لم تقض الحداثة على الخرافة والشعوذة والسحر بل أعادت إنتاجهم في قوالب جديدة تتناسب وإعادة تموضع الإنسان ضمن منظومة الطبيعة. في هذا المقال تحاول الكاتبة تقديم وجهة نظر مغايرة لوجهة نظر "العطري" في مقاله السابق "اغتيال العقلانية وتجذير الخرافة".

من حداثة نزع السحر عن الطبيعة بمجاليها الزماني والمكاني، وزجها في ميكانيكا محمومة لإثبات سيادة الإنسان الفرد ككيان واعٍ بذاتيته العارفة، وقدراته العقلية، إلى تصيير العالم فُرجة في زمن الفضاءات المفتوحة، ثمة منعرجات وصدامات عنيفة أضرت داخلياً بالنفس البشرية، حد الكفر بالنظريات الفلسفية والعلمية "السرديات الكبرى" التي صنعها الإنسان الحديث، وتوسَّم فيها خلاصه ونهاية آلامه، فإذ به يشعر بالسعادة كعارض مؤقت، والخلاص النهائي محض وهم، ويكتشف أن نّزعه السحر بحاجة إلى مراجعة وبعض استعادة، لربما يعيد بناء المعنى المفقود في حداثته.

وقد بات من المعلوم أن عملية الحداثة تلك لم تكن متساوقة بين المجتمعات؛ إذ انقسم العالم بكونيته اللامسحورة، بين مستحوذ على الرأسمال المالي والفكري والتقني، وتنظيم عملية الإنتاج وتمثلاته، ومستهلك لاستعراضاتها وأيدولوجياتها. استهلاكاً لم يخلُ من القهر والاستغلال والجبر؛ وليس هذا من باب إعادة إنتاج خطاب الضحية غير المأسوف عليه، إنما هو إشارة إلى تباين الاشتراطات التاريخية التي صنعت الحداثة وساقتها، وما تمر به من مأزق يتعلق بوجودية الإنسان، مما يلقي بكثير من التحديات على كاهل العاملين بمجال الإنسانيات، سيما حين نتعرض لمناقشة أي مسألة تتعلق بالأسطورية أو الخرافة وارتباطها بأنماط التدين والتفكير، كما أشار إليه الدكتور عبد الرحيم عطري في مقاله السابق حول "اغتيال العقلانية وتجذير الخرافة".

عندما آمن الإنسان الحداثي بقدرته على سيادة الطبيعة واختراق الفضاء "مكان الإله"، اعتقد أن بوسعه دحض أي معنى باطني يفوقه أو يتعالى عليه ومحو الذاكرة الجمعية من الوجود البشري.

إيمان النمر

أما ما يهمنا هنا، هو الإشارة إلى رمزية التفكير الأسطوري والشعائرية الكونية المتغلغلة في كافة نشاطات وتفاعلات الحياة اليومية، والتي توسَم بالخرافية؛ والكشف عن سريانها "بصورة رواسب حتى في المجتمعات التي تتحلى بالصفة الصناعية الأعظم"، بل إن الإنسان الغربي الذي رفض وجود أي قوى عُليا خارج شرط الوجود البشري ومسار التاريخ، واعتقد أن ذلك لن يحدث إلا بالتحرر من الخرافة ووساوس أسلافه، ما لبث أن غرق باللاشعور في "أسطورية كاملة مموهة"، بحسب ما وصل إليه مرسيا إلياد (1907-1986)، ما يجعلنا نعيد استبصار مسألة القطيعة بين الحداثة والتفكير الأسطوري بعين الحذر والشك.

وحين نتفق مع كلود ليفي شتراوس (1908-2009)، لما رأى أن الذي يبدو خرافياً وعبثياً وبدائياً سيعاود الظهور، وفي حالة التكرار ينبغي أن لا يؤخذ بصفته عبثاً؛ لأن "الميثولوجيا سكونية ثابتة"، يصبح من مهام المجال السسيولوجي والتحليل النفسي، إعادة اختبار واستشفاف الأسطوري الكامن في الفعل الذي يبدو عقلانياً، والاعتراف به بمجادلته وتفكيكه، وليس إدانته وإنكاره، للوقوف على أسباب انتعاشه، واشتراطات إحيائه وكيفية انبثاقه من اللاوعي في الوعي المحرك للواقع.

إنّ الإنسان الحداثي عندما آمن بقدرته على سيادة الطبيعة واختراق الفضاء "مكان الإله"، اعتقد أن بوسعه دحض أي معنى باطني يفوقه أو يتعالى عليه، وبمقدوره محو الذاكرة الجمعية من الوجود البشري. وبإنكاره أنه جزء من الطبيعة، لم يسعفه وعيه، بأن الزمن حتى بتاريخيته المزعومة سيدور، وسيكون الإنسان ذاته وقوداً لأتون تلك السيادة بتحوله إلى شيء، مجرد أداة مثل كل الأدوات. وقد أدرك أن خطية التاريخ الهيجلية ذاتها أحدث خرافاته المُبكية. لذا عاد يستحث إعلان معنى، روح، سحر ينقذه من شعوره بالعدمية، عن ثمة تجربة تشعره أنه لا يزال حياً في ركام فوضى الأخبار العنيفة من موت ودمار ومرض وفقر يضج به العالم، ويلاحقه أينما وحيثما ذهب، على هاتفه الذكي وشاشات الاتصال التكنولوجي السريع الذي يتباهى بصنعه.

يعيد السوق بدوره إنتاج الحكاية الأسطورية أو الخرافية في ثوب حداثي براق، تستعرضه أفلام السينما الصارخة.

