أردوغان يعلن اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعي بالبحر الأسود وقد يعثر على غيرها (AP)

كما باتت التغيرات التكنولوجية سمة واضحة أثرت في مختلف القطاعات، ففي الوقت الذي منيت غابات تركيا بحرائق غير مسبوقة شهد أحد قطاعاتها الاقتصادية نهضة ملفتة، حيث أعلن مؤخراً عن تدفق الغاز في حقل صقاريا للغاز الذي تم اكتشافه بتقنيات وكوادر محلية صيف عام 2020، الاكتشاف كان قد أشار إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في معرض افتتاحه لمعمل متخصص بمنتجات الطاقة المتجددة في أنقرة.

ويبدو أن شعلة الغاز التي بدأتها تركيا في البحر الأسود أواخر شهر يوليو/تموز ستصبح أكبر مع مرور الوقت، فالطاقة الإنتاجية للبئر المكتشفة تزيد عن مليون متر مكعب يومياً، ويجري الحديث عن استمرار السفن التركية بالتنقيب حيث تعول طواقم هذه السفن على اكتشافات محتملة في الفترة القريبة، في الوقت نفسه الذي تعول فيه تركيا على اكتشافات في البحر الأبيض المتوسط.

كل هذا يلفت أنظارنا إلى الأهمية المتزايدة التي باتت تتمتع بها تركيا في مجال الطاقة، والتي ترتكز إلى ثلاثة عناصر رئيسية، أولها أنها تمثل سوقاً ضخمة للطاقة بثقل سكاني يزيد عن 85 مليون نسمة، وثقل إنتاجي يقترب من ترليون دولار أمريكي، هي مجموع ما تنتجه القطاعات التركية المختلفة خلال عام واحد.

والعنصر الثاني هو موقع تركيا بين آسيا وأوروبا وضمن مواقع إنتاج الغاز الطبيعي والنفط وأسواق تصريفه. والعنصر الثالث هو التقنيات التي باتت تركيا تمتلكها، ممَّا يؤهلها لمزيد من الاكتشافات في مجال النفط والغاز وزيادة الإنتاج في مجال الطاقة المتجددة في المستقبل.

تدفع تركيا سنوياً ما يزيد عن 40 مليار دولار أمريكي ثمناً لمستورداتها من النفط والغاز، وهو مبلغ ضخم نسبياً في سوق الطاقة فالرقم يقارب صادرات السعودية غير النفطية على أساس سنوي، ويزيد عن 12% من تجارتها النفطية لعام 2019 على سبيل المثال، أي إن سوق الطاقة في تركيا تمثل فرصة كبيرة للمستثمرين الدوليين ليس في مجال التصدير وحسب ولكن في مجال الإنتاج والتوزيع والترشيد وكذلك تطوير البدائل المتجددة، فتركيا تستورد سنوياً ما يزيد عن 47 مليون طن من النفط الخام، إضافة إلى 45 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

لقد ارتفعت قدرات البلاد في مجال الطاقة المتجددة بشكل ملحوظ، حيث أسهم هذا النوع من الطاقة في تأمين نصف احتياجات قطاع الكهرباء في 2020 بعد أن كانت تمثل أقل من 30% في 2014.

فقد باتت تركيا تستثمر في مشاريع الطاقة المتجددة من طاقة شمسية وكهرومائية وطاقة الرياح أكثر من أي وقت سابق، وقد ساهم تنوع الطبيعة واتساع الرقعة الجغرافية في تطوير هذا التنوع، كما تستغل البلاد مخزونها المرتفع من الفحم لتوليد الكهرباء إضافة إلى استثمارها في عدد من مشاريع الطاقة النووية المتوقع دخولها إلى الإنتاج مع 2023 والسنوات القليلة التي تليها.

وقد ساهم الموقع الاستراتيجي لتركيا في تعزيز قدراتها على استقبال الغاز والنفط وتصديره من خلال مرور عدد من الأنابيب الدولية بأراضيها، فتركيا التي تتوزع مدنها على قارتين وتتموضع في جوار نفط العراق حيث تقع الشعلة الأزلية التي اتقدت قبل مئات السنين دون أن تنطفئ، حيث يمر عبرها خط نفط كركوك إلى ميناء تصدير جيهان عبر شواطئ المتوسط، وإلى جانب كل من إيران وأذربيجان وروسيا الدول التي تتمتع بمخزون ضخم من النفط والغاز وتمد أنابيب دولية عبر تركيا لتشكل جسراً نحو أوروبا، تمتلك تركيا روابط مع ستة أنابيب غاز دولية إضافة إلى أنابيب نفط.

كما طورت تركيا من قدراتها على تخزين الغاز عبر عدد من المنشآت الضخمة كمنشأة (توز غولو) في مدينة أق سراي التي تقدر سعة خزاناتها الحالية بـ700 مليون متر مكعب، كما سيضمن لها توسع المنشأة أن تصل إلى 5 مليارات متر مكعب كسعة إجمالية مع انتهاء استكمال كامل خزاناتها.

ويتوقع أن الموقع الاستراتيجي نفسه سيؤهلها لمرور أنابيب غاز شرق المتوسط عبرها، حيث إن دول منتدى شرق المتوسط، وإن كانت قد اتفقت من الناحية النظرية على أن تستثنى تركيا من مرور الأنابيب عبرها نحو أوروبا، إلا أن الحسابات الاقتصادية التي تتعلق بالتكلفة وطول الخط تشير إلى أن من مصلحة هذه الدول مراجعة قراراتها لإدخال تركيا في هذا التحالف، خاصة أن تركيا تنخرط في عمليات تنقيب مستمرة في نفس المنطقة قد تفضي إلى نتائج قريبة.

ورغم أن إنتاج الغاز والنفط في تركيا لم يكن كبيراً قبل 2013 فإن إنتاج 50 ألف برميل من النفط يومياً مثل نقلة للشركات التركية لتحفيزها نحو مزيد من الاكتشافات. فأدخلت تقنية التكسير الهدروليكي التي مكنتها من استثمار الزيت النفطي الموجود في الصخور على عمق بعيد نسبياً، ومع انطلاق الشعلة التجريبية لحقول البحر الأسود فإن الآمال تتحول إلى وقائع بدأتها السفن التركية باكتشافات متتالية ومتواترة ويبدو أنها مستمرة، حيث إن المعرفة المتراكمة للبحر الأسود وترسيم الحدود الواضح كذلك الاكتشافات المتتالية فيه عززت من فرص استثمار هذه الثروات وإضافة المزيد لها خلال السنوات المقبلة، دون استبعاد الكشف عن احتياطات في المياه الإقليمية التابعة لتركيا أو أحد شركائها في البحر المتوسط.

لقد وضعت تركيا لنفسها استراتيجية في مجال الطاقة بدأتها مطلع 2018 يبدو أنها تسير حتى الآن في المسار المخطط له.

فعلاوة على التنقيب والاستثمار في الطاقة المتجددة وخطوط نقل الطاقة وتخزينها نوعت تركيا من سلة موردي الغاز الذين تعتمد عليهم، فخفضت اعتمادها على الغاز الروسي من قرابة ثلثي استيرادها إلى قرابة الثلث خلال السنوات العشر الأخيرة، فيما ارتفع اعتمادها على أذربيجان وقطر اللتين قدمتا لتركيا أسعاراً تنافسية وعروضاً استراتيجية، كما تستورد جزءاً من الغاز من الجزائر وأماكن أخرى في سبيل دراسة الفرصة الأنسب دون أن يشكل ارتكازها إلى مورد واحد بعينه تأثيرات اقتصادية أو سياسية عميقة، هذا قد يحتاج بعض الوقت لينعكس على فاتورة المستهلك النهائي ولكنه عند حصوله سيفيد في دعم الأسعار وتحفيز الإنتاج وتقليل التضخم وبالتأكيد توفير العملة الصعبة، وأيضاً تقليل فجوة عجز الموازنة الحكومية السنوية، أي إننا نتحدث عن آثار واضحة وإيجابية على مجمل الاقتصاد الكلي.

هكذا تبدو الصورة في تركيا اليوم، ففي الوقت الذي تحرق فيه نار الغابات أفئدة المحبين للطبيعة التركية الساحرة، تشعل نار الغاز حماس المترقبين للاستثمار في بلادٍ آخذة في التطور من شهر إلى آخر. ورغم أن آخر هذه التطورات هو شعلة حقل غاز صقاريا الذي يمثل إضافة استراتيجية لسلة عناصر الطاقة التركية، فإنه لا يبدو التطور الوحيد في مجال الطاقة التركية التي صارت محط أنظار الجميع في الآونة الأخيرة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي