ثمة علاقة متوترة بين تعز وأكثر بلدان الإقليم عدائية تجاه الربيع العربي، هذه الحالة العدائية هي التي تفسر حالة عدم الاكتراث من جانب المجتمع الدولي حيال الاعتداءات والانتهاكات الفظيعة التي تتعرض لها تعز من قبل مليشيات الإمارات والحوثيين على حد سواء.

عادت مدينة تعز إلى الواجهة مرة أخرى في خضم معركة حاسمة خاضتها الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة الشرعية، نهاية شهر أبريل/نيسان المنصرم، ضد آخر مربع أمني لكتائب أبي العباس المثيرة للجدل والتي تأسست كذراع أمنية خطيرة للغاية للمشروع الإماراتي المناهض لربيع اليمن ولأدواته وحوامله السياسية وفي مقدمتها التجمع اليمني للإصلاح.

عقدة الأحداث الأمنية الخطيرة التي شهدتها تعز مؤخراً تكمن في التضاد الذي لا يمكن فهمه إلا بالتعمق أكثر في الطبيعة السيئة للأهداف الإماراتية والأكثر عدائية للدولة اليمنية وهي صفة تتقاسمها بمستوى ما مع السعودية، ويتجلى أكثر ما يتجلى هذا المستوى من العدائية في المناطق التي اندحر منها الحوثيون طيلة الأربع السنوات الماضية.

فكتائب أبي العباس مصنفة هي وزعيمها العقيد عادل عبده فارع في قائمة الإرهاب الأمريكية، وهي كذلك مصنفة لدى الإمارات التي تتعهدها بالرعاية، ولدى السعودية ودول الخليج العربية، وفي الوقت ذاته تشكل قوى التغيير البنية الأساسية للقوات التي تواجه الحوثيين في تعز حليفاً مفترضاً للرياض وأبو ظبي، ومنهما ومن السلطة الشرعية تتلقى هذه القوات الدعم العسكري والمادي لمواجهة الانقلابيين الحوثيين.

الهدف في نهاية المطاف هو شيطنة تعز بما تمثله من تجلٍّ واضح لطموح الدولة المدنية المبنية على القيم الديمقراطية.

ياسين التميمي

لكن منذ عامين تقريباً توقف الدعم وتحولت استراتيجية التحالف إلى دعم صريح للكتائب الإرهابية وحفزها على ملء المساحة المحررة من مدينة تعز وخلق أمر واقع حتى وإن تم ذلك عبر إعادة إنتاج "إمارة إسلامية" على غرار ما رأينا في أبين وحضرموت، لأن الهدف في نهاية المطاف هو شيطنة تعز بما تمثله من تجلٍّ واضح لطموح الدولة المدنية المبنية على القيم الديمقراطية.

عملت الأحزاب السياسية المنتمية لليسار وللتيار القومي، على تغطية النشاط الإرهابي لكتائب أبي العباس، اتساقاً مع الأجندة الإماراتية، لكن أنصار أبي العباس عرّوا -وعلى نحو غير متوقع- تلك الجهود السياسية المراوغة للأحزاب التي حاولت تقديم الجيش والشرطة في تعز للرأي العام على أنهم مجرد "حشد شعبي إخواني".

فما أن أُرغم أنصار أبي العباس والقتلة المأجورون الذين عملوا تحت مظلته على مغادرة المدينة القديمة حتى رددوا صرخاتهم المؤكِّدة أن "دولة أبي العباس باقية" وبعضهم ردد صرخة الحوثيين "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل اللعنة على اليهود" على نحو كشف التركيبة الوظيفية المتناقضة لكتائب أبي العباس التي فرضت سلطة أمر واقع على أجزاء واسعة من أحياء تعز المحرَّرة قبل أن تتقلص بفعل الحملات الأمنية المتلاحقة لتقتصر على الأحياء القديمة في المدينة.

لقد تحولت هذه الأحياء الواقعة في الأطراف الغربية للمدينة، وعلى سفح قلعة القاهرة التي أنشأها الأيوبيون، في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الميلادي، ثم أصبحت العاصمة الأولى للدولة الرسولية (626-858هـ/ 1229-1454م)، تحولت إلى مربع أمني يعج بالأسلحة الثقيلة والنوعية التي قدمتها الإمارات لكتائب أبي العباس لتتولى حراسة مجاميع من القتلة والقناصة المأجورين والذين كانت مهمتهم المضي في مخطط التصفية الجسدية المتواصلة للقادة العسكريين والأمنيين المحسوبين على السلطة الشرعية.

كشفت المعركة التي خاضتها القوات الحكومية ضد التشكيلات الإرهابية المدعومة من الإمارات طبيعة الاستقطابات السياسية التي تورطت بسببها أحزاب علمانية في دعم عناصر سلفية جهادية متشددة.

ياسين التميمي

وعلى الرغم من أن مدينة تعز تخلصت من الوجود الرسمي للكتائب الإرهابية، فإنه لا ضمانات لإمكانية بقاء أعداد من العناصر الخطيرة داخلها، في حالة كمون لإعادة توظيفها في أية جولة عنف قادمة، كذلك فإن انتقال هذه الكتائب إلى الريف الغربي لمحافظة تعز يندرج ضمن استراتيجية محتملة لتوفير مقاتليها لاستخدامهم في عملية مؤجلة لمواجهة قوى التغيير في محافظة تعز التي استعصت على الإخضاع وعطلت المشروع الإماراتي المتطرف الهادف إلى تصفية من تسميهم "الاخوان المسلمين"، في إشارة إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح.

كشفت المعركة التي خاضتها القوات الحكومية ضد التشكيلات الإرهابية المدعومة من الإمارات في تعز، تحت الإشراف المباشر ولكن غير المعلن من الرئيس وقيادة الجيش الوطني، ووزارة الداخلية، عن الانقسام في معسكر الشرعية، وكشفت كذلك عن طبيعة الاستقطابات السياسية التي تورطت بسببها أحزاب علمانية في دعم عناصر سلفية جهادية متشددة، تواجه مشروع الدولة وتعمل لحساب الأجندة الإماراتية.

وبسبب هذه الاستقطابات أيضاً وقعت السعودية في تناقض مع شعاراتها، لأنها تتجاوز عبر دعمها للقوى المناهضة لحلفائها المفترضين في تعز، الحقائق الهامة المرتبطة بمحافظة تعز، ومنها موقعها المطل على باب المندب -أحد أعقد ملفات الصراع الإقليمي في اليمن، وبنيتها السكانية الكبيرة المنتمية عقائدياً إلى المكون السني الكبير في عالمنا الإسلامي.

الانتماءات السياسية اليوم تضع الكتلة السكانية السنية الهائلة في تعز تحت مرمى نيران التحالف العربي المزعوم الذي يدعي أنه يواجه إيران الشيعية.

ياسين التميمي

فمدينة تعز هي العاصمة الإدارية لمحافظة تحتل الجزء الجنوبي الغربي من اليمن وتشرف على مضيق باب المندب، وعلى مساحة تصل إلى 13 ألف كيلومتر مربع وتضم أكثر من ثمانية ملايين نسمة أكثر من نصفهم موجودون في المحافظة والبقية موزعون في المراكز الحضرية للمدن الأخرى.

بالتصنيفات العقائدية تمثل تعز المخزن البشري لشوافع اليمن، لكن ثمة أوراقاً كثيرة اختلطت على هذا الصعيد، فالانتماءات السياسية اليوم هي من يحرك الأحداث في المحافظة، وتضع هذه الكتلة السكانية السنية الهائلة، تحت مرمى نيران التحالف العربي المزعوم الذي يدعي أنه يواجه إيران الشيعية وأدواتها في الجغرافيا اليمنية.

ثمة علاقة متوترة بين تعز وأكثر بلدان الإقليم عدائية تجاه الربيع العربي ومن ضمنه ربيع اليمن، هذه الحالة العدائية هي التي تفسر حالة عدم الاكتراث من جانب المجتمع الدولي حيال الاعتداءات والانتهاكات الفظيعة التي تعرضت وتتعرض لها تعز منذ خمس سنوات من قِبل الحوثيين والتشكيلات المسلحة المدعومة من الإمارات.

لقد سمحت علاقة التخادم الوظيفية التي تنخرط فيها السعودية والإمارات لفائدة المشروعات الجيوسياسية لواشنطن والغرب بإبقاء تعز خارج الاعتبارات السياسية والأخلاقية والإنسانية للأمم المتحدة ووكالتها ولمجلس الأمن الذي تهيمن عليه دول كل ما يهمها صفقات السلاح المربحة، في وقت لم يعد بعض زعماء هذه الدول كالرئيس ترمب يرى في الرياض وأبو ظبي سوى صندوق للأموال السائبة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.  

المصدر: TRT عربي