إيمان النمر

وبممارسة التأمل المنبوذ من الإنسان الحداثي، وتطبيقه على خطابه بتفكيك مفرداته، يتبين أنه خطاب زاعق بمفردات أسطورية بدائية من نوعية ضرورة محاربة الفوضى، وقوى الظلام، ومحور الشر، والوحشية، والبربرية، والكون المحترق، وكأننا على وشك معركة "أرمجدون" ونهاية الزمان، مع أن الحداثة، وللعجب أنكرت هذا الزمان الميتافيزيقي. عالم حداثي يذكرنا بالحكايات الأسطورية التي كانت تحكيها الجدات، وتخبرنا من خلالها أن البطل يجابه أهوال البحر وعواصفه، ويصارع التنين والغيلان والأشباح، لكن يبدو أن الحكاية حين توارت خلف ستار العقلنة، كبر الإنسان دون أن ينضج، ويحكم العالم الآن ثلة من الأطفال الذين يُحيون الحكاية واقعاً مجسداً، الخير فيها مدعو أيدولوجي يتغذى على قوانين السوق!

والسوق بدوره يعيد إنتاج الحكاية الأسطورية أو الخرافية في ثوب حداثي براق، تستعرضه أفلام السينما الصارخة بتنافسية استنفار الرعب، والتصارع مع الكائنات الغرائبية والفضائية، عدا ألعاب الفيديو القتالية، وبرامج التسلية والدراما التلفزيونية التي تجذب مشاهديها كالمغناطيس، كلما ارتفعت وتيرة العنف، وتلونت الشاشة بالدم المسفوح؛ إزاحةً وإبدال عن الذبيحة المقدسة، طقس تضحية مستمر لكن لا يثمر أي سِلم، كما تروي الأساطير؛ لأنه مزيف، ولا ضمان لبقائه آمناً داخل حدود الشاشة الأربعة.

وبوسعنا استشفاف الأسطورية دون عناء، في أعياد رأس السنة والمهرجانات وألعاب المصارعة الصاخبة، والتعري في الحيزات العامة التي كان يمارسها البدائيون بغية الغرق في الخطيئة لإحداث التمايز وفض الالتباس بين قوتَي الشر والخير، ما يسفر عن تحرر كامل من الطاقات الأرضية المظلمة، ومن ثمّ الفوز بالخلاص، باستعادة لحظة البدء الفردوسي والتجدد الروحي الذي يمثله على مستوى الرمزية الكونية انبثاق الضوء من الليل الحالك.

كما بيّن مرسيا إلياد في "العود الأبدي" و "المقدس والدنيوي"، بواطن الأسطورية وكيفية اشتغالها الرمزي في سلوك الإنسان الحديث وآليات دفاعه عن مركزية وطنه وسكنه وممتلكاته وارتباط ذلك في اللاشعور برمزية "سرة الكون" والاعتقاد القديم لدى الإنسان بمركزيته النابعة من تبعيته لإلهه. وهو ما يتم توظيفه حالياً بمنهجية في سياسات الهوية واليمين الصاعد، والمركزية الغربية المغايرة بمسمى التمايز الثقافي وتعدديته التعايشية الوهمية.

نلاحظ اليوم توظيف الإرث الأسطوري في المجال الحقوقي والبيئوي مثل الحركات النسوية التي تعود بمرجعيتها الفكرية إلى أساطير آلهة الخصوبة والنماء.

إيمان النمر

هذا بخلاف ما تنطوي عليه أنماط السلوك الغامض الذي تثيره مشاعر القبول والارتياح النفسي المباغتة دون تفسير، كذلك التفاؤل والتشاؤم ببعض الأيام والأماكن والأردية والألوان والنصوص، غير مظاهر الاندماج الوجداني في طقوس العبور والانتقال الجماعية، مثل مراسم الميلاد والزواج والموت، على نحو يتجاوز الشيئية. ما يؤكد أن الميثولوجيا الكامنة في اللاوعي تتحرك وتعبر عن نفسها لكن دون اعتراف، ودون هيكل متماسك.

واليوم، نلاحظ توظيف الإرث الأسطوري في المجال الحقوقي والبيئوي؛ مثل الحركات النسوية التي تعود بمرجعيتها الفكرية إلى أساطير آلهة الخصوبة والنماء، ببيان أوجه التماثل بين عملية الخلق الإلهي وتجدد الحياة من الرحم الأنثوي على المستوى الأرضي. وكذلك استدعاء أساطير ألوهة الأرض أو "الأرض الأم"، التي يرفع شعارها حركات الحفاظ على البيئة مؤخراً، حينما اكتشف الإنسان الحداثي أن استنزاف الطبيعة بعقلانيته المتغطرسة، حتماً ستدمره حد المحو التام.

وفي السياق ذاته يمكننا تفسير الحس الإحساني المتكاثر من الإنسان نحو الحيوانات والدعوة للطعام النباتي، كذلك الحركات الإحيائية للفن وجمالياته، وتبجيل الطبيعة، وإعادة تأويل رمزيات التجدد الكلي المتمثلة في الشمس والقمر وحركة الأفلاك، وعلاقتها بقدسية الجسد، ثم تنامي ممارسة تمارين اليوجا، والرياضات التأملية في الأماكن المفتوحة على الصحراء والمسطحات المائية، بجانب الانجذاب الملحوظ نحو فلسفات البوذية والصوفية، جميعها قرائن تشهد على تراجع عملية نزع السحر، وإستعادة رمزياته ببعض الاعتراف والمصالحة -أياً كان المسمى الديني الذي يعنونه- استجابةً لحالة ظمأ وقلق وجودي، يحاور معنى كامناً بداخله، عله بتحريره يعيد التوازن النفسي للإنسان، وبتعبير جوزيف كامبل يرتب "فوضى الروح كي يتناغم المستوى الفسيولوجي مع وجودنا الداخلي الحميم".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي