رغم التردد الظاهر في عملية تشكيل حكومة تونس على ضوء نتائج انتخابات 2019 وما نراه يوميا من مماحكة وتفاوض مغشوش إلا أنه يمكن التقاط مؤشرات على تغيير بدأ وسيكتمل عبر الممارسة السياسية.

وهو تغيير قادم من أسفل وليس من قبل براعة النخب في القيادة والتوجيه. التغيير في تونس يبدأ من عوام الناس وليس من خاصتهم ويبدو أن هذا سيتحول إلى قانون سوسيولوجي يصلح لتحليل معطيات كثيرة، ويصلح خاصة قاعدة لإعلان سقوط أطروحة المثقف القائد والموجه للجماهير ودولته المركزية. ونرى أن نقرأ هذا على ضوء توفر حرية التواصل الشعبي بعد طول احتكار للنخب لوسائل الاتصال.

الحرية ضد الأيديولوجيا

نصوغ الأمر إذن من زاوية أن الحرية المتاحة سمحت بتحرر الفرد (المجهول) من سلطة المثقف الذي طالما ادعى القدرة على الفهم والسبق في التوقع وبالتالي حيازة موقع القيادة واحتكار المنفعة/ الغنيمة التي يوفرها مقعد في السلطة الحاكمة أو في خدمتها من خارجها بمقابل.

وصل الفرد إلى حريته وامتلك منها الكثير دون تفكير منهجي ولكن بنوع من الحدس العفوي للمصلحة الفردية والعامة. فإذا جمعنا انطلاق الثورة في 2010 من هذا الفرد المجهول دون قيادة نخبوية إلى التصويت لقيس سعيد في 2019 سنجد أن الوعي بالتغيير واحد، وأنه يتقدم نحو افتكاك المبادرة من النخب التي نراها غارقة في بناء حكومة وهي مكبلة باختلافاتها القديمة ذات الطبيعة الإيديولوجية المفوتة.

الصورة أو الخريطة القديمة التي يزعم فيها المثقف معرفة كل شيء ويلزم الفرد المجهول بوضع التبعية له انكسرت وهي تذهب الآن شظايا. ويعود السبب الرئيسي إلى حالة الحرية المنفلتة من رقابة المثقف نفسه والذي كان يعرف ما يقال وما لا يجب قوله، والذي كان بفضل ما نسب إلى نفسه من قدرة يضبط إيقاع الشوارع على هواه فيصعد ضد السلطة بتحريك الجمهور الغافل (الطيب الغبي) أو بإسكاته في لحظة عقد الصفقات مع السلطة على حسابه.

لم تكن السلطة هي العدو الوحيد للحرية بل يتبين أن المثقف الزعيم كان يعادي الحرية أيضا. وها نحن نكتشف ورطته أمام شعب لا يؤمن به ولا يتبعه. إن ورطة تشكيل حكومة تونس هذه الأيام هي ورطة مثقفين لم يفهموا بعد أن شعبهم قد تجاوزتهم، وأسقط نفوذهم، فهم مرتبكون أمامه لذلك نعتقد أنهم سيقطعون عليه الطريق في معركة أخيرة قبل أن يفوتهم قطاره.

نحن أمام حالة جديدة بفعل حرية الاتصال والتواصل والتفكير من خارج العلب الفكرية الجاهزة حالة مواطن عضوي أما مثقف كلاسيكي بالتصنيف القرامشي.

قانون الانغلاق المفضي إلى السقوط

هل نصوغه كقانون سوسيولوجي جديد؟ نلاحظ أن الأسرع في السقوط كان هو الأكثر تكلسا فكرياً عبر التاريخ وأعني في الحالة التونسية اليسار الراديكالي واليسار الثقافي. وطبقا لنفس القانون فإن القوميين قد سقطوا قبل اليسار وإن كنا لا نزال نجد لهم أثراً ولكنه أثر بعد عين لا قوة متوثبة لمستقبل قادم. ونلتقط مؤشرات تغيير جذري في كتل الإسلام السياسي وإن كانت تبدي مرونة من قبيل القول بالإسلام الديمقراطي الذي لن يكون إلا تحولاً عن الإسلام السياسي إلى شيء جديد يحار الإسلاميون في تسميته بعد. ولا نخاله إلا تغييراً جذرياً، وتخلياً نحو كيان جديد غير منغلق.

قانون الانغلاق المفضي إلى السقوط هو الذي يحكم موقف اليسار النقابي من المحاسبة القانونية للفساد. لقد انطلقت من الأسفل المطالبة بمحاسبة النقابة على فسادها المالي قبل محاسبتها على ممارستها السياسية الفاسدة (فالنقابة اليسارية متحالفة بشكل تام مع مكونات منظومة الحكم القديمة، وتتخفى خلف خطاب اجتماعي لم يعد ينطلي على أحد من عوام الناس).

ونجد في المقابل أن جميع النخب تخاف من مواجهة النقابة وهو خوف يتوافق مع خوف النقابة من المحاسبة. ونرى أن الجميع مورط في فساد ما، ويخشى إن بدأت محاسبة النقابة أن يصله المحاسبون الشعبيون الذين يزدادون قوة ووعياً بفضل تحررهم من ذلك الخطاب الذي يضع النقابة في مقام الشهداء فلا يصلها إلا بالتمجيد والركوع أمام النقابيين.

صعود خطاب المحاسبة من الأسفل يهدم معبد النخب. وقد بدأت نخبة النقابة ترتعش وترهب الشارع الذي يسخر من ترهيبهاً. وهذا مؤشر تغيير مهم بل جذري. أننا نشهد سقوط أوثان في سياق تحرر شعبي. وهنا بالذات تكون الثورة قد بدأت فعلها التغييري العميق. 

من سيلتحق بالتغيير الطويل النفس؟

نتوقع فعلاً سياسياً جديداً أكثر مما نتوقع نقداً ذاتياً من قبل النخبة المنتهية الصلاحية. لقد منح ربع مليون إنسان تقريباً أصواتهم لحزب قلب تونس.الذي نشأ في فراغ الأيديولوجيا، وتجاوزها إلى خطاب نفعي براغماتي (عملياتي يقدم الخدمة المباشرة دون كراسات نظرية).

وهو تصويت من جنس التصويت للرئيس قيس سعيد. رغم الفارق الشكلي في مفردات الخطاب بين القروي وسعيد. لكن يظل هناك رابط يزداد وضوحاً كل يوم هو الانتفاض الشعبي ضد الأحزاب والمجموعات المغلقة والتي ظلت دوما تعتقد أن ثقافتها وعلمها (الغزير) يخول لها الحديث باسم الشعب الأمي الجاهل الملزم بالصمت والطاعة.

ليس من الصدفة إن بقي الرجلان إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. لقد بقي خطابهما الجديد وسقط أمامهما 24 مرشحا آخر تكلم أغلبهم خطابا ميتاً مسحوباً من كراسات قديمة لم تفلح في قيادة الثورة في انطلاقها. بل استعادت صراعاتها القديمة التي عاشت منها ووجدت فيها رزقا حسنا.

كان يجب أن تجري عملية غربلة. وقد حصلت، وكانت انتخابات 2019 رجة حقيقية لجهة إسقاط النخبة القديمة، وظهور ميل جارف نحو الفكر العملي (نحتاج وقتا أطول لبلورة هذا التفكير الذي نكتفي الآن بوصفه بالعملي أو البراغماتي) والسؤال الذي سيطرح الآن من سيطور خطابه ويلتحق بالشارع؟ 

إن الذي سيعالج مشاكل الفلاح التونسي في الإنتاج والتسويق سيكون أسرع في اللحاق بالفلاح الذي لم يغرق في نظريات كبيرة حول رأس المال التابع، وشروط التحرر الثقافي من الامبريالية؛ وزود السوق دوما بمنتجات كافية رغم أنه في آخر اهتمامات النخب. والذي سيحسن علاج مشكلة إنتاج الفوسفات وتسويقه هو الذي سيكون أقرب إلى الناس في أي استحقاق انتخابي قادم.

نرجح بيقين أن النخب المتصارعة الآن حول الحكومة لن تفكر إلا في قطع الطريق على هذا الوعي الشعبي المتصاعد الذي يهددها بالفناء بواسطة صندوق حر ومحمي من التزييف. ومن مؤشرات ذلك حماية النقابة من المحاسبة. ومن مؤشراته أيضا ترديد خطاب الإقصاء الناعم وممارساته مثل رفض أن يتزعم الحزب الفائز الحكومة.

لقد ابتدع ائتلاف الكرامة مفهوم حالة الوعي. والائتلاف مجموعة شباب تآلفت قبل الانتخابات بفترة وجيزة جدا ودخلت الانتخابات وفازت بـ22 مقعدا بخطاب مباشر وسهل وقريب من هموم الناس (خطاب عملي). وعوض التقاط المفهوم من قبل بقية الطيف النخبوي المؤدلج والعمل عليه بصفته منهج عمل جديد ذهب هذا الطيف إلى وصم الائتلاف بالدعوشة والإرهاب الديني.

حالة الوعي في حقيقتها تتجاوز من سماها، وهي تستبق دون ضجة كل خطاب النخبة، وتؤشر إلى ظهور شعب جديد حر في تفكيره، وليس له من أنبياء إلا وعيه بمصلحته. وسيكون له رأي في المستقبل، وعلى يديه ستفنى النخب التي لم تفهم مسار التاريخ. هناك ستكون الثورة قد بدأت شق طريقها إلى دولة جديدة بلا كراسات أيديولوجية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.  

المصدر: TRT عربي