة تقوض المصالح الحيوية لواشنطن في الساحة العالمية، والصراع السوري أبرز مثال على ذلك.

في الثامن من شهر يناير/كانون الثاني، رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشدة تصريحاً أدلى به بولتون في اليوم السابق في إسرائيل. إذ أعلن أردوغان أنَّ بولتون قد ارتكب "خطأ كبيراً" عندما تعهد بضمان عدم اعتداء أنقرة على "الأكراد" في أعقاب الانسحاب العسكري الأمريكي المخطط من شمالي سوريا.

وبطبيعة الحال، فعندما استخدم بولتون لفظ "الأكراد" فإنه كان يشير فحسب إلى الميليشيات المدعومة أمريكياً، وحدات حماية الشعب، الفرع السوري من جماعة حزب العمال الكردستاني الإرهابية، وهي الوحدات التي كانت تحكم أجزاء من شمال سوريا منذ يوليو/تموز 2012 وتتلقى دعماً أمريكياً منذ 2014/2015.

من الواضح أنَّ لدى الإدارة الأمريكية أزمة مصداقية كبيرة تقوض المصالح الحيوية لواشنطن في الساحة العالمية، والصراع السوري أبرز مثال على ذلك.

جورجيو كافييرو

وتشير كلمات أردوغان الحادة، التي أدلى بها في اجتماع لمجموعة برلمانية من حزب العدالة والتنمية في الجمعية الوطنية الكبرى في العاصمة التركية، إلى القلق المتزايد لأنقرة إزاء دلائل تشير إلى أنَّ الولايات المتحدة ربما تتراجع عن خططها بسحب قواتها من شمالي سوريا، حسبما أعلن ترامب الشهر الماضي.

وعلاوة على ذلك، فإنَّ انتقاد الرئيس التركي لتصريح بولتون كان متعلقاً بالإيعاز إلى إدارة ترامب أنَّ أنقرة ترى لغة القيادة الأمريكية غير حساسة بشكل لا يصدق تجاه مصالح الأمن القومي التركية في وقت تدرس فيه أنقرة عملاً عسكرياً محتملاً في شمالي سوريا لمحاربة وحدات حماية الشعب. وقبل ذلك بعدة أيام، تسببتتصريحات بومبيو بـ"عدم ذبح الأكراد" في استجابة مماثلة من أنقرة.

يزعج الاستخدام المستمر لهذه اللغة من إدارة ترامب تركيا بشكل كبير ويقنع المسؤولين في أنقرة أنَّ الولايات المتحدة ما تزال غير ملمة بمعضلات الأمن القومي التركي.

وتعني كلمات بولتون أنَّ تركيا ينبغي لها أن تتجنب شن عمليات عسكرية ليست "بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة وبموافقة منها على الأقل، لئلا يعرضوا قواتنا للخطر" بقوة أنَّ الشراكة بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب ربما تستمر في أن تكون قضية من قضايا الخلاف طويل الأمد في العلاقات بين أنقرة وواشنطن على الرغم من التحسنات الصحية في مجالات أخرى من القضايا الثنائية بداية من أواخر عام 2018.

وترى تركيا، مثلها في ذلك مثل جميع الدول في المنطقة، سياسات إدارة ترامب في سوريا مربكة للغاية. فأحد المظاهرة المتسقة، على ما يبدو، في نهج الإدارة حيال الشرق الأوسط منذ بداية رئاسة ترامب، كان التركيز المستمر على السلوك الخبيث لإيران وحاجة واشنطن وحلفائها لمواجهة نفود طهران الإقليمي. ومع ذلك، فإنَّ تصريح الرئيس بأنَّ إيران يمكنها أن تفعل ما يحلو لها في سوريا يتناقض تماماً مع تصريحاته السابقة حول تحدي طموحات الجمهورية الإسلامية في سوريا.

انتقاد الرئيس التركي لتصريح بولتون كان متعلقاً بالإيعاز إلى إدارة ترامب أنَّ أنقرة ترى لغة القيادة الأمريكية غير حساسة تجاه مصالح الأمن القومي التركية.

جورجيو كافييرو

ومما لا شك فيه، أنه على الرغم من تقلب الإدارة الأمريكية وافتقارها إلى رؤية متماسكة وواقعية للسياسة الخارجية لواشنطن في الشرق الأوسط، فإنَّ تركيا سوف تستخدم زيارة بولتون إلى أنقرة بوصفها فرصة للتأكيد على المخاوف الأساسية لتركيا.

وكما ورد في آخر مقال رأي لأردوغان نشر في صحيفة New York Times الأمريكية، فإنَّ الحكومة التركية حازمة في تأكيدها للعالم أنها جاهزة لتحمل الأعباء الثقيلة للمسؤولية عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الأخطار التي تشكلها فلول داعش. وعلى النقيض من حلفاء الولايات المتحدة الآخرين، فبإمكان تركيا الإشارة إلى تضحيات كبيرة قدمتها في النضال ضد داعش في سوريا، وهو ما فعله أردوغان عندما أشار إلى حملة الباب الدموية لعامي 2016/2017 في مقاله المذكور.

والنقطة الحاسمة التي سوف تستمر تركيا في التشديد عليها لمسؤولي إدارة ترامب أنَّ القيادة التركية تقبل تحديات العمل مع شركاء في سوريا وخارجها لضمان عدم عودة الظروف التي سمحت في السابق بصعود داعش، وأنَّه ببناء الدولة وإعادة إعمار البلاد المدمرة فحسب يمكن للسلام والاستقرار العودة إلى سوريا بعد الانسحاب العسكري الأمريكي.

وكتب أردوغان: "تقترح تركيا استراتيجية شاملة للقضاء على الأسباب الجذرية للتطرف. نريد ضمان عدم شعور المواطنين بالانفصال عن الحكومة، وألا تستغل الجماعات الإرهابية مظالم المجتمعات المحلية، وأن يستطيع الناس العاديون الاعتماد على مستقبل مستقر".

ومع نية تركيا التنسيق عن كثب مع واشنطن بخصوص الانسحاب العسكري الأمريكي المخطط، فمما لا شك فيه أنَّ الرسائل المربكة من البيض الأبيض سوف تستمر في إزعاج أنقرة.

ولا شك أنَّ السياسة الخارجية الأمريكية في الحقبة الترامبية غير مسبوقة وخطيرة باعتبارات لا حصر لها، لا سيما فيما يخص هذه الدينامية الجديدة التي لا يعرف فيها حلفاء واشنطن إذا ما كان القائد الأعلى للولايات المتحدة، أو وزير الخارجية، أو رئيس البنتاغون، أو كبار مستشاري الرئيس يتكلمون بصدق نيابة عن الحكومة الأمريكية.

ومع وضع تركيا خططاً للتعامل مع التحديات الأمنية التي قد تنشأ في أعقاب انسحاب القوات الأمريكية، فينبغي أن يكون ثمة تخمين مستمر في أنقرة حول المسؤول الأمريكيين الذين ينبغي تصديقهم في مقابل من ينبغي تجاهلهم، وذلك عندما تصبح التصريحات من إدارة ترامب متناقضة، كما هو الحال في كثير من الأحيان.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي