بعد زيارة جاوش أوغلو، وزير خارجية تركيا، للجزائر يوم الثلاثاء 7 كانون الثاني، تصاعدت تساؤلات حول إمكانية التعاون بين البلدين لوقف التصعيد العسكري الخطير الذي تعرفه الساحة الليبية.

وقد زاد من احتمالات تحقق هذه الفرضية تزامنُ تلك الزيارة مع الدعوة التي وجهها الرئيس تبّون لنظيره التركي للقيام بزيارة إلى الجزائر، ثمّ تصريح الرئاسة الجزائرية أنّ "طرابلس خط أحمر".

وكان لافتاً للانتباه أنْ تُسارع المستشارة الألمانية، في نفس اليوم للاتصال بالرئيس الجزائري الجديد ودعوته لحضور مؤتمر برلين حول ليبيا، علماً أنّ الجزائر كان قد تمّ إقصاؤها من اللائحة الأولى للدول المشاركة. ثمّ ما لبثت أن تحولت العاصمة الجزائرية إلى قبلة لوزراء خارجية كلّ من إيطاليا ومصر يوم الخميس الماضي، وهو ما يدفع للتساؤل عما إذا كانت هذه الخطوات العربية والأوربية تهدف إلى ثني الجزائر عن تقديم تسهيلات للتدخل التركي.

ويعتبر الاجتماع الخماسي المنعقد في القاهرة يوم الأربعاء بين وزراء خارجية كلّ من اليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا بالإضافة إلى زميلهم المصري سامح شكري، إشارة أخرى قد تعزز هذا الطرح؛ فقد صدر بيان عن هذا الاجتماع يهاجم الاتفاق الموقع في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2019 بين تركيا والحكومة الليبية المعترف بها دوليا. 

وعاد وزير خارجية فرنسا إلى التأكيد على ذلك عقب زيارته لتونس في اليوم الموالي لاجتماع القاهرة. وهو ما جعل هذه التحركات تبدو وكأنها سباق محموم لتطويق وعرقلة التدخل التركي لدعم الحكومة الشرعية في ليبيا. فهل ستنحاز الجزائر إلى الجانب التركي أم انها ستبقى على حيادها السلبي؟ 

أكيد انّ صناع القرار في الجزائر يقدرون قيمة تقاربهم مع تركيا، والذي كان سبباً مباشراً في عودة الجزائر إلى الساحة الدولية، ورفَعَ عنها العزلة الدبلوماسية على إثر اندلاع الحراك الشعبي.

ومن هذا المنطلق ستسعى الجزائر إلى الحفاظ على هذا المكسب الاستراتيجي ولو بالمناورة بين الأطراف المتدخلة في الملف الليبي؛ فهي تدرك أنّ تركيا ليست لها حدود بريّة مع ليبيا، وهي بحاجة إلى نقطة ارتكاز في جوارها المباشر لتأمين تدخل قواتها وحماية ظهرها إذا تطورت المعارك على الأرض. 

وبعد رفض تونس للعب هذا الدور لم يبق أمام أنقرة غير البوّابة الجزائرية، لذلك من المُتوقع أن تستخدم الجزائر هذه الورقة إلى أبعد حدود لضمان موطئ قدم لها في ليبيا في أي سناريو دولي سيتم تنفيذه من طرف القوى العظمى؛ وهذا ما أشار إليه الرئيس الجزائري في خطاب التنصيب "بأنّ الجزائر لن تقبل إقصاءها في تسوية النزاع الليبي".

ولكن هذا لا يعني بحالٍ تحالفاً مع تركيا أو تدخلا عسكريا في ليبيا، فالجزائر دائماً ما تلعب ورقة الدستور الذي يمنع الجيش الجزائري من التدخل خارج حدوده؛ وإن كان ذلك لم يمنعها من تقديم تسهيلات للطيران الحربي الفرنسي لعبور الجزائر واستعمال مطاراتها العسكرية عند الضرورة خلال تدخل القوات الفرنسية شمال مالي سنة 2013. 

كما إنّ من بين الأطراف العربية التي تدعم الجنرال خليفة حفتر عسكريا وسياسياً توجد الإمارات العربية المتحدة، وهذه الأخيرة لديها تعاون عسكري واقتصادي مع الجزائر، وتجمعهما مصالح كبيرة يصعب تشطيبها بجرّة قلم. ويكفينا أن نشير إلى وجود استثمارات إماراتية بالجزائر تناهز اثني عشر مليار دولار، جزءٌ منها مُوجّه لإنتاج عتاد حربي ومدرعات وحتى طائرات مُسيّرة. وإذا أخذنا في الحُسبان الدّور الإماراتي على الساحة الليبية وفي الثورات المُضادة عموماً، أمْكَننا أن نَجزم بعدم مجازفة الجزائر بهذه الشراكة مع الإمارات. 

وعلى صعيد آخر لا ننسى أنّ روسيا هي المزود الأول للجزائر بالسّلاح، وأكيد انّ هذه الأخيرة ستراعي مواقف موسكو مما يجري في ليبيا؛ ونحن نعلم أنّ روسيا تلعب دوراً مزدوجاً في ليبيا، فهي من جهة تدعم بشكل غير رسمي الجنرال حفتر بالمرتزقة، كما سبق للرئيس بوتن أن استقبل حفتر في الكرملين؛ ومن ناحية أخرى تلعب موسكو الورقة التركية من خلال الإعلان المشترك يوم الأربعاء المنصرم عن مبادرة لوقف إطلاق النار في ليبيا؛ غير أنّ حسابات فلاديمير بوتن جدّ معقدة في تكتيكاته لضرب المصالح الغربية ولا يمكن الوثوق به، وما يجري في مناطق التهدئة في إدلب وشمال سورية غير بعيدٍ عنا رغم العهود والاتفاقات مع أنقرة.

وحتى تكتمل لدينا الصورة لابد من الأخذ بعين الاعتبار كَونَ الاتحاد الأوربي الشريك الاقتصادي الأول للجزائر ويستورد 95% من غازها الطبيعي، وأزيد من 60% من إجمالي الصادرات الجزائرية، وبالتالي لا يمكن التضحية بهذه المصالح إلا إذا كانت هناك مصالح استراتيجية أكبر منها، وهو ما لا يبدو في الأفق المنظور بين تركيا والجزائر.

لذلك كله لا يبدو أنّ الجزائر ستتخلى عن مصالحها مع الأطراف الداعمة للجنرال حفتر، وفي نفس الوقت لن تفرط بشكل رسمي في العرض التركي الذي أعاد إليها وَهَجَها الدّبلوماسي المفقود، وأتوقع أنها ستلعب على الحبلين لتُحقق مزيداً من المكاسب السياسية وربما الاقتصادية دون أن تغامر بالاصطفاف مع أحد الأطراف، خاصة وأنّ الوضع الداخلي مازال غير مستقر في ظل استمرار الحراك الشعبي الذي دخل شهره الحادي عشر دون توقًّف.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي